2225 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ) أبو مُحَمَّد الحَجْبِيُّ، وهو من أفراد البخاريِّ، قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (ابْنُ زُرَيْعٍ) مصغِّر زرع، قال (أَخْبَرَنَا عَوْفٌ) بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره فاء، ابن أبي حُمَيْدٍ الأعرابي وليس بأعرابيِّ الأصل يكنى أبا سُهيلٍ، ويقال أبو عبدِ الله.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ) هو أخو الحسن البصري، وهو أسنُّ منه ومات قبله، وليس له في البخاري موصولًا سوى هذا الحديث، أنَّه (قَالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ) كلمة إذ للمفاجأة، وقد مرَّ غير مرَّة أنَّ إذ وإذا يضافان إلى جملة فقوله أتاه رجل، جملة فعلية مضاف إليها وقوله الآتي فقال ابن عبَّاس جواب (( إذ ) ).
(فَقَالَ يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي) يعني ما عيشتي إلَّا من عمل يدي (وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لاَ أُحَدِّثُكَ إِلاَّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا) أي إلى أن ينفخ في الصُّورة (الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا) أي لا يمكن له النَّفخ قط فيعذب أبدًا (فَرَبَا الرَّجُلُ) بالراء وبالموحدة؛ أي أصابه الرَّبو، وهو مرضٌ يحصل للرَّجل يعلو نفَسه ويضيق صدره.
وقال ابن قُرْقُولِ أي ذعر وامتلأ خوفًا. وعن صاحب «العين» ربا الرَجل أصابه نفَس في جوفه، وهو الرَّبو والربوة وهو نهج ونفس متواتر. وقال ابن التِّين معناه انتفخَ كأنَّه خجلَ من ذلك (ربْوَةً) بضم الراء وبفتحها (شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ) ابن عبَّاس رضي الله عنهما (وَيْحَكَ) كلمة تَرَحُّم، كما أنَّ ويلك كلمة عذاب (إِنْ أَبَيْتَ إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ) إشارة إلى جنس الشَّجر (كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ)
ج 10 ص 403
بجرِّ كلٍّ على أنَّه بدل الكل من البعض، وقد جوَّزه بعض النُّحاة، وهو قسم خامس من الإبدال كقول الشاعر
~رَحِمَ اللَّهُ أَعْظُمًا دَفَنُوهَا بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ
ويروى نضَّر الله أعظمًا.
ويحتمل أن يكون على حذف مضاف والتَّقدير عليك بمثل هذا الشَّجر، أو على حذف واو العطف؛ أي وكلُّ شيءٍ كما في التحيات الصلوات إذ التَّقدير والصَّلوات.
وبهذا الأخير جزم الحُمَيْدِيُّ في «جامعه» وكذا ثبت في رواية مُسلم والإسْمَاعِيْلِيِّ بلفظ (( فاصنع الشَّجر وما لا نفس له ) )، وفي رواية أبي نُعَيْمٍ من طريق هَوْدَةَ عن عَوْفٍ (( فعليك بهذا الشَّجر وكل شيء ليس فيه روح ) )بإثبات واو العطف.
وقال الطِّيبِيُّ قوله كل شيءٍ، بيان للشَّجر؛ لأنَّه لَمَّا منعه عن التَّصوير وأرشده إلى جنس الشَّجر رأى أنَّه غير وافٍ بالمقصود، فأوضحه به، ويجوز النصب على التَّفسير.
وفي الحديث أنَّ تصوير ذي روح حرام وأنَّ مصوِّره تُوُعِّد بعذاب شديدٍ وهو قوله صلى الله عليه وسلم (( فإنَّ الله معذِّبه حتَّى ينفخ فيها الروح ) ). وفي رواية لمُسلم (( كلُّ مصور في النَّار يجعل له بكلِّ صورة صوَّرها نفسًا فيعذِّبه في جهنم ) )وروى الطَّحَاوِيّ في حديث أبي جُحَيْفَةَ (( لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المصورين ) ).
وعن عُمَيْرٍ عن أُسَامَةَ بن زَيْدٍ يرفعه (( قاتل الله قومًا يرفعون ما لا يخلقون ) )وقال المهلَّب إنَّما كُرِهَ هذا من أجل أنَّ الصُّورة التي فيها الروح كانت تُعْبَدُ في الجاهليَّة فكُرِهَتْ كلُّ صورةٍ، وإن كانت لا فَيء لها، ولا جسم قطعًا للذَّريعة.
وقال القُرْطُبِيُّ في حديث مُسلم (( أشدُّ النَّاس عذابًا يوم القيامة المصورون ) )، وهذا يقتضي أن يكون في النَّار أحد يزيد عذابه على عذاب المصوِّرين. وهذا يُعارضه قوله تعالى {أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر 46] .
وقوله صلى الله عليه وسلم (( أشدُّ النَّاس عذابًا يوم القيامة إمام ضلالة ) )وقوله صلى الله عليه وسلم (( أشدُّ النَّاس عذابًا يوم القيامة عالمٌ لم ينفعْه الله بعلمه في أشباهِ ذلك ) ).
قال ووجه التَّوفيق أنَّ النَّاس الذين أضيف إليهم (( أشدُّ ) )لا يُراد بهم كل النَّاس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المُتَوَعَّدِ عليه
ج 10 ص 404
بالعذاب.
ففرعون أشدُّ المدَّعين للألوهية عذابًا، ومن يُقْتَدَى به في ضلالة كفر أشد ممَّن يُقْتَدَى به في ضلالة بدعة، ومن صوَّر صورًا ذات أرواح أشدُّ عذابًا ممَّن يصوِّر ما ليس بذي روح، فيجوز أن يعني بالمصوِّرين الذين يصوِّرون الأصنام للعبادة كما كانت الجاهلية تفعلُ، وكما تفعلُ النَّصارى، فإنَّ عذابهم يكون أشدَّ ممَّن يصورها لا للعبادة، انتهى.
ولقائل أن يقول (( أشدُّ النَّاس عذابًا ) )بالنِّسبة إلى هذه الأمة لا إلى غيرها من الكفَّار، فإن صوَّرها لتعبد أو لمضاهاة خلق الله تعالى فهو كافرٌ قبيح الكفر، فلذلك زِيْدَ في عذابهِ، وفي الحديث أيضًا إباحة تصوير ما لا روح له كالشَّجر ونحوه، وهو قول جمهور الفقهاء وأهل الحديث، فإنَّهم استدلُّوا على ذلك بقول ابن عبَّاس رضي الله عنهما فعليك بهذا الشَّجر، إلى آخره.
فإن ابن عبَّاس رضي الله عنهما استنبط قوله من قوله صلى الله عليه وسلم (( فإنَّ الله معذِّبه حتَّى ينفخ فيها الرُّوح ) )فدلَّ هذا على أنَّ المصور إنَّما يستحق هذا العذاب لكونه قد باشرَ تصوير حيوان مختصٍّ بالله عزَّ وجل وتصوير جمادٍ ليس في معنى ذلك فلا بأس به.
وذهب جماعةٌ منهم اللَّيث بن سَعْد والحَسَن بن حَيِيّ وبعض الشَّافعية إلى كراهةِ التَّصوير مطلقًا سواء كانت على الثِّياب أو على الفرش والبسط ونحوها، واحتجُّوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب ) )رواه أبو دَاود من حديث عليٍّ رضي الله عنه، وقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ) )أخرجه مُسلم من حديث ابن عَبَّاس عن أبي طَلْحَةَ رضي الله عنهم.
وأخرج الطَّحَاوِيُّ والطَّبَرَانِيُّ نحوه من حديث أيُّوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخرج الطَّحَاوِيُّ أيضًا من حديث أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنهما قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترةٌ بقرام ستر فيه صورة فهتك، ثمَّ قال (( إنَّ أشدَّ النَّاس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله تعالى ) )وأخرجه مُسلم بأتمَّ منه.
وأخرج الطَّحَاوِيُّ أيضًا
ج 10 ص 405
من حديث أُسَامَةَ بن زيدٍ رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ) )وأخرجه الطَّبَرَانِيُّ مطولًا.
وأخرج الطَّحَاوِيُّ أيضًا من حديث أبي الزُّبَيْرِ قال سألت جَابرًا رضي الله عنه عن الصُّور في البيت، وعن الرَّجل يفعل ذلك فقال زجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وخالف آخرون هؤلاءِ المذكورين وهم النَّخعي والثَّوري وأبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد في رواية وقالوا إذا كانت الصُّور على البسط والفرش التي توطأ بالأقدام فلا بأس بها، وأمَّا إذا كانت على الثِّياب والسَّتائر ونحوها فإنَّها تُحَرَّمُ.
وقال أبو عُمَرَ ذكر ابن القَاسم قال كان مالكٌ يكره التَّماثيل في الأسرَّة والقباب، وأمَّا البسط والوسائد والثِّياب فلا بأس بها وكره أن يصلِّي إلى قبة فيها تماثيل.
وقال الثَّوري لا بأس بالصُّور في الوسائد؛ لأنَّها توطأ ويجلس عليها، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التَّصاوير في البيوت بتمثال ولا يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أنَّ التَّصاوير في السُّتور المعلقة مكروهة، وكذلك عندهم ما كان خرطًا أو نقشًا في البناء.
وقال المُزَنِيُّ عن الشَّافعي فإن دُعِيَ رجلٌ إلى عرس فرأى صورة ذات روح لم يدخل إن كانت منصوبة وإن كانت توطأ فلا بأس.
وإن كانت صور الشَّجر فقال قومٌ إنَّما كره من ذلك ماله ظل، وما لا ظلَّ له فليس به بأسٌ، وقال القاضي عِيَاضٌ وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره إلَّا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرُّخصة في ذلك، وكره مالك شراء ذلك لابنته.
وادَّعى بعضهم أنَّ إباحة اللَّعب للبنات منسوخٌ، وقال القُرْطُبِيُّ واستثنى بعض أصحابنا من ذلك ما لا يبقى كصور الفخار والشَّمع وما شاكل ذلك، وهو مطالَب بدليل التَّخصيص، وكانت الجاهلية تعمل أصنامًا من العجوة حتَّى إنَّ بعضَهم جاع فأكلَ صنمه، رُوِيَ أن بني باهلة كانوا يصنعون الأصنام من العجوة، فوقع فيهم الغلاء فأكلوها، وقالوا بنو باهلة أكلوا آلهتهم.
وحجَّة المخالفين لأهل المقالة
ج 10 ص 406
الأولى حديث عائشة رضي الله عنها قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي نَمَطٌ لي فيه صورةٌ، فوضعته على سهوتي فاجتذبه فقال (( لا تستروا الجدار ) )قالت فصنعته وسادتين. أخرجه الطَّحَاوِيُّ، وأخرجه مُسلم بأتمَّ منه.
والنَّمَطُ _ بفتح النون والميم _ ضَرْبٌ من البسط له خملٌ رقيق، ويجمعُ على أَنْمَاطٍ.
والسهوة _ بالسين المهملة _ بيتٌ صغير منحدرٌ في الأرض قليلًا شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل هو كالصِّفة يكون بين يدي البيت، وقيل شبيه بالرَّف والطَّاق يوضع فيه الشَّيء، والوسادة المخدَّة.
وأجابوا عن الأحاديث التي مضت بأنَّا عملنا بها على عمومها وأهملنا بعضها، وفيه ما قال القُرْطُبِيُّ من أنَّه يُستفاد من قوله وليس بنافخٍ جواز التَّكليف بما لا يقدر عليه، قال ولكن ليس مقصود الحديث التَّكليف وإنَّما المقصود منه تعذيب المكلف في إظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغةً في توبيخه وإظهار قبح فعله.
والحديث أخرجه مُسلمٌ في (( اللِّباس ) )، والنَّسائي في (( الزِّينة ) )، وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( المصوِّرون يُعَذَّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتُم ) )رواه مُسلم وغيرُه. وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صوَّر صورةً كُلِّفَ يوم القيامة أن ينفخَ فيها الرُّوح وليس بنافخٍ ) )أخرجه الطَّحَاوِيُّ.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البُخاريُّ نفسه (سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، هو النَّضْرُ بن أنس بن مالك البُخاريِّ الأنصاري، يُكَنَّى أبا مَالك، عداده في أهل البصرة (هَذَا الْوَاحِدَ) أي لم يسمعْ سعيدٌ هذا من النَّضرْ إلَّا هذا الحديث الواحد الذي رواه عَوْفٌ الأعرابي، وهو معنى قوله هذا الواحد.
وأشار بذلك إلى ما أخرجه في اللِّباس عن عَيَّاش بن الوَلِيد، عن عبد الأَعلى عن ابنِ أبي عَرُوبَةَ سمعتُ النَّضْرَ يحدِّث عن قَتَادَةَ قال كنتُ عند ابن عَبَّاس رضي الله عنهما فذكره، وروى مُسلم فأدخل بين سَعيدٍ والنَّضْرِ قَتَادَةُ.
قال الجَيَانِيُّ وليس بشيءٍ لتصريح البخاريِّ وغيرِه بسماعِ سَعيد من النَّضْر هذا الحديث وحده، ورواه مُسلم أيضًا عن أبي غَسان وأبي مُوسى عن مُعاذ بن هِشام عن أبيه عن قَتَادَةَ عن النَّضْر مثله.