2223 - (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) بضم الحاء، هو عبدُ الله بن الزُّبَيْر بن عِيسى القُرَشِيّ، وهو من أفراد البخاري، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيَيْنَة، وكان الحُمَيْدِيّ أثبت النَّاس فيه وقال جالسته تسع عشرة سنة أو نحوها، قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) بفتح العين (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (طَاوُسٌ) هو ابن كَيْسَانَ (أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ بَلَغَ عُمَرَ) وفي نسخة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ فُلاَنًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ فُلاَنًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ) قال البَيْضَاوِيُّ أي عاداهم، وقيل قتلهم فأخرج في صورة المبالغة، أو عبَّر عنه بما هو مُسَبَّبٌ عنه، فإنَّهم بما اخترعوا من الحيل انتصبوا لمحاربة الله ومقاتلته تعالى، ومن قاتله قتله، والأصل في فاعل أن يكون من اثنين، وربَّما يكون من واحد مثل سافرت وطارقت. وقد فسَّره البخاري من رواية أبي ذرٍّ باللَّعنة، وهو قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
قال الخَطَّابِيُّ قيل إنَّ الذي قال فيه عُمر رضي الله عنه ذلك القول هو سَمُرَةُ رضي الله عنه، فإنَّه خلَّلها ثم باعها، وكيف يجوز على سَمُرَةَ رضي الله عنه أنَّ يبيع عين الخمر، وقد شاع تحريمها، لكنَّه أُوِّلَ فيها بأن خَلَّلَها وغَيَّرَ اسمها كما أوَّلوه بالإذابة في الشَّحم، فعابه عُمر رضي الله عنه على ذلك، انتهى.
وفي رواية
ج 10 ص 398
مسلم وابن ماجه عن أبي بَكْر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد بلغ عُمَرَ رضي الله عنه أنَّ سَمُرَةَ رضي الله عنه باع خمرًا فقال قاتل الله سَمُرَةَ ألم يعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لعن الله اليهود حرِّمت عليهم الشُّحوم فَجَمَلُوهَا فباعوها ) )، ورواه البَيْهَقِيُّ من طريق الزَّعْفَرَانِيّ عن سُفْيَان وزاد في روايته سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ.
وقال القُرْطُبِيّ وغيره اختلف في كيفية بيع سَمُرَةَ الخمر على ثلاثة أقوال
أحدها أنَّه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم معتقدًا جواز ذلك، وهذا حكاه ابنُ الجَوْزِيّ عن ابن نَاصِر ورجَّحه وقال كان ينبغي أن يولِّيهم بيعها فلا يدخل في محظور، وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك؛ لأنه لم يتعاط محرمًا، ويكون مثل قصَّة بَرَيْرَةَ رضي الله عنها حيث قال صلى الله عليه وسلم (( هو عليها صدقة ولنا هدية ) ).
والثَّاني أن يكون باع العصير ممَّن يتَّخذه خمرًا، والعصير يسمَّى خمرًا كما قد سمي العنب؛ لأنه يَؤُلُ إليه، قاله الخَطَّابِيُّ قال ولا يُظَنَّ بسَمُرَةَ رضي الله عنه أنَّه باع عين الخمر بعد أن شاعَ تحريمها، وإنَّما باع العصير.
والثَّالث أن يكون خَلَّلَ الخمر وباعها كما مرَّ آنفًا، وكان عُمَرُ رضي الله عنه يعتقد أن ذلك لا يحل كما هو قول أكثر أهل العلم من الشَّافعية وغيرهم، واعتقد سَمُرَةَ الجواز كما تأوَّله غيرهم أنه يحلُّ التَّخليل ولا ينحصر الحل في تخليلها لنفسه، قال القُرْطُبِيُّ والأشبه الأوَّل.
وقال الحَافظُ العَسْقَلَانِيُّ ولا يتعيَّن على الوجه الأوَّل أخذها عن الجزية، بل يحتمل أن تكون حصلت له عن غنيمة أو غيرها.
وقد أبدى الإسْمَاعِيْلِيُّ في «المدخل» فيه احتمالٌ آخرُ وهو أنَّ سَمُرَةَ رضي الله عنه علم بتحريم الخمر ولم يعلم بحرمة بيعها، ولذلك اقتصر عُمر رضي الله عنه على ذمِّه دون عقوبته؛ يعني لو لم يكن كذلك بل كان فعله عن علم لما أقرَّه على عمله بل عزله.
قال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ وهذا هو الظَّنُّ به، ولم أر في شيءٍ من الأخبار أنَّ سمُرة رضي الله عنه كان واليًا لِعُمر رضي الله عنه على شيءٍ من أعماله إلَّا أنَّ ابن الجَوْزيِّ أطلق أنَّه كان واليًا على البَصْرَةِ لِعُمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو وهم، وإنَّما ولي سَمُرَةَ رضي الله عنه على البَصْرَةِ لزِيَادٍ وابنه عُبَيْدٍ الله بن زِيَادٍ بعد عُمر رضي الله عنه
ج 10 ص 399
بدهر، وولاة البصرة لعُمر رضي الله عنه قد ضُبِطُوا وليس منهم سَمُرَةُ رضي الله عنه.
وتعقَّبه العَيْنِيُّ أنَّ الذي اطَّلع على شيء حُجَّةٌ على من يدَّعي عدم الاطلاع عليه، فليتأمَّل.
(حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ) أي أكلها، وإلَّا فلو حرم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلة فيما صنعوا من إذابتها، كذا قيل وفيه نظر (فَجَمَلُوهَا) بالجيم؛ أي أذابوها، يقال جَمَلَ الشَّحمَ يَجْمُلُه، من باب نَصَر يَنْصُر؛ إذا أذابه، ومنه الجميلُ وهو الشَّحم المُذَاب.
وقال الدَّاوُدِيُّ ومنه يسمَّى الجَمَال؛ لأنَّه يكون عن الشَّحم وليس هذا ببيِّن؛ لأنَّه قد يكون بعد الهُزَال.
(فَبَاعُوهَا) وقال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ ووجه تشبيه عُمر رضي الله عنه بيع المسلمين للخمرِ ببيع اليهود المذاب من الشَّحم الاشتراك في النَّهي عن تناول كلٍّ منهما.
وتعقَّبه العَيْنِيُّ بأنَّ هذا لا يسمَّى تشبيهًا؛ لعدم شروط التَّشبيه فيه، وإنَّما هو تمثيلٌ؛ يعني بيع فلان الخمر مثل بيع اليهود الشَّحم المذاب، والمعنى حال هذا الرَّجل الذي باع الخمر العجيبة الشَّأن كحال اليهود الذي حرم عليهم الشَّحم، ثمَّ جَمَلُوه فباعوه، وعلماء البيان قد فرَّقوا بين التَّشبيه والتَّمثيل، وجعلوا لكلِّ واحد بابًا مفردًا.
نعم إذا كان وجه التَّشبيه مُنْتَزَعًَا من أمور يسمَّى تمثيلًا، كما في قوله تعالى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة 5] فإنَّ تشبيه مثل الذين كلفوا العمل بما في التوراة ثمَّ لم يعملوا بذلك بمثل الحمار الحامل للأسفارِ، فإنَّ وجه التَّشبيه بينهما وهو حرمان الانتفاع بأبلغ نافع مع الكدِّ والتَّعب في استصحابه لا يخفى كونه منتزعًا من عدَّة أمور، انتهى.
وأنت خبير بأنَّ مراد الحافظِ العَسْقَلَانِيِّ من كلامه ذلك ليس إلَّا ما قرَّره العَيْنِيُّ على أنَّه ينقل ذلك الكلام من غيره كما يشهد به سياق كلامه فتأمَّل حيث قال بعد ذلك ولكن ليس كل ما حرم تناوله حرم بيعه كالحُمُر الأهليَّة وسباع الطيَّر، فالظَّاهر أن اشتراكهما في كون كلٍّ منهما صار بالنَّهي عن تناوله نجسًا.
هكذا حكاه ابن بَطَّالٍ عن الطَّبَرِيِّ وأقرَّه، وليس بواضحٍ بل كل ما حرم تناوله حرم بيعه وتناول الحُمُر والسِّباع وغيرهما ممَّا مرَّ حرم أكله، إنَّما يتأتى بعد ذبحه وهو بالذَّبح يصير ميتة؛ لأنَّه لا زكاة له، وإذا صار ميتة صار نجسًا، ولم يجزْ بيعه فالإيراد
ج 10 ص 400
في الأصل غيرُ واردٍ، انتهى.
وتعقَّبه العيني أيضًا أنَّ قوله كلُّ ما حرم تناوله حَرُم بيعه ليس بكلِّي، فإنَّ الحيَّة يحرم تناولها ولا يحرم بيعها للتَّداوي، وأمَّا قوله وتناول الحُمُر والسِّباع. .. إلى آخره فكان ينبغي له أن يقول من مذهبنا؛ لأن من لم يقفْ على مذهب العلماء في مثل ذلك يعتقد أنَّه أمر مجمعٌ عليه وليس كذلك، فإنَّ عندنا ما لا يؤكل لحمه إذا ذبح يطهر لحمه حتَّى إذا صلَّى، ومعه من ذلك أكثر من قدر الدِّرهم تصح صلاته، ولو وقع في الماء لا ينجِّسه؛ لأنه بالزَّكاة يطهر؛ لأن الزَّكاة أبلغ من الدِّباغ في إزالة الدِّماء والرُّطوبات.
وقال الكَرْخِيُّ كلُّ حيوان يطهرُ جلده بالدِّباغ يطهر بالزَّكاة، فهذا يدلُّ على أنَّه يطهر لحمه وشحمه وسائر أجزائه.
وفي «البدائع» الزَّكاة تُطَهِّرُ المُزَكَّى بجميع أجزائه إلَّا الدَّم المسفوح هو الصَّحيح، وقال ابنُ بَطَّالٍ أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة بتحريم الله عزَّ وجلَّ لها، قال تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة 3] .
وأمَّا اعتراض بعض الملاحدة بأنَّ الابن إذا ورث من أبيه جارية كان الأب وطئها حرم عليه وطئها، وجاز له بيعُها بالإجماعِ وأكلُ ثمنها.
فأجاب القاضي عِيَاضٌ عنه بأنَّه تمويه على من لا علم عنده، فإنَّه لم يحرم عليه الانتفاع لها مطلقًا، وإنَّما حرم عليه الاستمتاع بها لأمر خارجي، والانتفاع بها لغيره بالاستمتاع وغيره حلال إذا ملكها؛ بخلاف الشُّحوم، فإنَّ المقصود منها وهو الأكل كان محرمًا على اليهود جميعهم في كلِّ حال، وعلى كلِّ شخصٍ، وكذلك شحوم الميتة محرَّمة الأكل على كلِّ أحدٍ فكان ما عدا الأكل تابعًا؛ بخلاف موطوءة الأب.
وفي الحديث جوازُ لعن العاصي المُعَيَّنِ، ولكن يحتمل أن يقال إنَّ قول عمر رضي الله عنه قاتل الله سَمُرَةَ، لم يرد به ظاهره بل هي كلمة تقولها العرب عند إدارة الزَّجر، فقال عمر رضي الله عنه ذلك في حقِّه رضي الله عنه تغليظًا عليه، وفيه إقالة ذوي الهيئات، فإنَّ عمر رضي الله عنه اكتفى بتلك الكلمة عن مزيد عقوبة.
وفيه إبطالُ الحيل والوسائل إلى المحرَّم. وفيه تحريم بيع الخمر، وقد نقل ابنُ المنذر وغيره في ذلك الإجماع. وشذَّ من قال يجوز بيعها،
ج 10 ص 401
أو يجوز بيع العنقود المستحيل باطنه خمرًا.
واختلف في علَّة ذلك فقيل لنجاستها، وقيل لأنَّه ليس فيها منفعة مباحة مَقْصودة، وقيل للمبالغة في التَّنفير عنها.
قال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ وفيه أنَّ الشَّيء إذا حرم عينه حرم ثمنه. وقد تقدَّم من العَيْنِيِّ أنَّه ليس بكلِّي. وقال أيضًا وفيه دليل على أنَّ بيع المسلم الخمر من الذِّمي لا يجوزُ، وكذا توكيل المسلم الذِّمِّي في بيع الخمر، وأمَّا تحريم بيعها على أهل الذِّمَّة فمبنيٌّ على الخلاف في خطابِ الكافر بالفروع.
هذا وقال العَيْنِيُّ لا خلاف في المسألة الأولى ولا في الثَّانية، ولكن الخلاف فيما إذا وَكَّلَ الذِّمِّيُّ المسلمَ ببيع الخمر، والحديث لا يدلُّ على مسألة التَّوكيل من الجانبين.
هذا وفيه أيضًا استعمال القياس في الأشباه والنَّظائر. واسْتُدِلَّ به أيضًا على تحريمِ بيع جثة الكافر إذا قتلناه، وأراد الكفَّار شراءه، وكلُّ محرَّمٍ نجسٌ ولو كانت فيه منفعة كالسِّرقين، أجاز ذلك الكوفيُّون. وذهب بعض المالكيَّة إلى جواز ذلك للمشتري دون البائع لاحتياج المشتري دونه. وسيأتي في باب (( بيع الميِّتة ) ) [خ¦2236] ، تتميم لذلك المبحث إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه المؤلِّف في (( ذكر بني إسرائيل ) )أيضًا [خ¦3460] . وأخرجه مُسلم في (( البيوع ) )، والنَّسائي في (( الذَّبائح ) )و (( التَّفسير ) )، وابن مَاجه في (( الأشربة ) ).