19 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميم واللام وسكون السين المهملة، ابن قَعنب أبو عبد الرَّحمن القَعنبي الحارثي البصري، كان مجاب الدَّعوة. روى عن مالك واللَّيث بن سعد ومخرمة بن بكر وابن أبي ذئب. وسمع من أحاديث شعبة حديثًا واحدًا.
أجمع العلماء على توثيقه وجلالته وعلمه وعمله، وأنَّه حجَّة ثبت.
روي أنَّ رجلًا جاء إلى الإمام مالك، فقال قدِم القعنبي فقال قوموا بنا إلى خير أهل الأرض.
وقيل للقعنبيِّ حدَّثتَ! ولم تكن تحدث؟ قال رأيت كأنَّ
ج 1 ص 213
القيامة قد قامت، فصيح يا أهل العلم، فقاموا فقمت معهم، فصِيحَ بي اجلس، فقلت إلهي ألم أكن معهم أطلب؟ قال بلى، ولكنَّهم نشروا، وأخفيته، فحدَّثتُ.
روى عنه البخاري ومسلم، وروى الترمذي والنَّسائي عن رجل عنه، وروى مسلم عن عبد بن حميد عنه حديثًا واحدًا في الأطعمة.
سكن البصرة وأقام مدة بالمدينة، ومات بمكة، وكان مجاورًا بها في المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين.
(عَنْ مَالِكٍ) أي ابن أنس، إمام دار الهجرة (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث (بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ) بفتح الصادين المهملتين الأنصاري المازني المدني، ذكره ابن حبَّان في (( الثقات ) )مات سنة تسع وثلاثين ومائة، روى له البخاري والنسائي وابن ماجه (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، وثقه النَّسائي وابن حبَّان.
وروى له البخاري وأبو داود، وكان الحارث جده شهد أحدًا، وقُتل يوم اليمامة شهيدًا مع خالد بن الوليد رضي الله عنه، وأبوه أبو صعصعة عمرو بن زيد ابن عوف، قتله في الجاهلية بردع بن زيد بن عامر، ثم أسلم بردع وشهدا أحدًا.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) سعد بن مالك بن سنان الخزرجيِّ الأنصاري (الْخُدْرِيِّ) بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة نسبة إلى خُدرة أحد أجداده، أو إحدى جدَّاته، وخُدرة بطن من الأنصار استشهد أبوه يوم أحد، وكان يومئذٍ صغيرًا، وغزا بعد ذلك ثنتي عشرة غزوة مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، روى عن جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة.
وروى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وخلق من التابعين. روي له عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ألف مائة وسبعون حديثًا، اتَّفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين.
روى حنظلة بن أبي سفيان عن أشياخه لم يكن في أحداث الصَّحابة أفقه من أبي سعيد، توفِّي بالمدينة، ودفن بالبقيع سنة أربع وستين أو أربع وسبعين.
ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ رجاله كلهم مدنيون. ومنها أنَّ فيه تحديثًا واحدًا والباقي عنعنة. ومنها أنَّ فيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ.
وقد أخرجه المؤلِّف أيضًا في (( الفتن ) ) [خ¦7088] و (( الرِّقاق ) ) [خ¦6495] و (( علامات النبوَّة ) ) [خ¦3600] ، وأخرجه أبو داود والنسائي.
(أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم يُوشِكُ) بكسر المعجمة؛ أي يقرب، ويقال في ماضيه أوشك، ومن أنكر استعماله ماضيًا فقد غلِط.
قال الجوهريُّ أوشك فلان يوشك إيشاكًا؛ أي أسرع، والعامة تقول يوشَك _ بفتح الشين _ وهو لغة ردية.
هذا وقد وضع لدنو الخبر أخذًا فيه وهو مثل كاد وعسى في الاستعمال، فيجوز يوشك زيد يجيء وأن يجيء، ويوشك أن يجيء زيد
ج 1 ص 214
على الأوجه الثلاثة. والحديث من قبيل الوجه الأخير حيث أسند يوشك إلى أن والفعل المضارع، فسدَّ ذلك مسدَّ اسمه وخبره.
ومثله قول الشاعر
~يوشِكُ أن تبلغَ مُنتهى الأجلِ فالبر لازمٌ برجاءٍ ووَجل
(أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) رُوي (( خيرُ ) )بالرفع على أنه اسم يكون، وحينئذٍ يكون غنمًا خبره، وروي بالنصب أيضًا على أن (( يكون ) )خبر يكون، وحينئذٍ يكون قوله (( غنمٌ ) )، بالرفع اسمه، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، وحينئذٍ يقدَّر في (( يكون ) )ضمير الشأن، لكن لم تجيء به الرِّواية عن المشايخ ولا يضرُّ كونه نكرة؛ لأنَّه وصف بقوله (يَتَّبَعُ) بتشديد التاء، ويجوز إسكانها (بِهَا) أي بالغنم، وهي اسم مؤنَّث موضوع للجنس يقع على الذُّكور والإناث جميعًا ووحدها، فإذا صغَّرتها ألحقتَها الهاء فقلت غُنيمة؛ لأنَّ أسماء الجموع الَّتي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتَّأنيث لازم لها (شَعَفَ) بالمعجمة والمهملة، جمع شَعَفة _ بالفتحات _ رأس الجبل. وعن ابن قتيبة شعفة كلُّ شيءٍ أعلاه؛ أي رؤوس.
(الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ) جمع موقِع _ بكسر القاف _ (الْقَطْرِ) أي المطر؛ أي ومواضع نزول المطر من الأودية والصَّحارى حال كونه [1] (يَفِرُّ) أي يهرب (بِدِينِهِ) أي بسبب دينه، أو مع دينه (مِنَ الْفِتَنِ) (( من ) )ابتدائيَّة. و (( الفتن ) )جمع فتنة، وأصلها الاختبار. يقال فتنت الفضَّة على النَّار، إذا خلصتها، ثم استعملت فيما أخرجه الاختبار من الغلِّ والغش من المكروه وكثر استعمالها في أبواب المكروه من الكفر كقوله تعالى {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة 217] على تفسير، ومن الإثم كقوله تعالى {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} [التوبة 49] ومن جملة الإثم البغي في الأرض، وفساد ذات البين.
واعلم أنَّه قَيَّد بالغنم؛ لأنَّ هذا النوع من المال نموُّه وزيادته أبعد من الشَّوائب المحرَّمة كالربا والشبهات المكروهة، وخصَّت الغنم بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة، وقد رعاها الأنبياء عليهم السلام مع أنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة المنفعة، وقَيَّد الاتباع بالمواضع الخالية من ازدحام الناس مثل رؤوس الجبال؛ لأنَّها أسلم غالبًا عن المقاولات المؤدِّية إلى الكدورات، وقَيَّد الاتباع بقوله يفرُّ بدينه. .. إلى آخره؛ للإشعار بأنَّ هذا الاتباع ينبغي أن يكون استعظامًا للدين وطلبًا للسلامة لا لأمر دنيوي مثل كثرة العلف، وقلة أطماع الناس فيه.
فإن قيل
ج 1 ص 215
كيف يجمع بين مقتضى هذا الحديث من اختيار العزلة، وبين ما ندب إليه الشارع من اختلاط أهل المحِلَّة لإقامة الجماعة، وأهل البلدة للجمعة، وأهل السواد مع أهل البلدة للعيد، وأهل الآفاق لوقوف عرفة، وفي الجملة اهتمام الشَّارع بالاجتماع معلوم. ولهذا قال الفقهاء يجوز نقل اللَّقيط من البادية إلى القرية، ومن القرية إلى البلدة لا عكسهما. ولا شك أنَّ الإنسان مدني الطبع محتاج إلى السَّواد الأعظم، وكمال الإنسانية لا يحصل إلَّا بالتمدن؟
أُجيب بأن ذلك عند عدم الفتنة وعدم الوقوع في المعاصي وعند الاجتماع بالجلساء الصُّلحاء وأما اتباع الشَّعَف والمقاطر وطلب الخلوة والانقطاع إنما هو في أضداد هذه الحالات.
قال النَّووي وفي الحديث فوائد
منها فضل العزلة في أيَّام الفتن إلا أن يكون الإنسان ممَّن له قدرة على إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها إما فرض عين، وإما فرض كفاية بحسب الحال والإمكان.
وأمَّا في غير أيام الفتنة فاختلف العلماء في العُزلة والاختلاط أيهما أفضل؟ فذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة؛ لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود شعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم، ولو بعيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحسين الخُلُق بحلم واحتمال وتواضع، والتَّعاون على البر والتَّقوى وإعانة المحتاج وحضور الجمعة والجماعات، وغير ذلك ممَّا يقدر عليه كلُّ أحد فإن كان صاحب علم أو زهد تأكَّد فضل اختلاطه.
وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة؛ لما فيها من السلامة المحققة، لكن بشرط أن يكون عارفًا بوظائف العبادة التي تلزمه وتجب عليه وما كُلِّف به. قال النووي والمختار تفضيلُ الخلطة لمن لا يغلب على ظنِّه الوقوع في المعاصي. وقال الكرماني المختار في عصرنا تفضيل الانعزال؛ لندور خلو المحافل عن المعاصي. قال محمود العيني وأنا موافق له فيما قال، فإن الاختلاط مع الناس في هذا الزَّمان لا يجلب إلَّا الشرور.
ومن الفوائد الحديثية الاحتراز عن الفتن، وقد خرجت جماعة من السلف عن أوطانهم وتغرَّبوا؛ خوفًا من الفتنة. وقد خرج سلمة بن الأكوع إلى الرَّبذة في فتنة عثمان رضي الله عنه.
ومنها أنَّ فيه دَلالة على فضيلة الغنم واقتنائها على ما سبقَ. ومنها الإخبار بأنَّه يكون في آخر الزمان فتن وفساد بين الناس، فهو يكون من جملة معجزاته صلَّى الله عليه وسلم.
ج 1 ص 216
[1] في هامش الأصل أي حال كون المسلم على أن يكون حالًا من ضمير يتبع أو لفظ المسلم المضاف إليه فيكون من قبيل قوله تعالى {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل 123] ووقوع الحال من المضاف إليه إنما يجوز إذا كان المضاف جزءً من المضاف إليه كما في قولك رأيت وجه هند قائمة، والملة والمال وإن لم يكونا جزء من المضاف إليه لكنهما لشدة ملابستهما به كأنها جزء منه. منه.