2092 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُبْزًا وَمَرَقًا) قال الإسماعيليُّ الخبز الَّذي جاء به الخيَّاط كان من شعير، وقال الداوديُّ فيه دليلٌ على أنَّه صنع بذلك الخبز والمرق ثريدًا.
(فِيهِ دُبَّاءٌ) بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة ممدودًا، هو القرع واحدته دبَّاءة، وفي «الجامع» للقزَّاز الدبَّا، بالقصر لغة في القرع.
وذكره ابن سِيده في «الممدود الذي ليس بمقصود» من لفظه، وفي «شرح المهذب» هو القرع اليابس، وقال العينيُّ فيه نظرٌ؛ لأنَّ القرع اليابس لا يطبخ بدليل حديث الباب.
وقال أبو حنيفة الدينوريُّ في كتاب «النبات» الدبَّاء من اليقطين ما ينفرش ولا ينتهض، كجنس البطِّيخ والقثَّاء، وقد روي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما كلُّ ورقةٍ اتَّسعت ورقت فهو يقطين.
(وَقَدِيدٌ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ) بفتح اللام (الْقَصْعَةِ) قال القرطبيُّ تتبَّعه من حوالي القصعة؛ لأنَّ الطَّعام كان مختلفًا فكان يأكل ما يعجبه منه وهو الدُّبَّاء ويترك ما لا يعجبه وهو القديد (قَالَ) أنس رضي الله عنه (فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ) وفي الحديث جواز الإجارة على الخياطة ردًّا على من أبطلها بعلَّة أنَّها ليست بأعيانٍ مرئيَّةٍ، ولا صفاتٍ معلومة.
وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاريُّ من القين والصَّائغ والنَّجار؛ لأنَّ هؤلاء الصُّنَّاع إنَّما يكون منهم الصَّنعة المحصنة فيما يستصنعه صاحبُ الحديد والخشب والفضَّة والذَّهب، وهي أمور من الصَّنعة يوقف على حدِّها، ولا يختلط بها غيرها، والخياط إنَّما يخيطُ الثوب في الأغلب بخيوطٍ من عنده فيجتمع إلى الصَّنعة الآلة وأحدهما التجارة والآخر الإجارة.
وحصَّة أحدهما
ج 10 ص 113
لا تتميز من الأخرى، وكذلك في الخرَّاز والصبَّاغ إذا كان يخرز بخيوطه ويصبغ بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصُّناع، والقياس أن لا يصح ذلك إلَّا أنَّ الشَّارع وجدهم على هذه العادة أوَّل زمن الشَّريعة فأقرَّهم على ذلك، ولم يغيِّرها إذ لو طولبوا بغير ذلك لشقَّ عليهم فأشفق عليهم وأرفق فصار بمعزلٍ عن موضوع القياس للإرفاق.
وفي الحديث أيضًا الإجابة إلى الدَّعوة وقد اختلف فيها فمنهم من أوجبها، ومنهم من قال هي سنَّة، ومنهم من قال هي مندوبٌ إليها، وفيه أيضًا دلالةٌ على تواضع النَّبي صلى الله عليه وسلم حيث أجاب دعوة الخيَّاط وشبهه، وفيه فضيلة أنسٍ رضي الله عنه حيث بلغت محبَّته لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أنَّه كان يحبُّ ما أحبَّه صلى الله عليه وسلم من الأطعمة، وفيه دليلٌ على فضيلة القرع على غيره.
وذكر أصحابنا الحنفيَّة أنَّ من قال كان النَّبي صلى الله عليه وسلم يحبُّ القرع فقال الآخر أنا لا أحبُّ القرع يخشى عليه من الكفر، وفيه ما قاله الكرمانيُّ أنَّ الصحفة التي قرِّبت إليه صلى الله عليه وسلم كانت له وحده فإنَّه إذا كانت له ولغيره فالمستحبُّ أن يأكل ممَّا يليه لقوله صلى الله عليه وسلم (( كُلْ ممَّا يليك ) )، وفيه أيضًا جواز أكل الشَّريف طعام الخيَّاط والصَّائغ وإجابته إلى دعوته، وفيه إثباته صلى الله عليه وسلم منازل أصحابه والائتمار بأمرهم.
وقد قال شعيبُ عليه السلام {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ} [هود 88] فتأسَّى به في الإجابة، وفيه الإجابة إلى الثَّريد وهو خير الطَّعام.
وأمَّا مطابقة الحديث للترجمة فظاهرة.
والحديث أخرجه المؤلِّف في (( الأطعمة ) )أيضًا [خ¦5379] ، وأخرجه مسلمٌ في (( الأطعمة ) )وكذا أبو داود، وأخرجهُ الترمذيُّ فيه وفي «الشمائل» ، والنسائيُّ في (( الوليمة ) ). وقال الترمذي حديثٌ حسنٌ صحيح.