فهرس الكتاب

الصفحة 3271 من 11127

2091 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) قد تكرَّر ذكره، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد بن أبي عَدِي _ بفتح العين المهملة وكسر الدال _، واسم أبي عديٍّ إبراهيم البصريُّ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) الأعمش (عَنْ أَبِي الضُّحَى) بضم الضاد المعجمة، مسلم بن صبيح (عَنْ مَسْرُوقٍ) بن الأجدع عبد الرَّحمن، والأجدعُ لقبه (عَنْ خَبَّاب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى، هو ابنُ الأرتِّ، وقد مرَّ في (( الصلاة ) ) [خ¦777] ، أنَّه (قَالَ كُنْتُ قَيْنًا) أي حدَّادًا (فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) بالهمزة بعد الألف.

وذكر ابن الكلبيِّ عن جماعةٍ في الجاهلية أنَّهم كانوا زنادقةً منهم العاص بن وائل، وعقبة ابن أبي مُعيط، والوليد بن المغيرة، وأُبي بن خلف.

(دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي فأتيت العاص أطلبُ منه ديني (فَقَالَ لاَ أُعْطِيكَ) أي فقال العاص لا أعطيك حقَّك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ) صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ لاَ أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ) وفي رواية مسلم (( فقلت له لن أكفر به حتَّى تموت، ثمَّ تبعث ) ). وفي رواية الترمذيِّ (( فقلت لا حتَّى تموت ثمَّ تُبعث، قال وإنِّي لميِّتٍ ثمَّ مبعوثٍ؟ فقلت نعم. فقال إنَّ لي هناك مالًا وولدًا فأقضيك ) )، فإن قيل من عين للكفر أجلًا فهو كافرٌ الآن إجماعًا، فكيف صدر هذا عن خبَّابٍ رضي الله عنهم ودينه أصحُّ وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد؟.

فالجواب أنَّه لم يرد به خبَّاب هذا، وإنَّما أراد لا تعطيني حتَّى تموت وتبعث، أو إنَّك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسرًا منك وجبرًا، وقال أبو الفرج لَمَّا كان اعتقاد هذا المخاطب أنَّه لا يبعث خاطبه على اعتقاده، فكأنَّه قال لا أكفر أبدًا، وقيل أراد خبَّاب أنَّه إذا بعث لا يبقى كفر؛ لأنَّ الدار دار الآخرة، ولا مجال فيها للكفر والإنكار، وهذا نظيرُ قوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان 56] .

(قَالَ) أي العاص (دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ) أي حتَّى أن أموتَ (وَأُبْعَثَ) على البناء للمفعول (فَسَأُوتَى) على البناء للمفعول أيضًا (مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ) قال مقاتل صاغ خبَّاب للعاص شيئًا من الحليِّ فلمَّا طلب منه الأجر قال ألستم تزعمون أنَّ في الجنَّة الحرير والذَّهب والفضَّة والولدان.

قال خبَّاب نعم، قال العاص فميعاد ما بيننا الجنَّة، وقال الواحديُّ قال الكلبي ومقاتل كان خبَّاب قينًا، وكان يعمل للعاص بن وائل وكان العاص يؤخِّر

ج 10 ص 110

حقَّه فأتاه يتقاضاه، فقال ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال خبَّاب لست مفارقك حتَّى تقضيني، فقال العاص يا خبَّاب ما لك ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب قال ذلك إذ كنت على دينك، وأمَّا اليوم فأنا على الإسلام، قال أفلستُم تزعمون أنَّ في الجنَّة ذهبًا وفضَّةً وحريرًا قال بلى، قال فأخِّرني حتَّى أقضيك في الجنَّة استهزاء، فوالله إن كان ما تقوله حقًّا إنِّي لأفضلُ فيها نصيبًا منك فأنزل الله تعالى الآية. وفي رواية (( قال لا أقضيك حتَّى تكفر بمحمَّدٍ، قال لا والله لا أكفر بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حيًّا ولا ميِّتًا ولا حين بُعِثْتَ، قال فإنِّي مبعوث؟ قال نعم، قال فإذا بعثت جئتني فيكون لي ثمَّة مالٌ وولدٌ فأُعطيك ) ).

(فَنَزَلَتْ {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} ) القرآن ( {وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا} ) لَمَّا كان مشاهدة الأشياء ورؤيتها طريقًا إلى الإحاطة بها علمًا، وإلى صحَّة الخبر عنها استعملوا {أَرَأَيْتَ} في معنى أخبر، والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التَّعقيب، كأنَّه قال أخبر أيضًا بقصَّة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك وهو العاص بن وائل كفر بالقرآن، وقال (( لأُعطينَّ مالًا وولدًا ) )يعني في الجنَّة بعد البعث، وقرأ حمزة، والكسائيُّ (( وُلْدًا ) )بضم الواو وسكون اللام، وقرأ الباقون بفتحهما، وهما لغتان كالعرب والعرب، وعن يحيى بن يعمر (( وِلدا ) )بالكسر [1] ، وقيس تجعل الوُلد جمعًا والوَلَد واحدًا.

وفي «ديوان الأدب» للفارابي في باب فُعْل _ بضم الفاء وسكون العين _ الوُلْد لغة في الولد ويكون واحدًا وجمعًا، وذكره أيضًا في باب فِعْل _ بكسر الفاء وسكون العين _، وذكره أيضًا في باب فَعَل _ بفتح الفاء والعين _. وفي «المحكم» الوَلَد والوُلْد ما وَلِد أيًّا ما كان وهو يقع على الواحد والجمع، والذكر والأنثى، وقد يجوز أن يكون الوُلْد جمع وَلِد، كوَثَن ووُثْن، والوِلْد كالوُلْد ليس بجمع، والوَلَد أيضًا الرهط.

( {أَطَّلَعَ الْغَيْبَ} ) من قولهم اطلع الجبل، إذا ارتقى أعلاه وطلع الثَّنيَّة، قال جرير

~لَاقَيْتُ

ج 10 ص 111

مُطَّلَعَ الجِبَالِ وعُورًا

ويقولون مُرَّ مطَّلِعًا لذلك الأمر؛ أي عاليًا له مالكًا له، ولاختيار هذه الكلمة شأنٌ كأنَّه يقول تعالى (( أوَقد بلغَ من عظم شأنهِ إلى أن ارتقَى إلى علمِ الغيب الذي توحَّد به الواحد القهَّار حتَّى ادَّعى أن يؤتاه مالًا وولدًا وتألَّى عليه ) )أي أقسمَ عليه، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أَنَظر في اللوح المحفوظ؟. وعن مجاهدٍ أَعَلم علم الغيب حتَّى يعلم في الجنَّة هو أو لا؟.

( {أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا} ) أو اتَّخذ من عالم الغيوب عهدًا بذلك؛ أي هل عهد الله أن يؤتيه ذلك قاله الكلبيُّ، والحاصل أنَّه لا يتوصَّل إلى العلم به إلَّا بأحد هذين الطَّريقين، وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أم قال لا إله إلَّا الله، وعن قتادة أم قدم عملًا صالحًا فهو يرجو هذا، وذلك لأنَّ وعد الله بالثواب على كلمة الشَّهادة والعمل الصَّالح كالعهد عليه، وفي الحديث أنَّ الحداد لا يضرُّه مهنة صناعته إذا كان عدلًا.

قال أبو العتاهية

~أَلَا إِنَّمَا التَّقْوَى هُوَ العِزُّ وَالْكَرَمُ وَحُبُّكَ لِلدُّنْيَا هُوَ الذُّلُّ وَالعَدَمُ

~وَلَيْسَ عَلَى حرٍّ تَقِيٍّ نَقِيْصَةً إِذَا أَسَّس التَّقْوَى وإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمَ

وفيه أنَّ الكلمة من الاستهزاء ليتكلَّمُ بها المرء فتكتب له بها سخطة إلى يوم القيامة، ألا ترى وعيد الله تعالى على استهزائه لقوله {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا*وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا} [مريم 79 - 80] [2] ، يعني من المال والولد بعد إهلاكنا إيَّاه ويأتينا فردًا؛ أي نبعثه وحدَه تكذيبًا لظنَّه، وفيه جوازُ الإغلاظ في اقتضاء الدين لمن خالف الحقَّ وظهرَ منه الظُّلم والعداوة.

ورجالُ إسناد الحديث ما بين بصريٍّ وواسطيٍّ وكوفيٍّ، وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( المظالم ) ) [خ¦2425] و (( التفسير ) ) [خ¦4733] و (( الإجارة ) )أيضًا [خ¦2275] ، وأخرجه مسلمٌ في (( ذكر المنافقين ) )، والترمذي في (( التفسير ) )، وكذا النسائي فيه.

[1] (( وعن يحيى بن يعمر ولدًا بالكسر ) )في (خ) ليست في هذا الموضع وموجودة في الهامش.

[2] في هامش الأصل {سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ} أي سنظهر له أنا كتبنا قوله واستنقم منه انتقام من كتب جريمة العدو وحفظها عليه فإن نفس الكتابة لا تتأخر عن القول لقوله تعالى {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق 18] {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} [مريم 79] أي ونطول له من العذاب ما يستأهله أو نزيد عذابه ونضاعف له لكفره وافترائه واستهزائه على الله، ولذلك أكده بالمصدر دَلالة على فرط غضبه عليه {وَنَرِثُهُ} بموته {مَا يَقُولُ} يعني المال والولد، وهو بدل اشتمال؛ أي نهلكه ونرث ماله وولده {وَيَأْتِينَا} يوم القيامة {فَرْدَا} [مريم 80] لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلًا أن يؤتى ثمة زائدًا، وقيل {فردا} رافضًا لهذا القول منفردًا عنه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت