فهرس الكتاب

الصفحة 3466 من 11127

2222 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سَعْد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهْرِي (عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ) سَعِيد (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) هو من المتشابهات، وفيه المذهبان التَّفويض والتَّأويل (لَيُوشِكَنَّ) اللام فيه مفتوحة لتأكيد جواب القسم، ويوشكنَّ من أفعال المقاربة وهو مضارع

ج 10 ص 394

دخلت عليه نون التأكيد وماضيه أوشك. وأنكر الأصمعيُّ مجيء الماضي منه. وحكى الخليل استعمال الماضي في قول الشَّاعر

~ولو سألوا التراب لأوشكوا

وأفعال المقاربة أنواع

نوع منها وضع للدَّلالة على دنوِّ الخبر وهو ثلاثة كاد، وكرب، وأوشك، ومعناه هنا ليسرعنَّ. وقال الدَّاودي معناه لَيَكُونَنَّ قال وجاء يوشك بمعنى يكون، ومعنى يقرب.

(أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ) كلمة أن مصدريَّة، والفعل في محلِّ الرفع على الفاعلية، والمعنى ليسرعنَّ نزول عيسى بن مريم عليهما السَّلام فيكم ونزوله من السَّماء، فإنَّ الله رفعه إليها وهو حيٌّ ينزل عند المنارة البيضاء بشرقيِّ دمشق واضعًا كفَّيه على أجنحة مَلكين، وكان نزوله عند انفجار الصُّبح [1] .

(حَكَمًا) بفتحتين وهو حال؛ أي حاكمًا (مُقْسِطًا) أي عادلًا من الإقساط، يقال أقسط إذا عدل، وقسط إذا ظلم، فكأنَّ الهمزة فيه للسَّلب كما يقال شكى إليه فأشكاه (فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ) الفاء فيه تفصيلية لقوله حكمًا عدلًا. قال الطِّيبي يريد بقوله (( يكسر الصَّليب ) )إبطال النَّصرانية والحكم بشرع الإسلام.

وفي «التَّوضيح» يكسر الصَّليب؛ أي بعد قتل أهله.

وقال العيني فتح لي هنا معنى من الفيض الإلهي، وهو أنَّ المراد من كسر الصَّليب إظهار كذب النَّصارى حيث ادَّعوا أنَّ اليهود صلبوا عيسى عليه السَّلام على خشب، فأخبر الله تعالى في كتابه العزيز بكذبهم وافترائهم فقال {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء 157] وذلك أنَّهم لَمَّا نصبوا له خشبة ليصلبوه عليها ألقى الله تعالى شبه عيسى عليه السَّلام على الذي دلَّهم عليه واسمه يهودا وصلبوه مكانه وهم يظنُّون أنَّه عيسى، ورفع الله عيسى عليه السَّلام، ثمَّ تسلَّطوا على أصحابه، وكان رجل من أصحابه يذكر أنَّه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرئ الأكمة والأبرص ويفعل العجائب، فعدوا عليه وقتلوه وصلبوه، فأرسل إلى المصلوب فوضع عن جذعه، وجيء بالجذع الذي صلب عليه فعظَّمه صاحب الرُّوم، وجعلوا منه صلبانًا، فمن ثَمَّةَ عظَّمتِ النَّصارى الصُّلبان، ومن ذلك الوقت دخل دين

ج 10 ص 395

النَّصرانية من الرُّوم، انتهى.

وقد رُوِيَ أنَّ رهطًا من اليهود سبوه وأمُّه فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله تعالى بأنَّه يرفعه إلى السَّماء فقال لأصحابه أيُّكم يرضى أن يُلْقَى عليه شبهي فيُقْتَلَ ويُصْلَبَ ويُدْخَلَ الجنَّة، فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقُتِلَ وصَلِبَ.

وقيل كان رجلًا ينافقه فخرج ليدلَّ عليه فألقى الله عليه شبهه فأُخِذَ وصُلِبَ، وقيل دخل طيطايوس اليهودي بيتًا كان فيه فلم نجده، وألقى الله عليه شبهه، فلمَّا خرج ظُنَّ أنَّه عيسى فأُخِذَ وصُلِبَ، والعلم عند الله المَلِكِ العَلَّام.

ثمَّ يكون كَسْرُ عيسى عليه السَّلام الصَّليب حين ينزل إشارة إلى كذبهم في دعواهم أنَّه قُتِلَ أو صُلِبَ، وإلى بطلان دينهم، وأن الدِّين الحق الدين الذي هو عليه وهو دينُ الإسلام دين محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام الذي هو نزل لإظهاره وإبطال بقيَّة الأديان بقتل النَّصارى واليهود، وكسر الأصنام وقتل الخنزير وغير ذلك.

(وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ) قال الطِّيْبِيُّ ومعنى قتل الخنزير تحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله، وفيه بيان أنَّ أعيانها نجسة؛ لأنَّ عيسى عليه السَّلام إنَّما يقتلها على حكم شرع الإسلام، والشَّيء الطَّاهر المنتفع به لا يباح إتلافه انتهى. وقيل يحتمل أنَّه لتضعيف أهل الكفر عندما يريد قتالهم، ويحتمل أنَّه؛ يقتله بعدما يقتلهم.

أقول وموضع التَّرجمة هو هذه الجملة، والمعنى يأمر بإعدامه مبالغةً في تحريم اقتنائه وأكله، وفيه توبيخ عظيم للنَّصارى الذي يدعون أنَّهم على طريقة عيسى عليه السَّلام، ثمَّ يستحلُّون أكل الخنزير ويبالغون في محبَّته.

(وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ) أي يرفعها كما مرَّ تفصيله في أوَّل الباب (وَيَفِيضَ الْمَالُ) أي يكثر ويتَّسع من فاض الماء إذا سال وارتفع، وضبطه الدِّمْيَاطِيُّ بالنصب عطفًا على ما قبله من المنصوبات.

وقال ابن التِّين إعرابه بالضم؛ لأنه كلام مستأنف غير معطوف؛ لأنَّه ليس من صنيع عيسى عليه السَّلام.

(حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ) لكثرته واستغناء كل واحد بما في يده، ويقال يكثر المال حتَّى يفضل منه بأيدي ملَّاكه ما لا حاجة لهم به فيدور واحد منهم على من يقبل شيئًا منه فلا يجده.

وفي الحديث على ما قاله ابن بطَّال دلالة على أنَّ الخنزير حرام في شريعة عيسى عليه السَّلام، وقتله له تكذيب للنَّصارى أنَّه حلال في شريعتهم.

واختلف العلماء في الانتفاع بشعره فكرهه ابن سِيْرِيْنَ والحَكَمُ، وهو قول الشَّافعي وأَحمد وإسْحَاق. وقال الطَّحَاوِي لا ينتفع من الخنزير بشيء، ولا يجوز بيع شيء منه، ويجوز للخرازين أن يبيعوا شعرة منه أو شعرتين للخرازة. ورخَّص فيه الحسن وطائفة. وذكر عن مالك أنَّه لا بأس بالخرازة بشعره، وأنَّه لا بأس ببيعه وشرائه.

ج 10 ص 396

وقال الأَوْزَاعِيُّ يجوز للخراز أن يشتريه، ولا يجوز له أن يبيعه. وقال البَيْهَقِيُّ في «سننه» إنَّ الخنزير أسوء حالًا من الكلب؛ لأنه لم ينزل بقتله بخلافه.

هذا ويؤيِّده أن الخنزير نجس العين حتَّى لا يجوز دباغة جلده؛ بخلاف الكلب على ما عرف في الفروع.

والحديث أخرجه مسلم في (( الإيمان ) ). وأخرجه التِّرمذي في (( الفتن ) )، وقال حسن صحيح.

[1] في هامش الأصل وفي «الكشاف» روي أنَّه عليه السلام ينزل من السَّماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله إلَّا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة، وهي ملَّة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدَّجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنُّمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيَّات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت