فهرس الكتاب

الصفحة 3457 من 11127

2216 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفَضْل السَّدُوسِيّ، قال (حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ) سليمان بن طَرْخَان (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن ملِّ النَّهدي، بالنون (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ مُشْعَانٌّ) بضم الميم وسكون الشين المعجمة وبعدها عين مهملة وبعد الألف نون مشددة؛ أي طويل شعر الرَّأس، وقيل طويل جدًّا فوق الطُّول. وعن الأصمعي شعر مشعانٌّ _ بتشديد النون _ منتفش الشَّعر متفرِّقه.

قال الجوهريُّ يقال اشعانَّ شعره اشعينانًا، فهو مشعان مثل احمارَّ احميرارًا فهو محمَّار إذا كان ثائر الرَّأس أشعث.

ج 10 ص 376

وفي «التَّهذيب» تقول العرب رأيت فلانًا مشعان الرَّأس إذا رأيته أشعثًا منتفش الشَّعر. وروى عمرو عن أبيه أشْعَنَ الرَّجل، إذا نامى عدوه فاشْعانَّ شعره.

(طَوِيلٌ) أي طويل القد (بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعًا) نصب على المصدرية؛ أي أتبيع بيعًا، قال الحافظ العسقلاني ويجوز الرفع؛ أي أهذا بيع (أَمْ عَطِيَّةً) عطف على بيعًا؛ أي أم تعطي عطيَّة (أَوْ قَالَ أَمْ هِبَةً) شكٌّ من الرَّاوي (قَالَ لاَ، بَلْ بَيْعٌ) أي قال الرَّجل ليس عطيَّة أو ليس هبة بل هو بيع، وأطلق البيع عليه باعتبار ما يؤل إليه.

(فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً) قال ابن بطَّال معاملة الكفَّار جائزة إلَّا بيع ما يستعين به أهل الحرب على المسلمين، وفيه جواز بيع الكافر وإثبات ملكه على ما في يده.

وقال الخطَّابي في قوله أم هبة، دليلٌ على قبول الهدية من المشرك لو وهب. فإن قيل قد قال صلى الله عليه وسلم لعياض بن حمَّاد حين أهدى له في شركه (( إنَّا لا نقبل زبد المشركين ) )يريد عطاءهم.

فالجواب أنَّه قال أبو سليمان يشبه أن يكون ذلك منسوخًا؛ لأنَّه قبل هدية غير واحد من أهل الشِّرك أهدى له المُقَوْقِسُ وأُكَيْدِرُ دُوَمَة [خ¦2615] [خ¦2616] ، قال إلَّا أن يزعم زاعم أنَّ بين هدايا أهل الشِّرك وهدايا أهل الكتاب فرقًا انتهى. قيل فيه نظر في مواضع

الأوَّل أنَّ الزَّعم بالفرق المذكور يردُّه قول عبد الرَّحمن في نفس هذا الحديث أنَّ هذا الرَّجل كان مشركًا وقد قال له أبيع أم هدية.

الثَّاني أنَّ هدية أُكَيْدِرُ كانت قبل إسلام عبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما؛ لأنَّ إسلامه كان في هدنة الحديبية، وذلك في سنة سبع، وهدية أُكَيْدِرُ كانت بعد وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه الذي قال في حقِّه صلى الله عليه وسلم (( لمَّا عجب النَّاس من هدية أُكَيْدِرَ، والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة أحسن من هذه ) ).

وسعد توفِّي بعد غزوة بني قُرَيْظَةَ سنة أربع في قول عُقْبَةَ. وعند ابن إسحاق سنة خمس وأيًا ما كان فهو قبل إسلام عبد الرَّحمن رضي الله عنه. وبعثُ

ج 10 ص 377

حاطبِ بنِ أبي بَلْتَعَةَ إلى المُقَوْقِسِ كان في سنة ستٍّ، ذكره ابنُ مَنْدَه وغيره، فدلَّ على أنَّه قبل هذا الحديث.

الثَّالث أنَّه لقائل أن يقولَ هذان اللَّذان قَبِلَ منهما هديتهما ليسا سُوقة إنَّما هما مَلِكَان، فقبل هديتهما تألُّفًا؛ لأنَّ في ردِّ هديتهما نوع حصول شيءٍ.

الرَّابع أنَّه كان قبول هديتهم بإثابته عليها، وقوله صلى الله عليه وسلم لهذا المشرك أيضًا كان تألُّفًا له، ولأن يثيبه بأكثر ممَّا أهدى، وكذا يقال في هدية كِسْرَى المذكورة في كتاب الحربي من حديث علي رضي الله عنه.

وَردَّ هديةَ عياضِ بنِ حمارٍ وكان بينه وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم معرفة قبل البعثة، فلمَّا بُعِثَ أهدى إليه فردَّ هديَّته. وكذا رَدَّ هدية ذي الجُوشَنِ وكان فارسًا. وكذا ردَّ هدية مُلاعِبِ الأَسِنَّة؛ لأنهم كانوا سوقة وليسوا ملوكًا. وأهدى له ملك أَيْلَةَ بغلة [خ¦3161] وفَرْوَةَ الجُذَامِيّ هدية فقبلها وكانا مَلِكَينِ.

وممَّا يؤيِّد هذا ما ذكره أبو عُبيد في كتاب «الأموال» أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما قبل هدية أبي سُفيان بن حَرْبِ؛ لأنَّها كانت في مدَّة الهدنة. وكذا هدية المُقَوْقِسِ إنَّما كان قبلها؛ لأنه أكرم حاطبًا وأقرَّ بنبوته صلى الله عليه وسلم ولم يُؤَيِّسْهُ من إسلامه.

وقبول هدية الأُكَيْدِرِ؛ لأنَّ خالدًا رضي الله عنه قدم به فحقنَ صلى الله عليه وسلم دمه وصالحه على الجزية؛ لأنَّه كان نصرانيًّا ثمَّ خلَّى سبيله. وكذا مَلِك أَيْلَةَ لمَّا أهدى كساه صلى الله عليه وسلم برداء له. وهذا كله يرجع إلى أنَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل هديَّة إلا ويكافئ.

ثم اعلم أنَّ النَّاس اختلفوا فيما يهدى للأئمة، فروي عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه كان يوجب ردَّه إلى بيت المال، وإليه ذهبَ أبو حنيفة رحمه الله، وقال أبو يوسف ما أهدى إليه أهل الحرب فهو له دون بيت المال، وأمَّا ما يهدى للنَّبي صلى الله عليه وسلم خاصَّة فهو في ذلك بخلاف النَّاس؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ اختصه في أموال أهل الحرب خاصية لم تكن لغيره، قال تعالى {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} [الحشر 6] بعد قوله {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [الحشر 7] .

ج 10 ص 378

فسبيل ما تصل إليه يده من أموالهم على جهةِ الهدية والصُّلح سبيل الفيء يضعه حيث أراه الله، فأمَّا المسلمون إذا أهدوا إليه فكان في سجيَّته صلى الله عليه وسلم أنَّه لا يردُّها، بل يثيبهم عليها، وفيه أن ابتياعَ الأشياء من المجهول الذي لا يعرف جائز حتَّى يطلعَ على ما يلزم التورُّع عنه، أو يوجب ترك مبايعته لغصب أو سرقة وشبههما.

وقال ابنُ المُنذِر من كان بيده شيء فظاهر الحال أنَّه مالكه، ولا يلزم المشتري أن يعلمَ حقيقة ملكه. واختلف العلماء في مبايعة مَنْ الغالبُ على ماله الحرام، وقَبول هديَّته وجائزته فرخَّصت فيه طائفة، فكان الحسنُ بن الحسن لا يرى بأسًا أن يأكلَ الرَّجل من طعام العشَّار والصرَّاف والعامل، ويقول قد أحلَّ الله تعالى طعام اليهودي والنَّصراني، وقد أخبرَ أنَّ اليهود أكَّالون للسُّحت. قال الحسن ما لم يعرفوا شيئًا منه حرامًا؛ يعني معينًا.

وعن الزُّهري ومكحول إذا كان المال فيه حرام وحلال فلا بأس أن يؤكلَ منه، إنَّما يكره من ذلك الشَّيء الذي يعرف بعينه. وقال الشَّافعي لا أحبُّ مبايعة من أكثر ماله ربا أو كسبه من حرامٍ، فإن بُويع لا يفسخ البيع.

وقال ابن بَطَّال والمسلم والذِّمي والحربي في هذا سواء. وحجَّة من رخَّص حديث الباب وحديث رهنه صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهوديِّ. وكان ابنُ عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم يأخذان هدايا المختار، وبعث عَمرو بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر رضي الله عنهما بألف دينار، وإلى القاسم بن محمَّد بألف دينار، فأخذها ابن عمر رضي الله عنهما وقال لقد جاءتنا على حاجةٍ، وأبى أن يقبلها القاسم فقالت امرأته إن لم يقبلها فأنا ابنة عمِّه، كما هو ابن عمِّه فأخذتها، وقال عطاء بعث معاوية إلى عائشة رضي الله عنها بطوقٍ من ذهبٍ فيه جوهر قوِّم بمائة ألف، وقسمته بين أمَّهات المؤمنين.

وكرهت طائفةٌ الأخذ منهم، رُوِيَ ذلك

ج 10 ص 379

عن مَسْرُوقٍ وسَعيد بن المُسَيَّب والقَاسم بن محمَّد وبِشْر بن سَعيد وطاوس وابن سِيْرِينَ والثَّورِيِّ وابن المُبَارَك ومحمَّد بن وَاسِعٍ وأحمدَ. وأخذ ابنُ المُبَارَك قذاةً من الأرض، وقال من أخذَ منهم مثل هذه فهو منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت