2201 - 2202 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ) مصغَّر سهل ضدُّ الصَّعب (ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عَوف الزُّهري المدني القريشي، يُكنى أبا وهب، ويقال أبو محمَّد، وقد صحَّف بعضُهم فضبط عبد المجيد _ بالحاء المهملة ثم الميم _ من الحمد، وسيأتي ذكر ذلك في (( الوكالة ) ) [خ¦2302] إن شاء الله تعالى.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) وفي رواية سليمان بن بلال عن عبد المجيد أنَّه سمع سعيد بن المسيَّب. أخرجه البخاري في (( الاعتصام ) ) [خ¦7350] . وفي هذه الرِّواية أيضًا أنَّ أبا سعيد وأبا هريرة رضي الله عنهما حدَّثاه. قال ابن عبد البَرِّ ذكرُ أبي هريرة رضي الله عنه لا يوجد في هذا الحديث إلَّا لعبد المجيد. وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسيَّب عن أبي سعيد رضي الله عنه وحده، وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه. ورواية قتادة أخرجها النَّسائي، وابن حبَّان من طريق سعيد بن أبي عَروبة، عنه، ولكن سياقه مغاير لسياق قصَّة عبد المجيد، وسياق قتادة يشبه سياق عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد رضي الله عنه، كما ستأتي الإشارة إليه في (( الوكالة ) ) [خ¦2302] .
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ) وفي رواية سليمان بن بلال (( بعث أخا بني عديِّ من الأنصار إلى خيبر فأمَّره عليها ) ) [خ¦4246] . وأخرجه أبو عَوانة والدَّارَقُطني من طريق الدَّراوردي عن عبد المجيد، فسمَّاه سَوَاد بن غَزِيَّة، وهو بفتح السين المهملة وتخفيف الواو وفي آخره دال مهملة. وغَزِيَّة
ج 10 ص 340
بغين معجمة مفتوحة وزاي مكسورة ومثناة تحتية مشدَّدة، على وزن عطيَّة، هو ابن وهب، حليف الأنصار بدري، وهو الذي أَسَرَ يومئذٍ خالد بن هشام، وقيل ذلك الرَّجل هو مالك بن صَعْصَعَة.
(فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ) بجيم مفتوحة ونون وتحتانية وموحدة، على وزن عظيمٍ. قال مالك هو الكبيس. قال الطَّحاوي هو الطيِّب، وقيل الصَّلب، وقيل الذي أخرج منه حشفه ورديئه.
وقال التَّيمي هو تمرٌ غريب غير الذي كانوا يعهدونه، وقيل هو الذي لا يختلط بغيره. وقال الخطَّابي هو نوع من التَّمر، وهو أجود تمورهم، وهو بخلاف الجَمْع _ بفتح الجيم وسكون الميم _ وهو كل لون من النَّخل لا يعرف اسمه، وقيل هو تمر مختلط من أنواع متفرِّقة، وليس مرغوبًا فيه، ولا يخلط إلَّا لرداءته.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ قَالَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ) وفي رواية سليمان (( بالصَّاعين من الجمع ) ) (وَالصَّاعَيْنِ) المراد غير الصَّاعين المذكورين، وكون المعرفة المعادة عين الأوَّل عند عدم القرينة على المغايرة كقوله تعالى {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران 26] ، الآية فإنَّه غير الأوَّل؛ أي والصَّاعين من الجنيب (بِالثَّلاَثَةِ) كذا في رواية القابسي بالتاء، في رواية الأكثرين بالثلاث بلا تاء وكلاهما جائزان؛ لأنَّ الصَّاع يذكَّر ويؤنَّث.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ تَفْعَلْ) وفي رواية سليمان (( ولكن مثلًا بمثل ) )؛ أي بع المثل بالمثل، وزاد في آخره وكذلك الميزان؛ أي في بيع ما يوزن من المقتات بمثله (بِعِ الْجَمْعَ) أي بع التَّمر الذي يقال له الجمع (بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ) أي ثمَّ اشتر (بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) أمره صلى الله عليه وسلم بذلك؛ ليكون صفقتين فلا يدخله الرِّبا. وبهذا يطابق الحديث التَّرجمة كما لا يخفى.
قال ابن عبد البَرِّ كلُّ مَنْ روى عن عبد المجيد هذا الحديث ذكر فيه الميزان سوى مالك، وهو أمر مجمعٌ عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه كلٌّ يقول على أصله إن كل ما دخله الرِّبا في الجنس الواحد من جهة التَّفاضل والزِّيادة لم يجز فيه الزِّيادة لا في كيلٍ ولا في وزنٍ، والكيلُ والوزن فيه سواءٌ عندهم،
ج 10 ص 341
ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلَّا كيلًا، وما كان أصله الوزن لا يباع إلَّا وزنًا، ثمَّ ما كان أصله الكيل فإن بعضهم يجيزُ فيه الوزن، ويقول إنَّ المماثلة تدرك بالوزن في كلِّ شيء، لكن الجمهور كرهوا ذلك وما كان أصله الوزن فلا يجوزُ أن يُباع كيلًا عند جميعهم؛ لأنَّ المماثلة لا تدرك بالكيل إلَّا فيما كان مكيلًا.
وأجمعوا أنَّ الذَّهب والوَرِق والنُّحاس وما أشبهه لا يجوزُ بيع شيءٍ من هذا كلِّه كيلًا بكيلٍ بوجه من الوجوه. وأجمعوا أيضًا على أنَّ التَّمر كله على اختلاف أنواعه جنسٌ واحدٌ لا يجوز فيه التَّفاضل في البيع والمعاوضة سواء جيِّده ورديئه في ذلك، وكذلك البُرُّ والزَّبيب وكلُّ طعامٍ مكيلٍ، هذا حكم الطَّعام المقتات عند مالك. وعند الشَّافعي الطَّعام كله مقتاتًا أو غير مقتات. وعند الكوفيِّين الطَّعام المكيل والموزون دون غيره. وقد احتجَّ بحديث الباب من أجاز بيع الطَّعام من رجل نقدًا ويبتاع منه بذلك طعامًا قبل الافتراق وبعده؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخصَّ فيه بائع الطَّعام ولا مبتاعه من غيره، وهو قول الشَّافعي وأبي حنيفة وأبي ثور، ولا يجوز هذا عند مالك.
وقال ابن بطَّال وزعم قوم أن بيع العامل الصَّاعين بالصَّاع كان قبل نزول آية الرِّبا، وقبل إخبارهم بتحريم التَّفاضل في ذلك، فلذلك لم يأمره بفسخه، قال وهذه غفلة؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال في غنائم خيبر للسَّعدَيْن (( أربيتما فردًا ) )وفتح خيبر كان مقدمًا على ما كان بعد ذلك ممَّا وقع في تمرها وجميع أمرها.
قال ابن عبد البَرِّ وأمَّا سكوت من سكت من الرُّواة عن فسخِ البيع المذكور فلا يدلُّ على عدم الوقوع، وقد ورد الفسخُ من طريق أخرى يشير إلى ما أخرجه مسلم من طريق أبي نَضرة، عن أبي سعيد رضي الله عنه نحو هذه القصَّة، فقال (( هذا الربا فردُّوه ) ). وقال ويحتمل تعدُّد القصَّة، وأن القصَّة التي لم يقع فيها الردُّ كانت قبل تحريم ربا الفضل، والله أعلم.
وفي الحديث قيام عذر
ج 10 ص 342
من لا يعلم التَّحريم حتَّى يعلمه. وقد احتجَّ بعض الشَّافعية بهذا الحديث على جواز بيع العِينة؛ يعني الحيلة التي يعملها بعضُهم توصُّلًا إلى مقصود الربا بأن يريد أن يعطيَ رجلًا مائة درهم بمائتين فيبيعه ثوبًا بمائتين، ثمَّ يشتري منه بمائة، قال وذلك لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له (( بع هذا واشتر منه بثمنه من هذا ) )ولم يفرِّق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره، فدلَّ على أنَّه لا فرق. وقال النَّووي وهذا كله ليس بحرام عند الشَّافعي وأبي حنيفة وآخرين. وقال مالك وأحمد هو حرام. وتُعُقِّب على ذلك الاستدلال بأنَّ الحديث مطلق والمطلق لا يشمل، ولكن يشيع فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها، ولا يصحُّ الاستدلال بها على جواز الشِّراء ممن باعه تلك بعينها. وقيل إنَّ وجه الاستدلال به لذلك من جهة ترك الاستفصال، ولا يخفى ما فيه.
وقال القرطبي استدلَّ بهذا الحديث من لم يقل بسدِّ الذَّرائع؛ لأنَّ بعض صُوَر هذا البيع يؤدِّي إلى بيع التَّمر بالتَّمر متفاضلًا، ويكون الثَّمن لغوًا، قال ولا حجَّة في هذا الحديث؛ لأنه لم ينصَّ على جواز شراء التَّمر الثَّاني ممَّن باعه التَّمر الأوَّل، ولا تناوله ظاهر السِّياق بعمومه بل بإطلاقه والمطلق يحتمل التقييد إجمالًا بوصف الاستفسار، وإذا كان كذلك فتقييده بأدنى دليل كافٍ، وقد دلَّ الدَّليل على سدِّ الذَّرائع، فلتكن هذه الصُّورة ممنوعة.
واستدلَّ بعضهم على الجواز بما أخرجه سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين أنَّ عمر رضي الله عنه خطب فقال إنَّ الدَّرهم بالدَّرهم سواء بسواء يدًا بيد. فقال له ابن عوف فتعطي الجنيب وتأخذ غيره؟ قال لا، ولكن ابتع بهذا عرضًا، فإذا قبضته وكان فيه نية فاهضم ما شئت وخذ أي نقد شئت.
واستدلَّ أيضًا بالاتفاق على أنَّ من باع السِّلعة التي اشتراها ممَّن اشتراها منه بعد مدَّة فالبيع صحيح، فلا فرق بين التَّعجيل في ذلك والتَّأجيل، فدلَّ على أنَّ المعتبر في ذلك وجود الشَّرط في أصل العقد وعدمه، فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد فهو باطل، أو قبله ثمَّ وقع العقد بغير شرطٍ فهو صحيحٌ، ولا يخفى الورع.
وقال بعضهم ولا يضرُّ إرادة الشِّراء
ج 10 ص 343
إذا كان بغير شرط، وهو كمن أراد أن يزني بامرأة، ثمَّ عدل عن ذلك فخطبها وتزوَّجها فإنَّه عدل عن الحرام إلى الحلالِ بكلمة الله التي أباحها، وكذلك البيع، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث حجَّة على من يقول إنَّ بيع الرِّبا جائز بأصله من حيث إنَّه بيع ممنوع بوصفه من حيث إنَّه ربًا، فعلى هذا يسقط الربا ويصحُّ البيع. قال القرطبي ولو كان كذلك لَمَا ردَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم هذه الصَّفقة، ولا أمره بردِّ الزيادة على الصَّاع. وفي الحديث جواز اختيار الطيِّب من الطَّعام.
قال ابن الجوزي وفي التَّخيير له صلى الله عليه وسلم التمر الطيب وإقرارهم عليه دليل على جواز الرِّفق بالنفس لحقها، وترك التضييق على النَّفس وهو عكس ما يصنعه جهَّال المتزهِّدين من حملهم على أنفسهم ما لا تطيق جهلًا منهم بالسنَّة. وفيه جواز الوكالة بالبيع وغيره. وفيه أنَّ البيوع الفاسدة تردُّ، والله تعالى أعلم.