فهرس الكتاب

الصفحة 3349 من 11127

2141 - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الباء الموحدة، أبو محمد، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ) هو ابنُ ذكوان المعلم (الْمُكْتِبُ) بلفظ اسم الفاعل من التكتيب، وقال الكرمانيُّ من الإكتاب، وليس كذلك.

(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما

ج 10 ص 224

أَنَّ رَجُلًا) هذا الرجل من الأنصار كما في روايةٍ لمسلم، وفي رواية لمسلم أنَّ رجلًا من بني عذرة يقال له أبو مذكور، وكذا وقع بكنيته عند أبي داود، والنسائي، وقال الذهبيُّ في «تجريد الصحابة» في باب الكنى أبو مذكور الصَّحابي.

(أَعْتَقَ غُلاَمًا لَهُ) واسمه يعقوب، على ما ذكره النسائي، وكذا في رواية لمسلم وأبي داود (عَنْ دُبُرٍ) بأن قال أنت حرٌّ بعد موتي (فَاحْتَاجَ) أي إلى بيعه (فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بضم النون، مصغرًا (النَّحَّامُ) بفتح النون وتشديد الحاء المهلمة، العدويُّ القرشيُّ ووصفَ بالنَّحام؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( دخلتُ الجنَّة فسمعتُ نَحْمة نُعيم فيها ) ). والنَّحمة السَّعلة، أسلم قديمًا وأقام بمكة إلى قبيل الفتح، وكان يمنعه قومه من الهجرة لشرفه فيهم؛ لأنَّه كان ينفق عليهم، فقالوا أقم عندنا على أيِّ دِينٍ شئت، ولمّا قدم المدينة اعتنقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبَّله، واستشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، وقيل استشهد يوم أجنادين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنة ثلاث عشر.

وقد علم ممَّا ذكر أنَّ النَّحام صفةٌ لنعيم، ووقع للبخاريِّ في باب (( من ردَّ أمر السفيه والضَّعيف العقل ) )، عقيب باب (( الاستقراض ) ) [خ¦2415] فابتاعه منه نُعيم بن النَّحام، وكذا في رواية الترمذي فاشتراه نُعيم بن النَّحام، وكذا وقع عند أحمد، والصَّواب نُعيم بن عبد الله، كما وقع هاهنا وزيادة (ابن) خطأ من بعض الرواة.

(بِكَذَا وَكَذَا) قد بينه مسلم في روايته بثمانمائة درهم، وفي رواية أبي داود (( بسبعمائة أو تسعمائة ) ) (فَدَفَعَهُ) أي دفع النَّبي صلى الله عليه وسلم الثَّمن الذي بيع به المُدَبَّر المذكور (إِلَيْهِ) أي إلى الرجل المذكور. وفي رواية الترمذيِّ (( فمات ولم يكن سيده مات ) )، كما هو مصرَّحٌ به في الأحاديث الصَّحيحة.

وقد بيَّن الشافعيُّ خطأ ابن عُيينة فيها بعد أن رواه عنه، وقال البيهقيُّ من طريق شريك عن سلمة بن كهيل، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه (( أنَّ رجلًا مات وترك مدبرًا ودينًا ) )، ثمَّ قال البيهقي وقد أجمعوا على خطأ شريك في ذلك، وقال الشيخ زين الدين العراقي وقد رواه الأوزاعيُّ، وحسين المعلم، وعبد المجيد بن سهيل كلُّهم عن عطاء لم يذكر أحدٌ منهم هذه اللَّفظة، بل صرَّحوا بخلافها.

والحديثُ أخرجه المؤلف في (( الاستقراض ) ) [خ¦2415]

ج 10 ص 225

أيضًا، وأخرجه مسلمٌ من طرقٍ كثيرةٍ، وأخرج من حديث عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنَّ رجلًا من الأنصار أعتق غلامًا له عن دبرٍ لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( من يشتريه منِّي؟ فاشتراه نُعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه ) )قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله يقول عبدًا قبطيًّا، مات عام أول، وفي لفظٍ له (( في إمارة ابن الزبير ) ).

وأخرجهُ أبو داود قال حَدَّثنا أحمد بن حنبل ثنا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، وإسماعيل بن أبي خالد، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنَّ رجلًا أعتق غلامًا له عن دبرٍ منه، ولم يكن له مالٌ غيره فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيع بسبعمائة أو تسعمائة. وفي لفظٍ له قال (( بعثني النَّبي صلى الله عليه وسلم أنت أحقُّ بثمنه، والله أغنى عنه ) )، وأخرجه الترمذيُّ من حديث عَمرو بن دينار، عن جابرٍ رضي الله عنه (( أنَّ رجلًا من الأنصار دبر غلامًا له فمات، ولم يترك مالًا غيره فباعه النَّبي صلى الله عليه وسلم فاشتراه نُعيم بن النَّحَّام ) )الحديث، وقد مرَّ ما فيه من الخطأ آنفًا فتذكر.

وأخرجه النسائيُّ من طرقٍ كثيرةٍ فمن طريق أبي الزُّبير، عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ رجلًا من الأنصار يقال له أبو مذكور، أعتق غلامًا له عن دبرٍ، يقال له يعقوب، لم يكن له مالٌ غيره فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( من يشتريه فاشتراه نُعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه ) ).

وأخرجه ابن ماجه من حديث عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال (( دبر رجلٌ منا غلامًا، ولم يكن له مالٌ غيره فباعه النَّبي صلى الله عليه وسلم فاشتراه ابن النَّحام رجل من بني عدي ) )الحديث. فتفطَّن.

قال الإسماعيليُّ ليس في قصة المدبَّر بيع المزايدة فإن بيع المزايدة أن يعطي به أحدٌ ثمنًا، ثمَّ يعطي به غيره زيادة عليها، انتهى.

وأجاب ابن بطَّال بأن شاهد الترجمة منه قوله في الحديث (( من يشتريه مني ) )فعرضه للزيادة ليستقصي ثمنه للمفلس الذي باعه عليه.

هذا، ولَمَّا روى الترمذيُّ حديث جابرٍ رضي الله عنه قال والعمل على هذا

ج 10 ص 226

الحديث عند أصحاب العلم من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم لم يروا ببيع المدبَّر بأسًا، وهو قول سفيان الثوري ومالك والأوزاعي.

وفي «التلويح» اختلف العلماء هل المدبر يباع أم لا؟ فذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة من أهل الكوفة إلى أنَّه ليس للسيِّد أن يبيعَ مدبَّره، وأجازه الشافعيُّ وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأهل الظَّاهر وهو قول عائشة رضي الله عنها ومجاهد والحسن وطاوس، وكرهه ابن عمر، وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزُّهري والشَّعبي والنَّخعي وابن أبي ليلى واللَّيث بن سعد.

وعن الأوزاعيِّ لا يباع إلَّا من رجلٍ يريد عتقه، وجوَّز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السَّيِّد دينٌ، وعن مالك يجوز بيعه عند الموت، ولا يجوز في حال الحياة، كذا ذكره ابنُ الجوزي عنه، وحكى مالكٌ إجماع أهل المدينة على بيع المدبر أو هبته.

وعند أئمتنا الحنفيَّة المدبر على نوعين مدبر مطلقٌ نحو ما إذا قال لعبده إذا متُّ فأنت حرٌّ، أو أنت حرٌّ عن دبرٍ مني، أو أنت مدبَّر، أو دبَّرتك، فحكم هذا أنَّه لا يباع ولا يوهب ويستخدَم ويؤجَّر، وتوطأ المدبَّرة وتُنكح وبموت المولى يعتق المدبر من ثلث ماله ويسعى في ثلثيه؛ أي ثلثي قيمته إن كان المولى فقيرًا أو لم يكن له مالٌ غيره ويسعى في كلِّ قيمته لو كان مديونًا بدينٍ يستغرق جميع ماله.

النَّوع الثاني مدبرٌّ مقيَّدٌ نحو قوله إن مِتُّ من مرضي هذا أو سفري هذا فأنت حرٌّ، أو قال إن متُّ إلى عشر سنين أو بعد موت فلان، ويعتق إن وجد الشرط وإلَّا فيجوز بيعه.

واحتجُّوا في عدم جواز بيع المدبَّر المُطْلَق بما رواه الدارقطنيُّ من رواية عبيدة بن حسان عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المدبَّر لا يباع، ولا يوهب وهو حرٌّ من الثلث ) )، فإن قيل قال الدارقطنيُّ لم يسنده غير عبيدة بن حسَّان وهو ضعيفٌ، وإنَّما هو عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله، وروى الدارقطنيُّ أيضًا عن علي بن ظبيان ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا،

ج 10 ص 227

وغير ابن ظبيان يرويه موقوفًا، وعلي بن ظبيان ضعيف، فالجواب أنَّه احتجَّ بهذا الحديث الكرخي والطحاوي والرازي وغيرهم وهم أساطين في الحديث.

وقال أبو الوليد الباجيُّ إنَّ عمر رضي الله عنه ردَّ بيع المدبرة في ملأ خير القرون وهم حضورٌ متوافرون، وهذا إجماعٌ منهم أنَّ بيع المدبر لا يجوز.

والجواب عن حديث جابر رضي الله عنه من وجوه

الأوَّل ما قاله ابن بطال من أنَّه لا حجَّة فيه؛ لأنَّ في الحديث أنَّ سيِّده كان عليه دينٌ فثبت أنَّ بيعه كان لذلك.

الثَّاني أنَّها قضيَّةُ عينٍ تحتمل التأويل وتأوَّله بعض المالكيَّة على أنَّه لم يكن له مالٌ غيره فردَّ بصرفه.

الثالث أنَّه يحتمل أنَّه باع منفعته بأن آجره والإجارة تسمَّى بيعًا، بلغة أهل اليمن؛ لأنَّ فيها بيع المنفعة. ويؤيِّده ما ذكره ابن حزم فقال وروي عن أبي جعفر محمد بن علي، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا أنَّه باع خدمة المدبَّر، وقال ابن سيرين لا بأس ببيع خدمة المدبَّر، وكذا قال ابن المسيِّب، وذكر أبو الوليد عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم باع خدمة المدبَّر.

الرابع أنَّ سيِّد المدبر الَّذي باعه النَّبي صلى الله عليه وسلم كان سفيهًا فلهذا تولَّى عليه الصلاة والسلام بيعه بنفسه وبيع المدبر عند من يجوِّزه لا يفتقر فيه إلى بيع الإمام.

الخامس أنَّه يحتمل أنَّه باعه في وقت كان يباع الحرُّ المديون، كما روي أنَّه صلى الله عليه وسلم باع حرًّا بدينه، ثمَّ نسخ بقوله تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة 280] ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت