2125 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السين المهملة وبالنونين، أبو بكر العوفي، وهو من أفراد البخاري قال (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضم الفاء وفتح اللام وسكون المثناة التحتية وفي آخره حاء مهملة، هو ابنُ سليمان أبو يحيى الخزاعيُّ، وكان اسمه عبد الملك،
ج 10 ص 185
وفليح لقبه غلب على اسمه قال
(حَدَّثَنَا هِلاَلٌ) بكسر الهاء، هو ابنُ عليٍّ في الأصح، وقيل هلال بن أبي هلال الفهريُّ المدينيُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين، هو أبو محمد الهلاليِّ، وليس لهلال عن عطاء عن عبد الله بن عَمرو في الصَّحيح غير هذا الحديث (قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ) فإنَّه كان يقرأ الكتابين القرآن والتوراة، وروى البزَّار من حديث ابن لهيعة عن واهب عنه أنَّه رأى في المنام كأنَّ في إحدى يديه عسلًا، وفي الأخرى سمنًا وكان يلعقهما، فأصبح فذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( تقرأ الكتابين التوراة والقرآن ) )فكان يقرأهما.
(فَقَالَ أَجَلْ) بفتح الهمزة والجيم وباللام، من حروف الإيجاب جواب مثل نعم فيكون تصديقًا للمخبر، وإعلامًا للمستخبر، ووعدًا للطَّالب، وبهذا يجاب عن قول الكرمانيِّ شرطه أن يكون تصديقًا للمُخْبِر وهنا ليس كذلك، فافهم.
(وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ) أكَّد كلامه بالمؤكَّدات، وهي الحلف بالله، واسميَّة الجملة ودخول إنَّ عليها ودخول لام التَّأكيد على الخبر (فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} ) أي لأمَّتك المؤمنين بتصديقهم وعلى الكافرين بتكذيبهم؛ أي مقبولًا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشَّاهد العدل في الحكم، فقوله شاهدًا حال مقدَّرة كما في قولك مررت برجلٍ معه صقرٌ صائدًا غدًا؛ أي مقدَّرًا به الصَّيد غدًا.
( {وَمُبَشِّرًا} ) للمؤمنين ( {وَنَذِيرًا} ) للكافرين، والآية في سورة الأحزاب، وتمامها {وَدَاعِيًَا إِلَى اللهِ} أي إلى توحيده {بِإِذْنِهِ} أي بأمره لك بالدُّعاء، وقيل بإذنه بتوفيقه {وَسِرَاجًَا} جلَّى به الله كلمات الكفر وظلماته فاهتدى به الضَّالُّون كما تجلَّى ظلام اللَّيل بالسِّراج ويُهْتَدَى به. ووصفه بقوله {مُنِيْرًَا} لأنَّ من السِّراج ما لا يضيء إذا قلَّ سليطه؛ أي زيته ودقَّتْ فتيلته.
(وَحِرْزًا) بكسر الحاء المهملة؛ أي حافظًا، والحرز في الأصل الموضع الحصين فاستعير لغيره ويسمَّى التعويذ أيضًا حرزًا.
ج 10 ص 186
(لِلأُمِّيِّينَ) أي لدين الأميين، يقال أحرزتُ الشَّيء أحرزه إحرازًا، إذا حفظته وضممتُه إليك وصنته عن الأخذ والأميُّون العرب؛ لأنَّ الأمِّي من لا يكتب والكتابة كانت قليلةً عندهم.
(أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ) يعني لقناعتهِ باليسير من الرِّزق واعتماده على الله تعالى في الرِّزق والنصر والصَّبر على انتظار الفَرَج والأخذ بمحاسن الأخلاق واليقين بوعد الله تعالى.
(لَيْسَ) هذا التفات؛ لأنَّ القياس يقتضِي الخطاب بأن يقال ولست، ولكن التفت من الخطاب إلى الغيبة؛ لأنَّ المراد وصفه بذلك لغيره لا لنفسه.
(بِفَظٍّ) أي سيِّءِ الخُلُق (وَلاَ غَلِيظٍ) أي شديدٍ في القول (وَلاَ سَخَّابٍ) على وزن فعَّال _ بالتشديد _ من السَّخب (فِي الأَسْوَاقِ) وفي «التلويح» وفيه ذمُّ الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذه الصِّفة المذمومة من الصَّخب واللَّغظ، والزيادة في المدحة والذم لِمَا يتبايعونه والأيمان الحانثة.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (( شرُّ البقاع الأسواق ) )، هذا وليس فيه الذم لنفس الأسواق وقد مرَّ الكلام فيه [خ¦774 قبل] .
(وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ) أي لا يسيءُ إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم ينتهك لله حرمة.
ونِعْمَ ما قال بعضُهم بالفارسيَّة
~بدي رابدي سهل باسد جزا أكر مردي أحسن إلى من أساء
(وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاء) أي حتَّى ينفي الشِّرك ويثبت التوحيد، والملَّة العوجاءُ هي ملَّةُ العرب ووصفها بالعوج؛ لِمَا دخل فيها من عبادة الأصنام وتغييرهم ملَّة إبراهيم عليه السلام عن استقامتها وإمالتهم بعد قوامها، والمراد من إقامتها إخراجها من الكفر إلى الإيمان.
(بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) ويستقيموا على ذلك (وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا) جمع عين، الباصرة (عُمْيًا) بضم العين، جمع عمياء، قال ابن التِّين كذا للأصيليِّ يعني جعل عميًا صفة للأعين، وفي بعض روايات الشيخ أبي الحسن (( أعينَ عُميٍ ) )بالإضافة وعُمْيٍ على
ج 10 ص 187
هذه الرواية جمع أعمى.
(وَآذَانًا صُمًّا) كذلك بالروايتين إمَّا جمع صمَّاء، وإمَّا جمع أصم (وَقُلُوبًا غُلْفًا) والغُلْف _ بضم الغين المعجمة _ جمع أغلف، سواء كان مضافًا، أو غير مضاف وترك الإضافة فيه بيِّن وسيجيء تفسيره قريبًا إن شاء الله تعالى.
(تَابَعَهُ) أي تابع فليحًا (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللام، الماجشون وقد مرَّ في (( العلم ) ) [خ¦124] (عَنْ هِلاَلٍ) في روايته عن عطاءٍ، وأخرج البخاريُّ هذه المتابعة مسندة، فقال حدَّثنا عبد الله حدَّثنا عبد العزيز أبي سلمة، عن هلال بن أبي هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص أنَّ هذه الآية التي في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [الأحزاب 45] ، الحديث أخرجه في سورة الفتح [خ¦4838] ، وعبد الله شيخه هو ابنُ مسلمة، قاله أبو علي بن السَّكن، وقال أبو مسعودٍ الدمشقيُّ هو عبد الله بن محمد بن رجاء.
وقال الجيَّانيُّ هو عبد الله بن عبد الله بن صالح، كاتب اللَّيث، والحُكْمُ قطعٌ على أنَّ البخاري لم يخرج في «صحيحه» عن عبد الله بن عبد الله بن صالحٍ كاتب الليث. نعم أخرج هذا الحديث في كتاب «الأدب» عن عبد الله بن عبد الله بن صالح.
(وَقَالَ سَعِيدٌ) هذا هو ابنُ أبي هلال (عَنْ هِلاَلٍ) هو المذكور في سند الحديث (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابنُ يسار (عَنِ ابْنِ سَلاَمٍ) هو عبدُ الله بن سلامٍ الصحابي رضي الله عنه، وقد خالف سعيد هذا عبد العزيز وفليحًا في تعيين الصَّحابيِّ.
وهذه الطَّريقة وصلها الدارميُّ في «مسنده» ، ويعقوب بن سفيان في «تاريخه» ، والطَّبراني جميعًا بإسنادٍ واحدٍ عنه ولا مانع أن يكون عطاء حمل الحديث عن كلٍّ من عبد الله بن عمرو، وعبد الله بن سلام. ورواه الترمذيُّ من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جدِّه قال مكتوبٌ في التَّوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم، وعيسى بن مريم يدفن معه، ووقع في رواية النسفيِّ والمستملي
(غُلْفُ كُلِّ شَيْءٍ) بإضافة غلف إلى كلِّ شيءٍ، وهو مبتدأ وقوله (غِلاَفٌ) خبره، والغلاف السَّاتر والغطاء، يعني أنَّه مستورٌ عن الفهم والتَّمييز.
(سَيْفٌ أَغْلَفُ) يقال سيف أغلف إذا كان في غلاف (وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ) إذا كانت في غلاف يصنع له مثل الجعبة ونحوها (وَرَجُلٌ أَغْلَفُ) إذا لم يكن مختونًا.
(قَالَهُ أَبْوُ عَبْدِ الله) هو البخاريُّ نفسه
ج 10 ص 188
وهذا كلام أبي عبيدة في كتاب «المجاز» ، وقد وقع هذا في بعض نسخ البخاري قبل قوله تابعه عبد العزيز.
ثمَّ مطابقة الحديث للترجمة في قوله (( ولا سخَّاب في الأسواق ) )فالسَّخب مذمومٌ في نفسه، ولا سيَّما إذا كان في الأسواق، وهي يجمع النَّاس من كلِّ جنسٍ ولا يسخب فيها إلَّا فاجرٌ شرِّير ولو لم يكن السَّخب مذمومًا مكروهًا لَمَا قال الله تعالى في التوراة في حقِّ سيِّد الخلق صلى الله عليه وسلم (( ولا سخَّاب في الأسواق ) )، ولا كان بسخَّابٍ في غير الأسواقِ أيضًا صلى الله عليه وسلم.