فهرس الكتاب

الصفحة 3475 من 11127

2227 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ) بِشْر _ بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة _ ومرحوم ضدُّ المعذب، وهو بشر بن عُبَيْسٍ بن

ج 10 ص 408

مَرْحُومٍ بن عبد العزيز بن مَهْرَانَ، مولى آل مُعَاوِيَةَ بن أبي سُفيان القرشي العَطَّار، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وعُبَيْس بضم العين المهملة وفتح الموحدة على صيغة التَّصغير وفي آخره سين مهملة، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ) بضم السين المهملة، القرشيُّ الجَزَّار _ بالمعجمة وتشديد الزاي _ الحَذَّاءُ، يُكَنَّى أبا زكريا، ويُقَال أبو محمد الطَّائفي نزيل مكة مات سنة خمس وتسعين ومائة مختلف في توثيقه، وليس له في البخاريِّ موصول سوى هذا الحديث، وذكره في (( الإجارة ) ) [خ¦2270] من وجه آخر.

والتَّحقيق أنَّ الكلام فيه إنَّما وقع في روايته عن عُبَيْدِ الله بن عمر خاصة، وهذا الحديث من غير روايته، واتَّفق الرواة عن يحيى بن سُلَيْمٍ على أنَّ الحديث من رواية سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عن أبي هريرة، وخالفهم أبو جَعْفَرٍ النُفَيْلِيُّ، وقال عن سَعِيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قاله البَيْهَقِيُّ والمحفوظ قول الجماعة، والله أعلم.

ثمَّ الحديث المذكور من أفراد البخاري.

(عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتانية، ابن عَمرو بن سَعِيد بن العَاصِ الأُمَوِيِّ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، وقد مرَّ في (( الزَّكاة ) ) [خ¦1458] (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المَقْبُرِيِّ، وقد تكرَّر ذكره (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي رواية (ثَلاَثَةٌ) أي ثلاثة أنفس، وذكر الثَّلاثة ليس للحصرِ، فإنَّ الله تعالى خصم لجميع الظَّالمين، ولكن لمَّا أراد التَّشديد على هؤلاء الثَّلاثة صرَّح بها (أَنَا خَصْمُهُمْ) الخصم يقعُ على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنَّث بلفظ واحد.

وزعم الهَرَوِيُّ أنَّ الخَصْمَ _ بالفتح _ الجماعة من الخصوم، والخِصم _ بكسر الخاء _ الواحد. وقال الخَطَّابِيُّ الخَصْمُ هو المُولَع بالخُصومة الماهر فيها. وعن يعقوب بن السِّكِّيتِ يقال للخصم خصيم.

وفي «الواعي» يقال الخَصِيْمُ للمُخاصِم والمُخاصَم.

وعن الفَرَّاءِ في كلام العرب الفُصحاء أنَّ الاسم إذا كان مصدرًا في الأصل لا يثنونه ولا يجمعونه، ومنهم من يُثنيه ويجمعه، فالفُصحاء يقولون هذان خصمان وهم خصومٌ وخصماء، وكذا ما أشبهه.

(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وزاد ابنُ خُزَيْمَةَ وابنُ حِبَّانَ والإِسْمَاعِيْلِيُّ في هذا الحديث (( ومن كنت خصمه خصمتُه ) ) (رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ) كذا

ج 10 ص 409

للجميع على حذف المفعول، والتَّقدير أعطى العهد بي؛ أي باسمي واليمين به ثمَّ نقض العهد ولم يَفِ به.

وقال ابنُ الجَوْزِيِّ معناه حلف في قوله (( ثمَّ غدر ) )يعني نقضَ العهد الذي عهد عليه واجترأ على الله عزَّ وجلَّ.

(وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا) أي عالمًا متعمدًا، وأمَّا إذا كان جاهلًا فلا يدخل في هذا (فَأَكَلَ ثَمَنَهُ) خُصَّ الأكل بالذكر؛ لأنَّه أعظم مقاصده، وعند أبي دَاود من حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما مرفوعًا (( ثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صلاة ) )، فذكر فيهم ورجلٌ اعتبدَ محرَّره، وهذا أعمُّ من الأوَّل في الفعل وأخص منه في المفعول به.

قال الخَطَّابِيُّ اعتبار الحرِّ يقعُ بأمرين أن يعتقه، ثمَّ يكتُم ذلك أو يجحدَه، والثَّاني أن يستخدمَه كرهًا بعد العتق والأوَّل أشدُّهما.

قال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ وحديث الباب أشدُّ؛ لأنَّ فيه مع كتمِ العتق أو جحدهِ العمل بمقتضَى ذلك من البيع وأكل الثَّمن، فمن ثُمَّةَ كان الوعيد عليه أشدُّ.

قال المُهَلَّبُ وإنَّما كان إثمه أشدُّ؛ لأنَّ المسلمين أَكْفَاءُ في الحرية والذِّمة وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه وأن ينصحه ولا يغشه، وليس في الظُّلم أعظم ممَّن يستعبده أو يعرضه على ذلك. ومن باع حرًّا فقد منعه التَّصرف فيما أباح الله له وألزمه الذُّل الذي أنقذَهُ الله منه فهو ذنبٌ عظيمٌ ينازع الله به في عبادِهِ.

وقال ابنُ الجَوْزِيِّ الحرُّ عبد الله فمن جنى عليه فخصمه سيِّده، وقال ابنُ المُنْذِرِ وكلُّ من لقيت من أهل العلم على أنَّه من باع حرًّا أنَّه لا قطع عليه؛ يعني إذا لم يسرقْه من حرز مثله بل يُعَاقَبُ إلَّا ما رُوِيَ عن عليٍّ رضي الله عنه يقطع يد من باع حرًّا، والصَّواب قول الجماعة؛ لأنَّه ليس بسارقٍ ولا يجوز قطع غير السَّارق، ويُرْوَى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما يُرَدُّ البيعُ ويُعَاقَبَان.

قال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ وكان في جواز بيع الحرِّ خلافٌ قديم، ثمَّ ارتفع فرُوِيَ عن عليٍّ رضي الله عنه قال من أقرَّ على نفسه بأنَّه عبد فهو عبد.

ويُحْتَمَلُ أن يكون محلُّه فيمن لم تُعْلَمْ حُرِّيَّتَه، لكن روى ابنُ أبي شَيْبَةَ من طريق قَتَادَةَ أنَّ رجلًا باعَ نفسه، فقضى عُمَرُ رضي الله عنه بأنَّه عبد وجعلَ ثمنه في سبيل الله.

ومن طريقِ زُرَارةً بنٍ أَوْفَى قاضي البصرة التَّابعي أنَّه باعَ حرًّا في دين عليه.

وقال ابنُ حَزْمٍ وروِّينا هذا القول عن الشَّافعي وهو قول غريبٌ لا يعرفه من أصحابه إلَّا من تبحَّر في الآثار، قال وهذا قضاءُ عمر وعلي بحضرة الصَّحابة رضي الله عنهم ولم يعترضْهما

ج 10 ص 410

معترضٌ قال

وقد جاء في الأثر أنَّه كان يُبَاعُ الحرُّ في الدِّين في صَدر الإسلام إلى أن نزلَ قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة 280] .

ورُوِيَ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم باع حرًّا أفلسَ رواه الدَّارَقُطْنِيُّ من حديث حَجَّاجِ عن ابن جُرَيْجٍ فقال عن أبي سَعِيد أو سَعْد، على الشَّك. ورواه البَزَّارُ من حديث مُسلم بن خالد عن يَزِيْدَ بن أسلم عن عبد الرَّحمن بن السَّلْمَانِيِّ عن سَرْقٍ أنَّه اشترى من أعرابيٍّ بعيرين فباعهما فقال صلى الله عليه وسلم (( يا أعرابيُّ اذهب فبعْه حتَّى تستوفًي حقَّك ) )فأعتقه الأَعْرَابِيُّ.

ورواه ابنُ سَعْد عن أبي الوَلِيْدِ الأَزْرَقِيُّ عن مُسلمِ وهو سندٌ صحيحٌ، وضعَّفه عبدُ الحقِّ بأن قال مُسلم وعبد الرَّحمن بن زَيد بن أَسلم ضعيفان وليس بجيدٍ؛ لأنَّ مسلمًا وثَّقه غيرُ واحدٍ وصحَّح حديثه.

وأخرجه الحَاكم من حديث بُنْدَار ثنا عبد الصَّمد بن عبد الوَارث ثنا عبد الرَّحمن بن عبد الله بن دِيْنَارٍ ثنا زيد بن أسلم ثمَّ قال على شرط البخاريِّ.

وفي «التوضيح» ويُعارضه ما في «مراسيل أبي دَاود» عن الزُّهْرِيِّ كان يكون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ديون على رجال ما علمنا حرًّا بيع في دينٍ.

(وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ) أي العمل (وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ) وهذا في معنى الثَّاني؛ لأنَّه حرٌّ استخدمه بغير عوضٍ، وهذا عينُ الظُّلم.

107 - (بابُ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ فِي بَيْعِ أَرَضِيهِمْ) كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ بفتح الراء وكسر الضاد المعجمة، جمع أرض، وفيه شذوذان أحدهما أنَّه جمع سلامة، وليس من العقلاء، والآخر أنَّه لم يبق مفرده سالمًا؛ لتحريك الراء (حِينَ أَجْلاَهُمْ) أي نفاهُم من المدينة (فِيهِ) أي في هذا الباب (الْمَقْبرِيُّ) أي حديث سَعِيد المُقْبريِّ _ بفتح الباء وضمها وجاء الكسر أيضًا _ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أشار البخاريُّ بهذا إلى ما أخرجه في (( الجهاد ) ) [خ¦3167] ، في باب (( إخراج اليهود من جزيرة العرب من طريق سعيد المَقْبرِيّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال [خ¦3167] بينا نحن في المسجد إذ خرج علينا النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 10 ص 411

انطلقوا إلى اليهود، فخرجنا حتَّى جئنا بيت المِدْراس فقال أسلِموا تسلَموا، واعلموا أنَّ الأرض لله ورسوله وإنِّي أريد أن أُجْلِيَكم من هذا الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلَّا فاعلموا أنَّ الأرض لله ورسوله )) [1] .

قال ابنُ إِسْحَاقَ فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكفَّ عن دمائهم على أنَّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم، فاحتملوا ذلك وخرجوا إلى خَيْبَرَ وخلُّوا الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت له خاصَّة يضعها حيث يشاء فقسمها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء اليهود الذي أجلاهم النَّبي صلى الله عليه وسلم هم بنو النَّضِيْرِ، وذلك أنَّهم أرادوا الغدرَ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يلقوا عليه حجرًا، فأوحى الله تعالى إليه بذلك، فأمر بإجلائهم وأن يسيروا حيث شاءوا، فلمَّا سمع المنافقون بذلك بعثوا إلى بني النَّضْرِ اثبتوا وتمنَّعوا فإنَّا لم نسلمكم إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أُخرجتُم خرجنا معكم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرُّعب، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجليهم ويكفَّ عن دمائهم، فأجابهم بما ذكر.

فإن قيل هذا يُعارض حديث سعيد المَقْبرِيِّ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمرهم ببيع أَرِضيهم.

فالجواب أنَّ أَمْرَهُ لهم بذلك قبلَ أن يكونوا حربًا، ثمَّ أطلعه الله تعالى على القدر منهم لأجل قول المنافقين لهم اثبتوا، فعزموا مقاتلته صلى الله عليه وسلم فصاروا حربًا فحلَّت بذلك دماؤهم وأموالهم، فخرجَ إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السِّلاح وحاصرَهم، فلمَّا يئسوا من عون المنافقين ألقى الله في قلوبهم الرُّعب، وسألوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عرض عليهم قبل ذلك، فلم يبحْ لهم بيع الأرض وقاضاهم أن يجليهم ويحملوا ما استقلَّت به الإبل على أن يكفَّ عن دمائهم وأموالهم، فجلوا عن ديارهم وكفى الله المؤمنين القتال، وكانت أرضهم وأموالهم ممَّا لا يُوْجَفُ عليها بقتال، فصارت خالصةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء.

وقال ابنُ إِسْحَاقَ ولم يسلم من بني النَّضِيْرِ إلَّا رجلان أسلما على أموالهما

ج 10 ص 412

فأحرزاها قال ونزلت في بني النَّضِيْرِ سورة الحشر.

وقال الكَرْمَانِيُّ فإن قلت لم عبَّر عمَّا رواه بهذه العبارة ولم يذكر الحديث بعينه. قلت لأنَّ الحديث لم يثبت على شرطه، انتهى.

ورَدَّ عليه الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ بأنَّه غفل عن كونه إشارةً إلى هذا الحديث غاية ما في باب أنَّه اكتفى هنا بالإشارة إليه لاتِّحاد مخرجه عنده ففرَّ من تكراره على صورته بغير فائدة، كما هو الغالب من عادته، انتهى.

وقال العَيْنِيُّ التَّكرار حاصل على ما لا يخفى مع أنَّ ذكر هذا لا مدخل له في كتاب (( البيوع ) )، ولهذا سقط هذا الباب في بعض النسخ، والله أعلم.

[1] في هامش الأصل ورُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدم المدينة صالح بني النَّضير على أن لا يكونوا له ولا عليه، فلمَّا ظهر يوم بدر وغلب قالوا إنه النَّبي المنعوت في التوراة بالنصرة، فلما هزم المسلمون يوم أحد، ارتابوا ونكثوا، وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا إلى مكة، وحالفوا أبا سفيان فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أخا كعب من الرضاعة فقتله غيلة؛ أي خديعة ثم صبحهم بالكتائب، وحاصرهم حتى صالحوا على الجلاء، فجلا أكثرهم إلى الشام ولحقت طائفة بخيبر والحيرة، فأنزل الله تعالى {سَبَّحَ لِلَّهِ} إلى قوله {وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر 1 - 6] . منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت