فهرس الكتاب

الصفحة 3389 من 11127

2169 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلاَءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لاَ يَمْنَعنَّكَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) مطابقته للتَّرجمة ظاهرة، وقد أخرج هذا الحديث المؤلِّف في (( الفرائض ) )أيضًا [خ¦6752] ، وأخرجه مسلم في العتق وأبو داود في الفرائض، والنسائي في البيوع. وقد مرَّ الكلام فيه في الحديث الذي قبله.

تتمة لِمَا في حديث عروة السَّابق قال النَّووي هذا حديثٌ عظيم كثير الأحكام والقواعد، وفيه مواضع تشعبت فيها مذاهب العلماء، منها أنَّ بريرة رضي الله عنها كانت مكاتبة وباعها الموالي واشترتها عائشة رضي الله عنها وأقرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بيعها، فاحتجَّت به طائفةٌ من العلماء أنَّه يجوز بيع المكاتب، وممَّن جوَّزه عطاء والنخعي وأحمد، وقال ابن مسعودٍ رضي الله عنه وربيعة وأبو حنيفة والشافعي وبعض المالكيَّة ومالك في رواية عنه لا يجوز بيعه، وقال بعض العلماء يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام، وأجاب من أبطل بيعه عن حديث بريرة رضي الله عنها أنَّها عجزت نفسها وفسخوا الكتابة.

ومنها أنَّ الولاء لمن أعتق، وقد أجمع المسلمون على ثبوت الولاء لمن أعتق عبده أو أمته عن نفسه وأن يرث به، وأمَّا العتيق فلا يرث سيده عند الجماهير، وقال جماعة من التَّابعين يرثه كعكسه.

ومنها أنَّه صلى الله عليه وسلم خيَّر بريرة في فسخ نكاحها، وأجمعت الأئمَّة على أنَّ الأمة إذا أعتقت وهي تحت نكاح عبدٍ كان لها الخيار في فسخ النكاح فإن كان حرًّا فلا خيار لها عند الشَّافعي

ج 10 ص 280

ومالكٍ، وقال أبو حنيفة لها الخيار.

ومنها أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( كل شرط ) )إلى آخره صريحٌ في إبطال كلِّ شرط ليس له أصلٌ في كتاب الله، وقام الإجماع على أنَّ من شرط في البيع شرطًا لا يحلُّ أنَّه لا يجوز عملًا بالحديث.

واختلفوا في غيرها من الشُّروط على مذاهب مختلفة، فذهبت طائفةٌ إلى أنَّ البيع جائز، والشَّرط باطل على نصِّ حديث بريرة وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنَّخعي والحكم وابن جرير وأبي ثور. وذهبت طائفةٌ أخرى إلى جوازهما، واحتجوا بحديث جابرٍ رضي الله عنه في بيعه جَمَلَه واستثناء حمله إلى المدينة، روي ذلك عن حمَّاد وابن شُبْرُمة وبعض التَّابعين.

وذهبت طائفةٌ ثالثة إلى إبطالهما واحتجُّوا بحديث عَمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط ) )، وهو قول عمر وولده وابن مسعودٍ رضي الله عنه والكوفيِّين والشَّافعي. وقد يجوز عند مالكٍ البيع والشَّرط مثل أن يشترطَ البائع ممَّا لم يدخل في صفقة البيع مثل أن يشتري زرعًا ويشترط على البائع حصده، أو دارًا ويشترط سكناها مدةً يسيرة، أو يشترط ركوب الدَّابة يومًا أو يومين. وأبو حنيفة والشَّافعي لا يجيزان هذا البيع كلَّه.

وممَّا أجازه مالكٌ فيه البيع والشَّرط شراء العبد بشرط عتقه اتباعًا للسنة في بريرة، وبه قال اللَّيث والشَّافعي في رواية الربيع، وأجاز ابنُ أبي ليلى هذا البيع وأبطل الشَّرط، وبه قال أبو ثور وأبطل أبو حنيفة البيع والشَّرط وأخذ بعمومِ نهيه عن بيعٍ وشرط.

وممَّا أجاز مالكٌ فيه البيع وأبطل الشَّرط شراء العبد على أن يكون الولاء للبائع، وهذا البيع أجمعتِ الأمَّة على جوازه وإبطال الشَّرط فيه لمخالفته السُّنة، وكذلك من باع سلعة وشرط أنَّه لا ينقد المشتري الثَّمن إلى ثلاثة أيَّام أو نحوها فالبيع جائزٌ والشَّرط باطل عند مالك، وأجاز ابن الماجشون البيع والشَّرط، وممَّن أجاز هذا البيع الثَّوري ومحمد بن الحسن وأحمد وإسحاق ولم يفرِّقوا بين ثلاثة أيامٍ وأكثر منها، وأجاز أبو حنيفة

ج 10 ص 281

البيع والشَّرط إلى ثلاثة أيامٍ وإن قال إلى أربعة أيام بطل البيع؛ لأنَّ اشتراط الخيار بأكثر من ثلاثة أيامٍ لا يجوز عنده، وبه قال أبو ثور.

وممَّا يبطل فيه عند مالك البيع والشَّرط أن يبيعَ جاريةً على أن لا يبيعَها ولا يهبها وعلى أن يتَّخذها أم ولدٍ فالبيع عنده فاسدٌ وهو قول أبي حنيفة والشَّافعي، وأجازت طائفةٌ هذا البيع وأبطلت الشَّرط، وهذا قول الشعبي والنَّخعي والحسن وابن أبي ليلى وأبي ثور، وقال حمَّاد الكوفي البيع جائزٌ والشَّرط لازم.

وممَّا لا يبطل فيه البيع والشَّرط عند مالكٍ والشَّافعي والكوفيين نحو بيع الأمة والنَّاقة واستثناء ما في بطنها وهو عندهم من بيوع الغرر، وقد أجاز هذا البيع والشَّرط النَّخعي والحسن وأحمد وإسحاق وأبو ثور واحتجوا بأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما أعتق جاريةً واستثنى ما في بطنها.

لطيفة وممَّا حُكِيَ عن عبد الوارث بن سعيد قال قدمت مكَّة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شُبْرُمة فسألت أبا حنيفة فقلت ما تقول في رجلٍ باع بيعًا وشرط شرطًا؟ فقال البيع باطل والشَّرط باطلٌ، ثمَّ أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال البيع جائزٌ والشَّرط باطلٌ، ثمَّ أتيت ابن شبرمة فقال البيع جائز والشَّرط جائز فقلت سبحان الله ثلاثةٌ من فقهاء العراق اختلفوا على مسألة واحدة فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدَّثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرطٍ ) )، البيع باطلٌ والشَّرط باطل.

ثمَّ أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال ما أدري ما قال حدَّثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أشتري بريرة فأعتقها. البيع جائزٌ والشَّرط باطلٌ، ثمَّ أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال ما أدري ما قالا حدَّثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال بعت من النَّبي صلى الله عليه وسلم ناقة واشترط لي حملانها إلى المدينة. البيع جائزٌ والشَّرط جائز.

ج 10 ص 282

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت