فهرس الكتاب

الصفحة 3479 من 11127

2229 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَمُ بنُ نَافِعٍ الحِمْصِيُّ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ حَمْزَةَ الحِمْصِيُّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مُسلم بن شِهَاب أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الراء وفي آخره زاي، هو عبدُ الله بن مُحَيريز الجُمَحِيُّ القُرَشِيُّ، مات في خلافة عُمر بن عبد العزيز، وقيل في ولاية الوَليد بن عبد الملك.

(أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا) أي نجامعُ الإماء المسبية (وَنُحِبُّ الأَثْمَانَ) أي ونحن نريد أن نبيعهنَّ.

(فَكَيْفَ تَرَى فِي الْعَزْلِ) يعني فنعزل الذكر عن الفرج وقت الإنزال حتَّى لا ينزل فيه دفعًا لحصول الولد المانع من البيع، إذ أمَّهات الأولاد حرامٌ بيعها فكيف تحكم في العزل أهو جائز أم لا؟

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ) أي العزل، وهذا الكلام على سبيل التَّعجب.

(لاَ عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ) أي ليس عدم الفعلِ واجبًا عليكم، وقال المبرِّد كلمة لا زائدة؛ أي لا بأس عليكم في فعله، وأمَّا من لم يُجَوِّزِ العزل فقال لا نفي لما سألوه وعليكم أن لا تفعلوا كلام مستأنف مؤكد له. وقال النَّووي معناه ما عليكم ضررٌ في تلك العزل؛ لأنَّ كلَّ نفسٍ قدر الله تعالى خلقها لا بدَّ أن يخلقها سواء عزلتم أم لا.

(فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ) بفتح النون والسين المهملة، وهو كلُّ ذي روح، ويقال النَّسَمَة النَّفس والإنسان، ويراد بها الذَّكر والأنثى، والنسم الأرواح، والنَّسيم الرِّيح الطَّيبة.

(كَتَبَ اللَّهُ أَنْ تَخْرُجَ) أي ليست نفس من النُّفوس قدَّر الله أن يخلقها في حالٍ من الأحوال (إِلاَّ هِيَ خَارِجَةٌ) أي إلَّا في حالٍ أنَّها هي خارجة.

والغرض منه أنَّ العزلَ لا يمنع الإيلاد المقدر، جفَّ القلم بما يكون، وقد اختلف في أنَّ تلك الإماء هل كنَّ أهل كتاب أم لا؟ على قولين، قال أبو محمد الأَصَيْلِيُّ كانوا عبدة أوثان، وإنَّما جاز وطئهنَّ قبل نزول {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة 221] .

وقال الدَّاوُدِيُّ كانوا أهل كتاب فلم يحتج فيهنَّ إلى ذكر الإسلام، وقال ابن التِّينِ والظَّاهر هو الأول لقوله في بعض طرقه

ج 10 ص 420

(( فأصبنَا سبيًا من سبي العربِ ) ).

ثُمَّ نُقِلَ عن الشَّيخ أبي محمَّد أنَّه كان أَسَرَ من بني المصطلق أكثر من سبعمائة ومنهم جويرية بنت الحارث أعتقهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوَّجها، ولمَّا دخل بها سألته في الأُسَرَاء فوهبهم لها رضي الله عنها.

وقيل هذا السَّبي المذكور في الحديث كان من سَبي هَوَازن، وذلك يوم حنين سنة ثمان، قال مُوسى بن عُقْبَةَ عن ابنِ مُحَيْرِيز عن أبي سَعِيد قال أصبنَا سبيًا من سبي هَوَازن، وذلك يوم حُنَيْنٍ سنة ثمان.

قال القُرطُبيُّ وَهِم مُوسى بن عُقْبةً في ذلك، ورواه أبو إِسْحَاقَ السَّبيعي عن أبي الوَدَّاك عن أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه قال لمَّا أصبنَا سَبي حنين سألنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن العزلِ فقال (( ليس من كلِّ الماءَ يكون الولد ) ).

وروى مسلم من حديث ابنِ مُحَيْرِيز قال دخلتُ أنا وأبو الصِّرْمَةِ على أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، فسأله أبو الصِّرْمَةِ فقال يا أبا سَعِيد! هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر العَزْل؟ فقال نعم، غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة المُصْطَلِقِ فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا الغربة ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل فقلنا نفعل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا لا نسأله، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( لا عليكم أن لا تفعلوا ما كتب الله خَلْقَ نَسَمَةٍ هي كائنةٌ إلى يوم القيامة إلَّا ستكون ) ).

وقوله (( غزوة المُصْطَلِقِ ) )أي بني المُصْطَلِقِ، وهي غزوةُ المُرَيْسِيْعِ، قال القاضي قال أهل الحديث هذا أولى من حديث رواية مُوسى بن عُقْبَةَ أنَّه كان في غزوة أوطاس، وكانت غزوة بني المصطلق في سنة ستٍّ أو خمس أو أربع.

هذا وفي حديث النَّسائي سأل رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزلِ فقال إنَّ امرأتي مُرْضع وأنا أكره أن تحمل فقال صلى الله عليه وسلم (( ما قُدِّرَ في الرَّحم سيكون ) ).

وروى أبو دَاود من حديث جَابرٍ رضي الله عنه أنَّ رجلًا سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّ لي جاريةً أطوف عليها وأكره أن تحمل، فقال (( اعزل عنها إن شئت فإنَّه سيأتيها ما قُدِّرَ لها ) ).

وروى التِّرمذيُّ من حديث محمَّد بن عبد الرَّحمن بن ثَوْبَانَ

ج 10 ص 421

عنه قلنا يا رسول الله إنَّا كنا نعزلُ فزعمت اليهود أنَّها الموؤدة الصُّغرى فقال (( كذبتْ اليهود إنَّ الله إذا أراد أن يخلقه لم تمنعه ) )ففي الحديث إباحة العَزْل عن الأمة.

قال الرَّافعيُّ يجوز العزل عن الأمة قَطْعًَا، وفي «البحر» فيه وجهان وأمَّا الزَّوجة، فالأصح جوازه عند الشَّافعية ولكنَّه يكره، ومنهم من جوَّزه عند إذنها ومنعه عند عدمه، وهو مذهبُ الحنفيَّة أيضًا.

وذكر بعض العلماء أربعة أقول الجواز وعدمه. ومذهبُ مالك جوازُه في التَّسري، وفي الحرة موقوفٌ على إذنها وإذن سيِّدها إن كانت للغير.

ورابعها يجوز برضا الموطوءة كيف ما كانت.

وحجَّة مَنْ أجاز حديث جابر رضي الله عنه كنَّا نعزلُ والقرآن ينزلُ فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم ينهنا. وحجَّة من منع أنَّه صلى الله عليه وسلم لما سُئل عنه قال (( ذلك الوأدُ الخفيُّ ) ).

وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الولد يكون مع العَزْل، ولهذا صحَّح أصحابنا أنَّه لو قال وطئتُ وعزلتُ لحقه الولد على الأصح. وفيه أيضًا دَلالة على عدم جواز بيع أمِّهات الأولاد وهو حجَّة على داود وغيره ممَّن يُجَوِّزُ بيعهنَّ، والله أعلم.

والحديث أخرجه المؤلِّف في (( النكاح ) ) [خ¦5210] وفي (( القدر ) ) [خ¦6603] وفي (( المغازي ) ) [خ¦4138] وفي (( العتق ) ) [خ¦2542] ، وفي (( التوحيد ) )أيضًا [خ¦7409] .

وأخرجه مُسلم في (( النِّكاح ) )، وكذا أبو داود فيه، والنَّسائي في (( العتق ) )، وفي (( عُشْرة النِّساء ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت