2178 - 2179 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ) بلفظ المبالغة من الضَّحك (ابْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم واللام وسكون الخاء المعجمة بينهما، هو أبو عاصم النَّبيل، وهو شيخ البخاريِّ حدَّث عنه هنا بالواسطة، وفي مواضع أخرى بغير واسطة، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ) هو ذكوان الزَّيات السمان كان يجلب الزَّيت والسَّمن إلى الكوفة (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك (الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ) كذا وقع في هذه الطَّريق، وقد أخرجه
ج 10 ص 294
مسلم من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي صالح قال سمعت أبا سعيد الخدريِّ رضي الله عنه يقول (( الدِّينار بالدينار والدرهم بالدِّرهم مثلًا بمثل ) )الحديث. فزاد فيه (( من زاد وازداد فقد أربى ) )فقلت أريت هذا الذي تقول أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو وجدته في كتاب الله تعالى؟ فقال لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أجده في كتاب الله، ولكن حدَّثني أسامة بن زيد رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( الربا في النَّسيئة ) ).
- (فَقُلْتُ لَهُ) أي لأبي سعيدٍ رضي الله عنه (فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (لاَ يَقُولُهُ) وفي رواية مسلم (( يقول غير هذا ) ) (فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) رضي الله عنه (سَأَلْتُهُ) وفي رواية مسلم (( قد لقيت ابن عبَّاس فقلت له ) ) (فَقُلْتُ) أي لابن عبَّاس رضي الله عنهما (سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ) أي ابن عبَّاس رضي الله عنهما (كُلّ ذَلِكَ) بالرفع على أنه مبتدأ خبره قوله (لاَ أَقُولُ) أي لا أقوله، يعني لم يكن لا السماع من النَّبي صلى الله عليه وسلم ولا الوجدان في كتاب الله تعالى، ويجوز النصب على أنَّه مفعول مقدم لقوله (( لا أقول ) )والفرق بين الإعرابين أنَّ المرفوع معناه السَّلب الكلي، والمنصوب معناه سلب الكلِّ والأوَّل أبلغ وأعمُّ وإن كان أخصَّ من وجه آخر، كذا قال العينيُّ أخذًا من الكرماني وفيه تأمُّل، فافهم.
واقتصر الحافظ العسقلانيُّ على الثَّاني وقال وهو في المعنى نظير قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين (( كلُّ ذلك لم يكن ) )، فالمنفي هو المجموع، انتهى.
وفي رواية مسلم فقال لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا وجدته في كتاب الله عزَّ وجلَّ. وفي رواية أخرى لمسلم من طريق عطاء أنَّ أبا سعيد رضي الله عنه لقي ابن عبَّاس فذكر نحوه، وفيه فقال كلٌ لا أقول، أمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أعلم به منِّي، وأمَّا كتاب الله فلا أعلمه؛ أي لا أعلم هذا الحكم فيه.
وفي السِّياق دليل على أنَّ أبا سعيد وابن عبَّاس متَّفقان على أنَّ الأحكام الشَّرعية لا تطلب إلَّا من الكتاب والسنة.
(وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي) أي لأنَّكم كنتم بالغين كاملين عند ملازمة رسول الله عليه وسلم وأنا كنت صغيرًا (وَلَكِن أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ) هو ابن زيد رضي الله عنهما (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ رِبًا إِلاَّ فِي النَّسِيئَةِ) وفي رواية مسلم (( الرِّبا في النَّسيئة ) )، وله من طريق عبيد الله بن أبي يزيد وعطاء جميعًا (( إنَّما الرِّبا في النسيئة ) ). زاد
ج 10 ص 295
في رواية عطاء (( ألا إنَّما الرِّبا ) )، وزاد في رواية طاوس عنه (( لا ربًا فيما كان يدًا بيد ) )، وروى مسلمٌ من طريق أبي نَضْرَةَ قال سألت ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن الصَّرف فقال أَيدًا بيد؟ قلت نعم. قال فلا بأس به فأخبرت أبا سعيدٍ فقلت إنِّي سألت ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن الصَّرف فقال أَيَدًا بيد؟ قال فلا بأس به.
والصَّرف _ بفتح الصاد المهملة كما عرفت_ دفع ذهب وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان منع النَّسيئة مع اتِّفاق الجنس واختلافه، وهو الجمع عليه ومنع التَّفاضل في النَّوع الواحد منهما.
وهو قول الجمهور وخالف فيه ابن عمر رضي الله عنهما، ثمَّ رجع وابن عبَّاس رضي لله عنهما واختلف في رجوعه.
وقد روى الحاكم من طريق حبَّان العدوي وهو بالمهملة والتحتانية المشددة، سألت أبا مِجْلَزٍ عن الصَّرف فقال كان ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا يعني يدًا بيد وكان يقول إنَّما الربا في النَّسيئة فلقيه أبو سعيد رضي الله عنه فذكر القصَّة. والحديث.
وفيه (( التَّمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشَّعير بالشعير، والذَّهب بالذهب، والفضَّة بالفضة يدًا بيد، مثلًا بمثل، فمن زاد فهو ربًا ) )فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما أستغفر الله وأتوب إليه فكان ينهى عنه أشدَّ النَّهي.
واتَّفق العلماء على صحَّة حديث أسامة رضي الله عنه، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه، فقيل منسوخ لكنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل المعنى في قوله (( لا ربًا ) )الرِّبا الأغلظُ الشَّديدُ التحريمِ المُتَوَعَّدُ عليه بالعقاب الشَّديدُ كما تقول العرب لا عالم في البلد إلَّا زيد مع أنَّ فيها علماء غيره، وإنَّما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا ففي تحريم ربًا الفضل من حديث أسامة إنَّما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد رضي الله عنه؛ لأنَّ دلالته بالمنطوق.
ويحمل حديث أسامة رضي الله عنه على الرِّبا الأكبر، وقال الطَّبري معنى حديث
ج 10 ص 296
أسامة رضي الله عنه (( لا ربًا إلَّا في النَّسيئة إذا اختلف أنواع البيع والفضل فيه يدًا بيد ربًا ) )جمعًا بينه وبين حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه.
وقال الكرمانيُّ فإن قلت ما التَّلفيق بين حديث أسامة وحديث أبي سعيد رضي الله عنهما.
قلت الحصر إنَّما يختلف بحسب اختلاف اعتقاد السَّامع فلعلَّه كان يعتقد الرِّبا في غير الجنس حالًا فقيل ردًّا لاعتقاده لا ربا إلَّا في النَّسيئة؛ أي فيه مطلقًا.
وقد أوَّله العلماء بأنَّه محمولٌ على غير الرَّبويات، وهو كبيع الدين بالدَّين مؤجلًا بأن يكون له ثوبٌ موصوفٌ فيبيعه بعبد موصوف مؤجلًا وإن باعه به حالًا جاز أو محمول على الأجناس المختلفة فإنَّه لا ربًا فيها من حيثُ التَّفاضلُ، بل يجوز متفاضلًا يدًا بيدٍ وهو مجملٌ.
وحديث أبي سعيد مُبَيِّنٌ فوجب العمل بالمُبَيِّنِ وتنزيل المُجْمَلِ عليه، أو هو منسوخٌ وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره.
وقال الخطَّابي أوَّلوه بأنَّه قد سمع كلمة في أوَّل الحديث، ولم يذكر أوَّله فكأنَّه سئل عن التَّمر بالشَّعير أو الذَّهب بالفضة متفاضلًا فقال إنَّما الربا في النَّسيئة؛ أي في مثل هذه المسائل فإنَّ الأجناس إذا اختلفت جاز فيها التَّفاضل يدًا بيد وإنَّما يدخلها الرِّبا من جهة النَّسيئة.
وقال أيضًا الربا على وجهين فما كان جنسًا واحدًا فإنَّ التَّحريم فيه يقع بالزِّيادة في الوزن والنَّساء في الأجل، وما كان من جنسين فالتَّحريم فيه من النَّساء لكنَّ التَّفاضل فيه جائزٌ، والله أعلم.
وفي قصَّة أبي سعيد مع ابن عمر ومع ابن عبَّاس رضي الله عنهم أنَّ العالم يناظر العالم ويوقفه على معنى قوله ويردُّه من الاختلاف إلى الاجتماع ويحتجُّ عليه بالأدلة، وفيه إقرار الصَّغير للكبير بفضل التَّقدم، والله أعلم.