2235 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ) بن مِهْرَان الحَرَّانِيُّ ثمَّ المِصْرِيُّ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبد القادر من القَارَّةِ، حليف بني زُهْرَةَ، وقد مرَّ في باب (( الخطبة على المنبر ) ) [خ¦917] (عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو) واسم أبي عَمرو مَيْسَرَةُ، وعَمرو يُكَنَّى أبا عثمان المَدَنيُّ، مات في أوَّل خلافة أبي جعفرٍ المنصورِ سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وقد مرَّ في باب (( الحرص على الحديث ) ) [خ¦99] .
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ) كانت غزوة خيبر سنة ست، وقيل سنة سبع (فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ) اسمه القَمْوص، وكان صلى الله عليه وسلم سبى صَفِيَّةَ وابنة عمٍّ لها من هذا الحصن.
(ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد المثناة التحتية، والصَّحيح أنَّ هذا كان اسمها زينب فسمِّيت صفيَّة بعد السَّبي (بِنْتِ حُيَيِّ) بضم الحاء المهملة وفتح المثناة التحتية الأولى وتشديد الثانية. قال الدَّارَقُطْنِيُّ المحدِّثون يقولون بكسر الحاء، وأهل اللغة بضمها.
(ابْنِ أَخْطَبَ) بالخاء المعجمة (وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا) وهو كنانةُ بن أبي الحَقِيْقِ، وكان زوجها أولًا سَلَامَ بنَ مُسلم،
ج 10 ص 427
وكان خمَّارًا في الجاهلية ثمَّ خلف عليها كنانة.
وكانت صَفِيَّةُ رضي الله عنها رأت في المنام قمرًا أقبل من يثرب ووقع في حِجْرها فقصَّت ذلك على زوجها فلطم وجهها، وقال أنت تزعمين أنَّ ملك يثرب يتزوَّجك، وفي لفظ تحبِّين أن يكون هذا الملك الذي يأتي من المدينة زوجك، وفي لفظ (( رأيت كأنِّي وهذا الذي يزعم أنَّ الله أرسله وملك يسترنا بجناحه ) )، وكان صلى الله عليه وسلم رأى بوجهها أثر خضرةٍ قريبًا من عينها، فقال (( ما هذا؟ ) )قالتْ يا رسول الله رأيتُ في المنام، فذكرت ما مضى ... إلى آخره، وهذه الخضرةُ من لطمة على وجهي.
وفي «الإكليل» للحاكم وجُوَيْرِيَّةَ رضي الله عنها رأت في المنام كرؤية صَفِيَّةَ قبل تزوُّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر ابن سَعْدٍ أنَّ أم حَبِيْبَةَ رضي الله عنها قالت رأيت في النَّوم كأنَّ آتيًا يقول يا أمَّ المؤمنين! ففزعت وأولت أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يتزوَّجني.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما رأت سَوْدة في المنام كأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقبل يمشي حتَّى وطء على عنقها، فقال زوجها إن صدقت رؤياك لتتزوَّجي به، ثمَّ رأت ليلة أخرى أنَّ قمرًا أبيض انقضَّ عليها من السَّماء وهي مضطجعة فأخبرت زوجها السَّكران فقال إن صدقتْ رؤياك لم ألبث إلَّا يسيرًا حتَّى أموت وتتزوجيه من بعدي، فاشتكى من يومه ذلك ولم يلبث إلَّا قليلًا حتَّى مات.
(وَكَانَتْ عَرُوسًا) العروسُ نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث، وعن الخَلِيْلِ رجلٌ عروس وامرأة عروس ونساء عرائس.
وقال ابنُ الأَثِيْرِ يقال للرَّجل عروس، كما يقال للمرأة، وهو اسمٌ لهما عند دخولِ أحدهما بالآخر، ويقال أعرس الرَّجل، وهو معرِّس إذا دخل بامرأته عند بنائها.
(فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي أخذها صفيًا، والصَّفيُّ سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المغنم كان يأخذه من الأصل قبل القسمةِ جارية أو سلاحًا، وقيل إنَّما سمِّيت صفيَّة بذلك؛ لأنَّها كانت صفيَّة من غنيمة خَيْبَرَ.
(لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا، حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ) السَّد _ بفتح السين المهملة وتشديد الدال
ج 10 ص 428
المهملة _ والرَّوحاء _ بفتح الراء وسكون الواو وبالحاء المهملة وبالمد _ موضعٌ قريب من المدينة.
وفي «المطالع» الرَّوحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلًا من المدينة، وفي مُسلم على ستة وثلاثين، وفي «كتاب ابن أبي شَيْبَةَ» على ثلاثين.
وقال الكرْمَانِيُّ وقيل والصَّواب الصَّهباء، بدل سد الرَّوحاء، وفي «المطالع» الصَّهباء من خَيْبَرَ على وجه.
(حَلَّتْ) أي صارت صَفِيَّةُ رضي الله عنها حلالًا له صلى الله عليه وسلم حيث حاضت فطهرت.
وقد روى البَيْهَقِيُّ بإسناد لَيِّنٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم استبرأ صفية بحيضة، وأمَّا ما رواه مسلم من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم ترك صفية عند أمِّ سَلَمَةَ حتَّى انقضت عدَّتها، فقد شكَّ حَمَّادٌ راويه عن ثَابِتٍ في رفعه، وفي ظاهره نظرٌ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم دخل بها منصرفه من خيبر بعد قتل زوجها بيسيرٍ، فلم يمض زمن يسع انقضاء العدَّة، ولا نقلوا أنَّها كانت فيحمل العدة على طهرها من الحيض.
والصَّريح في هذا الباب حديث أبي مَسعود رضي الله عنه مرفوعًا (( لا تُوْطَأُ حاملٌ حتَّى تضعَ ولا غير ذات حمل حتَّى تحيض بحيضةٍ ) )قاله في سبايا أَوْطَاسٍ، أخرجه أبو داود وغيره، وليس على شرط الصَّحيح.
(فَبَنَى بِهَا) أي دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن الأَثِيْرِ البناء والابتناء الدُّخول بالزَّوجة.
والأصل فيه أنَّ الرجل كان إذا تزوَّج امرأةً بنى عليها قبةً ليدخل بها فيها فيقال بنى الرَّجل على أهله، قال الجَوْهَرِيُّ لا يقال بنى بأهله.
(ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وفي آخره سين مهملة، وهو أخلاط من التَّمر والأقط والسَّمن، ويقال من التَّمر والسويق، ويقال من التَّمر والسَّمن.
وعن أبي الوَلِيْدِ وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم السَّمن والأقط والتَّمر، وفي لفظ التمر والسُّويق.
(فِي نِطَعٍ) بكسر النون وفتح الطاء على الأصح، وقال ابن التِّين يقال نِطعٌ _ بسكون الطاء وفتحها _ جلودٌ تُدْبَغُ، ويجمع بعضها على بعض ويُفرش.
(صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ) أي أعلمهم لإشهار النِّكاح، وهو أمرٌ من آذن يؤاذن إيذانًا، والخطاب لأنس رضي الله عنه (فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الوليمة هي الطَّعام الذي يُصْنَعُ عند العرس (عَلَى صَفِيَّةَ) رضي الله عنها (ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَوِّي) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء المهملة وتشديد الواو المكسورة، وهي رواية أبي ذرٍّ، وقول أهل اللغة، وفي رواية أبي الحسين بالتخفيف ثلاثيًا، وهو أن يدير كساءً فوق سنام البعير ثمَّ يركبه.
(لَهَا وَرَاءَهُ
ج 10 ص 429
بِعَبَاءَةٍ) والعباءة ممدودةٌ ضرب من الأكسية، وكذلك العباء، والمعنى يهيِّئ لها من ورائه بالعباءة مركبًا (ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ، حَتَّى تَرْكَبَ) قال الوَاقِدِيُّ كانت تعظم؛ أي تجعل رجلها على ركبته صلى الله عليه وسلم، فكانت تضع ركبتها على ركبته، ولمَّا أركبها على البعير وحجبها علم النَّاس أنَّها زوجته، وكانوا قبل ذلك لا يدرون أنَّه تزوجها أم اتَّخذ أم ولد.
وقال الجَاحِظُ في كتاب «الموالي» وَلَدَ صفيَّةَ مائةُ نبي ومائةُ ملك، ثمَّ صيَّرها الله تعالى أمة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت من سبط هارون عليه السَّلام.
وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سُليمان النَّوْقَانِيُّ في كتاب «المحنة» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أراد البناء بصفيَّة استأذنته عائشة رضي الله عنها أن تكون في المنتقبات فقال صلى الله عليه وسلم (( يا عائشة! إنَّك لو رأيتها اقشعرَّ جلدُك من حسنها ) )فلَّما رأتها حصل لها ذلك.
هذا وقيل حديث اصطفائه صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ يعارضه حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّها صارت لدِحْيَةَ فأخذها منه وأعطاه سبعة أرؤس، ويُرْوَى أنَّه أعطاه بنتي عمها عوضًا منها، ويروى أنَّه قال له خذ رأسًا آخر مكانها.
وأجيب بأنَّه لا معارضة؛ لأنَّه أخذها من دِحْيةً قبل القسمة، وما عوَّضه منها ليس على جهة البيع ولكن على جهة التَّنفيل أو الهبة، إلَّا أنَّ بعض رواة الحديث في الصَّحيح يقولون فيه أنَّه اشترى صَفِيَّةَ من دِحْيةً، وبعضهم يزيد فيه بعد القسمة، والله أعلم أيُّ ذلك كان.
وفي «حواشي السنن» الإمام إذا نفَّل ما لم يعلم بمقداره له استرجاعه والتَّعويض عنه، وليس له أن يأخذه بغير عوض، وإعطاؤه دِحْيةً كان برضاه فيكون معاوضةَ جاريةٍ بجاريةٍ.
فإن قيل الواهب منهيٌّ عن شراء هبته، فالجواب أنَّه لم يهبه من مال نفسه، وإنَّما أعطاه من مال الله عزَّ وجلَّ على جهة النَّظر كما يعطي الإمام النَّفل لأحدٍ من الجيش نظرًا.
ج 10 ص 430
وفي الحديث الاستبراء بأن لا يطأها حتَّى تحيض حيضةً إن لم تكن حاملًا؛ لأنَّ الحامل لا توطأ حتَّى تضع لئلا يسقي ماؤه زرع غيره.
وأجمع الفقهاء على أنَّ حيضة واحدة براءة الرحم إلَّا أنَّ مالكًا واللَّيث قالا إن اشتراها في أوَّل حيضها اعتدَّ بها، وإن كان في آخرها لم يعتدَّ بها.
وقال ابن المُسَيَّبِ حيضتان، وقال ابنُ سِيْرِيَنَ ثلاث حيض، واختلف إذا أمن فيها الحمل فقال مالكٌ يستبرئ، وقال المُطْرِفٌ وابنُ المَاجِشُونَ لا، واختلفوا في قُبلة الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء فأجاز ذلك الحَسَن البَصْرِيُّ وعِكْرِمَةُ، وبه قال أبو ثَوْرٍ وكرهه ابنُ سِيْرِيْنَ، وهو قول مالكٍ واللَّيث وأبي حنيفةَ والشَّافعي ووجهه قطع الذَّريعة وحفظ الإنسان نفسه.
وحجَّة المجيزين قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تُوْطَأُ حاملٌ حتَّى تضعَ، ولا حائض حتَّى تطهر ) )فيدلُّ هذا على أنَّ ما دون الوَطْءِ من المباشرة والقُبلة في حَيِّزِ المباح، وسفره صلى الله عليه وسلم بصفية قبل أن يستبرئها حجَّة في ذلك؛ لأنَّه لو لم يحلَّ لها من مباشرتها ما دون الجماع لم يسافر بها مع أنَّه لا بدَّ أن يرفعها أو ينزلها. وكان صلى الله عليه وسلم لا يمسُّ بيد امرأة لا تحل له. ومن هذا اختلافهم في مباشرة المظاهرة وقُبلتها.
فذهب الزُّهْرِيُّ والنَّخَعِيُّ ومالكٌ وأبو حنيفةَ والشَّافعيُّ إلى أنَّه لا يقبِّلها ولا يتلذَّذ منها بشيءٍ، وقال الحَسَنُ البَصْرِيُّ لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع، وهو قول الثَّوريِّ والأَوْزَاعِيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَوْرٍ، ولذلك فسَّر عَطَاءٌ وقَتَادَةُ والزُّهريُّ قوله تعالى {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة 3] بأنَّه عنى بالمسيس الجماع في هذه الآية.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، فإنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا اصطفى صَفِيَّةَ رضي الله عنها استبرأها بحيضة، ثمَّ بنى بها كما يفهم من قوله (( حلَّت ) )فإنَّ معناه طهرت من حيضها، كما مرَّ.
وقد أخرجه المؤلِّف في (( المغازي ) ) [خ¦4084] و (( الجهاد ) ) [خ¦2889] و (( الأطعمة ) ) [خ¦5387] و (( الدعوات ) )أيضًا [خ¦6363] ، وأخرجه أبو داود في (( الخَرَاج ) ).