فهرس الكتاب

الصفحة 3515 من 11127

2257 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) أي ابنُ مُسَرْهَدٍ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابن زِيَادٍ، قال (حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ رَاشِدِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مُسْلِمٍ بنِ شِهَابٍ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنهما أنَّه (قَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ) فيه إشعارٌ بأنه لا بدَّ أن يكون قابلًا للقسمة فلا يصحُّ في الحمام الصغير مثلًا (فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) أي بُيِّنَتْ مصارفُ الطُّرق وشوارعها كأنَّه من التَّصرف أو من التَّصريف. وقال ابن مَالِكٍ معناه خلصت وبانت، وهو مشتقٌّ من الصِّرف _ بكسر المهملة _ وهو الخالصُ من كل شيءٍ.

(فَلاَ شُفْعَةَ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، وقد مضى في كتاب (( البيوع ) )، في باب (( بيع الشَّريك من شريكه ) ) [خ¦2213] . قال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ وهذا الحديث أصلٌ في ثبوت الشفعة.

وقد أخرجه مُسلمٌ من طريق أبي الزُّبَيْرِ عن جَابِر رضي الله عنه بلفظ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كلِّ شرك لم يُقْسَمْ رَبْعة أو حائط لا يحلُّ له أن يبيع حتَّى يُؤْذِنَ شريكَه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يُؤْذِنْهُ فهو أحقُّ به.

قالوا الأشياء ثلاثة أقسامٍ ما يثبت فيه الشُّفعة متبوعًا كالأرض، وما تَثبت فيه تابعًا كالنَّخل الذي فيها، وما لا تثبت فيه لا تابعًا ولا متبوعًا كالطَّعام.

وقد تضمَّن هذا الحديث ثبوت الشُّفعة في المشاع، وصدره يُشْعِرُ بثبوتها في المنقولات، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار وما فيه من العقار، وقد أخذ بعمومها في كلِّ شيءٍ مَالِكٌ في رواية، وهو قول عَطَاءٍ.

وعن أَحْمَدَ تثبت في الحيوانات دون غيرها من المنقولات، وروى البَيْهَقِيُّ من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا (( الشفعة في كلِّ شيءٍ ) )، ورجاله ثقاتٌ إلَّا أنه أعلَّ بالإرسال.

وأخرج الطَّحَاوِيُّ له شاهدًا من حديث جَابِرٍ رضي الله عنه بإسنادٍ لا بأس برواته، وقال القاضي عِياَضٌ لو اقتصر في الحديث على القطعة الأولى لكانت فيه دلالةٌ على سقوط شفعة الجوار، ولكن أضاف إليها صرف الطُّرق والمترتب على أمرين لا يلزم منه ترتبه على أحدهما. واسْتُدِلَّ به على عدم دخول الشُّفعة فيما لا يقبل القسمة كما تقدَّمت الإشارة إليه، وعلى ثبوتها لكلِّ شريكٍ، وعن أحمدَ لا شفعة لذميٍّ، وعن الشَّعْبِيُّ لا شفعة لمن لم يسكن المصر.

ثمَّ إنَّه قد قال الكرْمَانِيُّ نقلًا عن التَّيْمِيِّ قال الشَّافعيُّ الشُّفعة إنَّما هي للشَّريك وأبو حنيفة للجار، وهذا الحديث حجَّة عليه بالبداية

ج 10 ص 465

وهي أنَّ الشُّفعة فيما لا يقسم وبالنَّهاية وهي أنَّه قال إذا وقعت الحدود، انتهى.

وتعقَّبه العَيْنِيُّ بأنَّ هذا كلامٌ عجيبٌ فإنَّ أبا حنيفة رحمه الله لم يقل الشُّفعة للجار على الخصوص بل قال الشفعة للشَّريك في نفس البيع، ثمَّ في حقِّ المبيع ثمَّ من بعدهما للجار، وكيف يقول وهو حجَّة عليه، وإنَّما يكون حجَّةً عليه إذا ترك العمل به، وهو قد عمل به أولًا ثمَّ عمل بحديث الجار ولم يهمل واحدًا منهما وهم عملوا بأحدهما وأهملوا الآخر بتأويلاتٍ بعيدةٍ فاسدةٍ وهي قولهم أمَّا حديث (( الجار أحقُّ بصقبه ) )فلا دَلالة فيه إذ لم يقل أحقُّ بشفعته، بل قال أحق بصقبه، وهو يحتمل أن يُرَادَ منه ما يليه ويقرب منه؛ أي أحقُّ بأن يتعهَّد ويتصدَّق عليه أو يُرَادُ بالجار الشَّريك. وهذه مكابرةٌ وعناد من أريحيَّة التَّعصب، وكيف يقول إذ لم يقل أحق بشفعته، وقد وقع في بعض ألفاظ أحمدَ والطَّبَرَانِيِّ وابنِ أبي شَيْبَةَ (( جار الدَّار أحقُّ بشفعة الدَّار ) )وكيف يقبل هذا التَّأويل الصَّارف عن المعنى الوارد في الشُّفعة، ويصرف إلى معنى لا يدلُّ عليه اللفظ؟

ويردُّ هذا التَّأويل أيضًا ما رواه أحمدُ وأبو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ من حديث الحَسَن عن سَمُرَةَ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( جار الدَّار أحقُّ بالدَّار ) )، ذكره التِّرْمِذِيُّ في باب (( ما جاء في الشُّفعة ) )، وقال حديث حَسَنٌ، ثمَّ قال وروى عِيْسَى بنُ يُوْنُسَ عن سَعِيد بن أبي عَرُوْبَةَ عن قَتَادةً عن أَنَسٍ رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مثله.

ورُوِيَ عن سَعِيد بن أبي عَرُوْبَةَ عن قَتَادَةَ عن الحَسَنِ عن سَمُرَةَ رضي الله عنه ولا يعرف حديث قَتَادَةَ عن أَنَس ٍإلَّا من حديث عِيسى بن يُونس، وروى إِبراهيمُ بن مَيْسَرَةَ عن عَمرِو بنِ الشَّرِيْدِ عن أبي رَافِعِ سمعت محمدًا يقول كلا الحديثين عندي صحيحٌ.

وقال الكرْمَانِيُّ بعد أن قال يُرَادُ بالجار الشَّريك، ويجب الحمل عليه جمعًا بين مقتضَى الحديثين مع أنَّ الحديث متروك الظَّاهر؛ لأنَّه يستلزم أن يكون الجار أحقُّ من الشَّريك، وهو خلافُ حكم الشُّفعة ومذهب الحنفيَّة انتهى.

وتعقَّبه العَيْنِيُّ أيضًا بأنَّه لم يكتف بصرف معنى الجار عن معناه الأصليِّ إلى الشَّريك حتَّى حكم بوجوب ذلك، وذلك يدلُّ على أنَّه لم يطلع

ج 10 ص 466

على ما ورد في هذا الباب من الأحاديث الدَّالة بثبوت الشُّفعة للجار بعد الشَّريك. فإن قيل قال ابنُ حِبَّانَ الحديث ورد في الجار الذي يكون شريكًا دون الجار الذي ليس بشريكٍ، يدلُّ عليه ما أُسْنِدَ عن عَمرو بن الشَّرِيْدِ قال كنت مع سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ والمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ، فجاء أبو رَافِعٍ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لسَعْدِ بنِ مالكٍ اشتر مني بيتي الذي في دارك فقال لا إلَّا بأربعة آلاف منجمة، فقال أما والله لولا أنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( الجار أحقُّ بسقبه ) )ما بعتكها، وقد أُعْطِيْتُهَا بخمسمائة دينار.

فالجواب أنَّ هذا معارضٌ بما أخرجه النَّسَائِيُّ وابنُ مَاجَهْ عن حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ عن عَمرِو بن شُعَيْبٍ عن عَمرِو بن الشَّرِيْدِ عن أبيه أنَّ رجلًا قال يا رسول الله! أرضي ليس فيها لأحدٍ شرك ولا قسم إلَّا الجوار فقال (( الجار أحقُّ بصقبه ) ).

والصَّقب _ بالصاد _ ما قرب من الدَّار، ويقال السَّقب بالسين أيضًا، وقال ابنُ دُرَيْدٍ سَقِبت الدَّار سُقُوبًا وأسقبت، لغتان فصيحتان؛ أي قَرُبت، وأبياتهم مُتَساقبة؛ أي متدانية، وفي «الجامع» هو بالصاد أكثر، وفي «المنتهى» الصَّقَب _ بالتحريك _ القرب، يقال هذا أصقب الموضعين إليك؛ أي أقربهما، وفي «الزاهر» للأَنْبَارِيِّ الصَّقب الملاصقة، كأنهَّ أراد ما يليه وما يقرب منه هذا.

تتمة قد اخْتُلِفَ على الزُّهْرِيِّ في هذا الإسناد فقال مَالِكٌ عنه عن أبي سَلَمَةَ وابن المُسَيَّبِ مرسلًا كذا رواه الشَّافعيُّ وغيرُه، ورواه أبو عاصم والمَاجِشُونُ عنه، فوصله بذكر أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه البَيْهَقِيُّ. ورواه ابنُ جُرَيْجٍ عن الزُّهْرِيِّ كذلك لكن قال عنهما أو عن أحدهما، أخرجه أبو دَاود، والمحفوظ روايته عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ رضي الله عنه موصولًا، وعن ابنِ المُسَيَّبِ عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وما سوى ذلك شذوذ ممَّن رواه. ويقوي طريقه عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِرٍ رضي الله عنه متابعة يَحْيَى بنُ أبي كَثِيْرٍ له عن أبي سَلَمَةَ عن جَابِر رضي الله عنه، ثمَّ ساقه كذلك.

ثمَّ إنَّه قد حكى ابنُ أبي حَاتِمٍ عن أبيه أنَّ قوله فإذا وقعت الحدود إلى آخره مدرجٌ من كلام جَابِر رضي الله عنه.

وقال الحافظُ العَسْقَلَانِيُّ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الأصل

ج 10 ص 467

أنَّ كلَّ ما ذُكِرَ في الحديث فهو منه حتَّى يثبت الإدراج بدليل. وتعقَّبه العَيْنِيُّ بأنَّ قوله كلُّ ما ذُكِرَ ... إلى آخره، غير مُسَلَّمٍ؛ لأنَّ أشياء كثيرة تقع في أثناء الحديث وليست منه، وأبو حَاتِمٍ إمام في هذا الفنِّ فلو لم يثبت عنده الإدراج فيه لَمَا أقدم على هذا الحكم، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت