2118 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) بفتح الصاد المهملة وتشديد الموحدة، البغدادي، وقد مرَّ في باب (( من استوى قاعدًا في صلاته ) ) [خ¦823] ، قال (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) أبو زياد الأسديُّ مولاهم الخُلْقاني _ بضم المعجمة وسكون اللام وبالقاف وبالنون _ الكوفيُّ. قال البخاريُّ جاء نعيه إلى أهله سنة أربع وسبعين ومائة.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ) بضم السين المهملة وسكون الواو وبالقاف، أبو بكر الغنوي، وكان ثقة عابدًا صالحًا. وقد مر في كتاب (( العيد ) ) [خ¦966] (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ) مصغَّر جَبْر، ضدُّ الكسر (ابْنِ مُطْعِمٍ) بلفظ الفاعل من الإطعام، وقد مرَّ في باب (( الرجل يوضِّئ صاحبه ) ) [خ¦182] (قَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) هكذا قال إسماعيلُ بن زكرياء عن محمد بن سوقة، وخالفه سفيان بن عيينة، فقال عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير عن أمِّ سلمة رضي الله عنها. أخرجه الترمذيُّ ويحتمل أن يكون نافع بن جبير سمعه منهما فإنَّ روايته عن عائشة رضي الله عنها أتمَّ من روايته عن أم سلمة.
وأخرجهُ مسلمٌ أيضًا من وجهٍ آخر عن عائشة رضي الله عنها حَدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا يونس بن محمد ثنا القاسم بن فضل
ج 10 ص 172
الحرَّاني، عن محمد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه، فقلنا يا رسول الله! صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله، فقال (( العجب أنَّ ناسًا من أمَّتي يؤمُّون بالبيت برجلٍ من قريشٍ قد لجأ بالبيت حتَّى إذا كان بالبيداء خسف بهم ) )فقلنا يا رسول الله! إنَّ الطريق قد تجمع الناس؟ قال (( نعم، فيهم المستبصرُ والمجبور وابن السَّبيل يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتَّى يبعثهم الله على نيَّاتهم ) ).
(قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ) أي يقصد عسكر من العساكر تخريب الكعبة، وفي رواية مسلم (( عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه ) )، وقد مرَّ آنفًا، وزاد في روايةٍ أخرى أنَّ أم مسلمة رضي الله عنها قالت ذلك زمن ابن الزبير. وفي أخرى أنَّ عبد الله بن صفوان، أحد رواة الحديث عن أمِّ سلمة رضي الله عنها، قال (( والله ما هو هذا الجيش ) ).
(فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ) وفي رواية مسلم (( بالبيداء ) )، وفي روايةٍ لمسلم عن أبي جعفر الباقر، قال هي بَيْدَاءُ المدينة، وهي بفتح الموحدة وسكون التحتانية ممدودة في الأصل، المفازة الَّتي لا شيءَ فيها، وهي في هذا الحديث مكانٌ معروفٌ بين مكَّة والمدينة. وقد تقدَّم شرحه في كتاب (( الحج ) ) [خ¦1545] .
(يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) وزاد الترمذيُّ في حديث صفية (( ولم ينج أوسطهم ) )، وزاد مسلم أيضًا في حديث حفصة رضي الله عنها (( فلا يبقى إلَّا الشريد الذي يخبر عنهم ) )، ويستغنى بهذا عن تكلُّف الجواب عن حكم الأوسط، وأنَّ العرف يقضي بدخوله فيمن هلك أو لكونه آخرًا بالنسبة إلى الأوَّل، وأوَّلًا بالنسبة إلى الآخر فيدخل.
(قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ) جملة حاليَّة، كذا عند البخاري جمع سوق وعليه ترجم، والتقدير أهل أسواقهم الَّذين يبيعون ويشترون، كما في المدن أو السوقة منهم، وفي «مستخرج أبي نعيم» من طريق سعيد بن سليمان، عن إسماعيل بن زكريَّاء. (( وفيهم أشرافهم ) )بالمعجمة والراء والفاء. وفي رواية محمد بن بكار عند الإسماعيليِّ (( وفيهم سواهم ) )وقال وقع في رواية البخاريِّ (( وفيهم أسواقهم ) ) [خ¦2118] وليس هذا الحرفُ في حديثنا وأظنُّه تصحيفًا، فإنَّ الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق، وقال
ج 10 ص 173
الحافظ العسقلانيُّ بل لفظ (( سواهم ) )تصحيفٌ فإنَّه بمعنى قوله (وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ) أي من رافقهم ولم يقصد موافقتهم، فيلزم منه التِّكرار، بخلاف رواية البخاري. نعم أقربُ الرِّوايات إلى الصَّواب رواية أبي نعيم، وليس في لفظ (( أسواقهم ) )ما يمنع أن يكون الخسف بالناس، فالمراد بالأسواق أهلها؛ أي يخسف بالمقاتلة ومن ليس من أهل القتال كالباعة، انتهى.
وقال العينيُّ لا نسلِّم لزوم التِّكرار؛ لأنَّ معنى (( أسواقهم ) )أهل أسواقهم، والمراد بقوله (( ومن ليس منهم ) )الضُّعفاء والأسارى الذين لا يقصدون التَّخريب، ولا نسلِّم أيضًا أنَّ أقرب الرِّوايات إلى الصَّواب رواية أبي نعيم؛ لأنَّ أشرافهم عظماء الجيش الذين يقصدون التَّخريب. ورواية البخاريِّ على حالها صحيحةً على التفسير المذكور، انتهى.
وأنت خبيرٌ بسخافة هذا الكلام إن كنت ممَّن تفهم المرام نعم، قوله نعم، أقرب الرِّوايات إلى الصَّواب رواية أبي نعيم، ليس بذاك.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ) أي وأوسطهم كلهم (ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ) أي يخسف بالكلِّ بشؤم الأشرار، ثمَّ يعامل كلُّ أحدٍ منهم عند الجزاء بحسب قصده إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٍّ. وفي رواية مسلم كما تقدم، (( فقلنا إنَّ الطريق يجمع الناس، قال نعم، فيهم المستبصر ) )أي المستبين لذلك القاصد للمقاتلة، و (( المجْبُور ) )بالجيم والموحدة؛ أي المكره، و (( ابن السبيل ) )أي سالك الطَّريق معهم، ومن ليس منهم يعني أنَّه استشكل وقوع العذاب على من لا إرادة له في القتال الذي هو سبب العقوبة، فوقع الجواب بأنَّ العذاب يقع عامًّا لحضور آجالهم ويبعثون بعد ذلك على نيَّاتهم، وفي رواية مسلم كما سبق (( يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتَّى ) )، وفي حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها عند مسلم فقلت يا رسول الله! فكيف بمن كان كارهًا؟ قال (( يُخْسَفُ به ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته ) ).
وقال المهلب في هذا الحديث إنَّ من كثَّر سواد قومٍ في معصية أو فتنة مختارًا أنَّ العقوبة تلزمه معهم، قال واستنبط
ج 10 ص 174
منه مالك عقوبة من يجالس شَرَبة الخمر وإن لم يشرب.
وتعقَّبه ابن المُنَيِّر بأنَّ العقوبة التي في الحديث هي الهجمة السَّماوية فلا يقاس عليها العقوبات الشرعيَّة، ويؤيِّده آخر الحديث حيث قال (( ويبعثون على نيَّاتهم ) )، وفي الحديث أيضًا أنَّ الأعمال تعتبر بنيَّة العامل، وقد قال الشارع (( ولكلِّ امرئٍ ما نوى ) ).
وفيه أيضًا التَّحذير من مصاحبة أهل الظلم والفسق ومجالستهم وتكثير سوادهم إلَّا لمن اضطر إلى ذلك، فإن قيل فما تقول في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة هل هي إعانةٌ لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورته البشريَّة ثمَّ يعتبر عمل كلَّ أحد بنيَّته؟ فالجواب أنَّ ظاهر الحديث يدلُّ على الثاني، والله أعلم.
وقال ابن التِّين يحتمل أن يكون هذا الجيش الَّذي يخسف بهم هم الَّذين يهدمون الكعبة فينتقم منهم فيخسف بهم، ورُدَّ عليه بوجهين
أحدهما أنَّ في بعض طرق الحديث عند مسلم (( أنَّ ناسًا من أمَّتي، وأمَّا الَّذين يهدمونها فمن كفَّار الحبشة ) ).
والآخر أنَّ مقتضى كلامه أنَّه يخسف بهم بعد أن يهدموها ويرجعوا، وظاهر الحديث أنَّه يخسف بهم قبل أن يصلوا إليها فضلًا عن هدمها، والله أعلم.