2143 - (وَكَانَ) [1] أي بيع حبل الحبلة (بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ) بفتح الجيم، وهو واحد الإبل يقعُ على الذَّكر والأنثى إلَّا أن لفظه مؤنَّث تقول هذه الجزور، وإن أردت ذكرًا، وذكر الجزور محمولٌ على التَّمثيل وإلَّا فحكم غير الجزور مثل حكمه في ذلك.
(إِلَى أَنْ تُنْتَجَ) بضم أوله وفتح ثالثه، على صيغة المجهول (النَّاقَةُ) مرفوع على أنَّه نائب عن الفاعل؛ أي تلد (ثُمَّ تُنْتَجُ) على البناء للمفعول أيضًا (الَّتِي فِي بَطْنِهَا) أي ثمَّ تعيش
ج 10 ص 235
المولودة حتَّى تكبر ثمَّ تلد، وهذا الفعل وقع في لغة العرب على صيغة الفعل المسند إلى المفعول وهو حرفٌ نادرٌ.
قال الجوهريُّ نُتِجَت الناقة _ على ما لم يسمَّ فاعله _ تُنْتِج نَتَاجًا، وقد نَتَجَها أهلُها نَتَجًا، إذا تولَّوا نَتَاجها بمنزلة القابلة للمرأة، فهي منتوجة، وأَنْتَجت الفرسُ إذا حان نَتَاجها. وقال يعقوب إذا استبان حملها وكذلك الناقة فهي نَتُوج، ولا يقال مُنْتِج، وأتت الناقة على مَنْتِجِها؛ أي الوقت الَّذي تُنْتَج فيه، وهو مَفْعِل، بكسر العين.
هذا، ثمَّ قوله (( ثمَّ تنتج التي في بطنها ) )زائدٌ على رواية عبيد الله بن عمر، فإنَّه اقتصر على قوله (( ثمَّ تحمل التي في بطنها ) )ورواية جويرية أخصر منها، ولفظه (( أن تنتج الناقة ما في بطنها ) )وبظاهر هذه الرواية قال سعيد بن المسيِّب فيما رواه عن مالك، وقال به مالك والشافعيُّ وجماعة وهو أن يبيع بثمنٍ إلى أن تلد ولد الناقة، وقال بعضهم أن يبيع بثمن إلى أن تحمل الدابَّة وتلد وتحمل ولدها وبه جزم أبو إسحاق فلم يشترطوا وضع حمل الولد كرواية مالك.
قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أر من صرَّح بما اقتضته رواية جويرية وهو الوضع فقط، وهو في الحكم مستند للذي قبله والمنع في الصُّور الثلاث للجهالة في الأجل، ومن حقِّه على هذا التَّفسير أن يذكر في السَّلَم، وقال أبو عبيدة وأبو عبيد وأحمد وإسحاق وابن حبيب المالكي وأكثر أهل اللغة، وبه جزم الترمذي والنسائي من رواية أيوب هو بيع ولد نتاج الدابة.
والمنع من هذا من جهة أنَّه بيع معدوم ومجهول، وغير مقدور على تسليمه فيدخل في بيوع الغرر كما مرَّ، ولذلك صدر البخاري بذكر الغرر في الترجمة لكنَّه أشار إلى التفسير الأول بإيراد الحديث في كتاب السَّلَم أيضًا. ورجَّح الأوَّل لكونه موافقًا للحديث وإن كان كلام أهل اللُّغة موافقًا للثاني، لكنَّه قد روى الإمام أحمد من طريق إسحاق بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما ما يوافق الثاني ولفظه (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 10 ص 236
عن بيع الغرر قال إنَّ أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك البيع يبتاع الرجل الشَّارف حبل الحَبَلة فنهوا عن ذلك )) .
وقال ابن التِّين محصِّل الخلاف هل المراد البيع إلى أجلٍ أو بيع الجنين؟ وعلى الأوَّل هل المراد بالأجل ولادة الأمِّ أم ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأوَّل أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال انتهى.
وحكى صاحب «المحكم» قولًا آخر أنَّه بيع ما في بطون الأنعام، وهو أيضًا من بيوع الغرر لكن هذا إنَّما فسَّر به سعيد بن المسيِّب، كما رواه مالك في «الموطأ» بيع المضامين وفسَّر به بيع الملاقيح.
واتَّفقت هذه الأقوال على اختلافها على أنَّ المراد بالحبلة الجنين، إلَّا ما حكاه صاحب «المحكم» وغيره، عن ابن كيسان أنَّ المراد بالحبلة الكَرْمَة، وأنَّ النَّهي عن بيع حَبلها، أي حملها [2] قبل أن يبلغَ، كما نُهِيَ عن بيع ثمر النَّخل قبل أن تزهى، وعلى هذا فالحبْلة بإسكان الموحدة، وهو خلاف ما ثبتت به الروايات لكن حُكِيَ في الكرمة فتح الباء.
وادعى السُّهيليُّ تفرُّد ابن كيسان به، وليس كذلك فقد حكاه ابن السِّكِّيت أيضًا في كتاب «الألفاظ» ، ونقله القرطبي في «المفهم» عن أبي العباس المبرد، والهاء على هذا للمبالغة وجهًا واحدًا، ثمَّ اعلم أنَّ قوله وكان بيعًا إلى آخره، هكذا وقع في «الموطأ» تفسيرًا متَّصلًا بالحديث.
وقال الإسماعيليُّ هو مدرجٌ يعني أنَّ التَّفسير من كلام نافع، وقال الخطيب تفسير حبل الحبلة ليس من كلام عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، إنما هو من كلام نافع أُدْرِجَ في الحديث.
وسيأتي في آخر (( السَّلم ) ) [خ¦2256] عن موسى بن إسماعيل التبوذكيِّ، عن جويرية التَّصريح بأنَّ نافعًا هو الذي فسَّره، لكن لا يلزم من كون نافع فسَّره أن لا يكون ذلك التَّفسير مما حمله عن ابن عمر رضي الله عنهما، فسيأتي في (( أيَّام الجاهلية ) ) [خ¦3843] من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثمَّ تحمل التي نتجت فنهاهم رسول الله
ج 10 ص 237
صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وظاهر هذا السِّياق أنَّ هذا التفسير من كلام ابن عمر رضي الله عنهما، ولهذا جزم ابن عبد البرِّ بأنَّه تفسيرٌ من ابن عمر رضي الله عنهما.
وقد أخرجهُ مسلم من رواية الليث، والترمذيُّ والنسائي من رواية أيوب كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد والنسائيُّ وابن ماجه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما بدون التَّفسير أيضًا.
[1] هكذا في الأصول الخطية بدأ شرح الحديث من هذه الكلمة.
[2] في (خ) (( عن بيع حملها ) ).