2271 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ) بن كريب الهمدانيُّ الكوفيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ بُرَيْدٍ) بالموحدة على صيغة التَّصغير (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) عامر (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا) قال العينيُّ تبعًا للحافظ العسقلاني هو من باب القلب،
ج 10 ص 503
والتَّقدير كمثل قومٍ استأجرهم رجلٌ أو هو من باب التَّشبيه بالمركب.
(يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ) هذا مغايرٌ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأنَّ فيه أنَّه استأجرهم على أن يعملوا إلى نصف النَّهار، وقد تقدَّم ذكر التَّوفيق بينهما في (( المواقيت ) )في باب (( مَنْ أدرك ركعةً مِن العصر ) ) [خ¦557] بأنَّ ذلك بالنِّسبة إلى مَنْ عجز عن الإيمان بالموت قبل ظهور دينٍ آخر، وهذا بالنِّسبة إلى من أدرك دين الإسلام ولم يؤمن، ومن جملة الأجوبة في ذلك أنَّهما حديثان سيقا في قصَّتين.
نعم قد وقع في رواية سالم بن عبد الله بن عُمر عن أبيه رضي الله عنهما الماضية في (( المواقيت ) )الآتية في (( التَّوحيد ) ) [خ¦7467] [خ¦7533] ما يوافق رواية أبي موسى فرجَّحها الخطَّابي على رواية نافع وعبد الله بن دينار، لكن يحتمل أن تكون القصَّتان جميعًا كانتا عند ابن عمر رضي الله عنهما فحدَّث بهما في وقتين، وجمع بينهما ابن التِّين باحتمال أن يكونوا غلطوا أولًا فقالوا ما قالوا إشارة إلى طلب الزِّيادة فلما لم يعطوا قدرًا زائدًا تركوا فقالوا ما عملنا باطلٌ، انتهى.
وفيه مع بعده مخالفة لصريح ما وقع في رواية الزُّهري في المواقيت [خ¦557] وفي (( التَّوحيد ) ) [خ¦7467] ففيها قالوا (( ربنا أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا ) )، ونحن كنَّا أكثر عملًا ففيه التَّصريح بأنَّهم أُعْطُوا ذلك إلَّا أن يُحْمَل قولُهم أعطيتنا؛ أي أمرت لنا أو وعدتنا، ولا يستلزم ذلك أنَّهم أخذوه، ولا يخفى أنَّ الجمع بكونهما قصَّتين أوضح.
(عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا لاَ حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ لاَ تَفْعَلُوا) أي إبطال العمل وترك الأجر المشروط (أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ، وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا) أي امتنعوا (وَتَرَكُوا) وظاهر المثل أنَّ الله تعالى قال لليهود آمنوا بي وبرسلي إلى يوم القيامة، فآمنوا بموسى عليه السَّلام إلى أن بعثَ عيسى عليه السَّلام فكفروا به، وذلك في قدرِ نصف المدَّة التي بعث موسى عليه السَّلام إلى قيام السَّاعة فقولهم لا حاجة لنا إشارة إلى أنَّهم كفروا وتولوا، واستغنى الله عنهم.
وهذا
ج 10 ص 504
من إطلاق القول وإرادة لازمه؛ لأنَّ لازمه ترك العمل المُعَبَّر به عن ترك الإيمان، وقولهم وما عملنا باطلٌ إشارة إلى إحباط عملهم بكفرهم بعيسى عليه السَّلام إذ لا ينفعهم الإيمان بموسى عليه السَّلام وحده بعد بعثه عيسى عليه السَّلام، وكذلك القول في النَّصارى إلَّا أنَّ فيه إشارة إلى أنَّ مدَّتهم كانت قدر نصف المدة فاقتصروا على نحو الرُّبع من جميع النَّهار. فإن قيل المفهوم من ذلك أنَّ أهل الكتابين لم يأخذوا شيئًا، ومن السَّابق أنَّهم أخذوا قيراطًا قيراطًا.
فالجواب أنَّ الآخذين هم الذين ماتوا قبل النَّسخ، والتَّاركين هم الذين كفروا بالنَّبي الذي بعد نبيهم.
(وَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ) أي قومًا آخرين (بَعْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُمَا أَكْمِلُو بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هَذَا، وَلَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ) وفي رواية الإسماعيليِّ (( الذي شرطت لهؤلاء ) )يعني الذين قبلهم (مِنَ الأَجْرِ، فَعَمِلُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلاَةِ الْعَصْرِ) هو بنصب حين ويجوز الرفع أمَّا النصب فعلى الظَّرفية أو على أنَّه خبر كان؛ أي إذا كان الوقت حين صلاة العصر، وأمَّا الرَّفع فعلى أنَّه فاعل كان التَّامة.
(قَال لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ لَهُمَا أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُم، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ) أي بالنِّسبة إلى ما مضى، والمراد ما بقي من الدُّنيا (فَأَبَيَا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، واسْتَكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا) بإيمانهم بالأنبياء الثَّلاثة عليهم السَّلام، وقوله (( كليهما ) )كذا وقع في رواية أبي ذَرٍّ وغيره.
وحكى ابن التِّين أنَّ في روايته كلاهما بالرفع وخطَّأه، وليس كما زعم بل له وجهٌ وهو أنَّ لفظ كلاهما بالألف على لغة من يجعل المثنى في الأحوال الثَّلاث بالألف.
(فَذلِكَ مَثَلُهُمْ) أي مثل المسلمين (ومَثَلُ ما قَبِلوُا مِنْ هَذَا النُّورِ) أي نور الهداية إلى الحقِّ، وفي رواية الإسماعيليِّ (( فذلك مثل المسلمين الذين قبلوا
ج 10 ص 505
هدى الله وما جاء به رسوله، ومثل اليهود والنَّصارى الذين تركوا ما أمرهم الله به )) .
والمقصود من التَّمثيلين أمَّا من الأول فبيان أنَّ أعمال هذه الأمة أكثر ثوابًا من أعمال سائر الأمم. وأمَّا من الثَّاني فبيان أن الذين لم يؤمنوا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم أعمالهم السَّالفة على دينهم لا ثواب لها.
واستدلَّ به على أنَّ بقاء هذه الأمة يزيد على الألف؛ لأنَّه يقتضي أنَّ مدَّة اليهود نظير مدتي النَّصارى والمسلمين، وقد اتَّفق أهل النَّقل على أنَّ مدَّة اليهود إلى بعثة النَّبي صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من ألفي سنة، ومدَّة النَّصارى من ذلك ستمائة سنة، وقيل أقل فتكون مدَّة المسلمين أكثر من ألف قطعًا.
هذا وتعقَّبه العَيْنِيُّ بأنَّه قد صحَّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من طرق صحاح أنَّه قال الدُّنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الآخر منها، وقد مضت منه سنون أو مئون.
ثم إنَّه قد تضمَّن هذا الحديث الإشارة إلى قصر المدة التي بقيت من الدُّنيا، وسيأتي الكلام عليه في قوله (( بعثت أنا والسَّاعة كهاتين ) )إن شاء الله تعالى، وتضمَّن الحديث أيضًا أنَّ أجر النَّصارى كان أكثر من أجر اليهود؛ لأنَّ اليهود عملوا نصف النهار بقيراط، والنَّصارى نحو ربع النَّهار بقيراط.
ولعلَّ ذلك باعتبار ما حصل لمن آمن من النَّصارى بموسى وعيسى عليهما السَّلام فحصل لهم تضعيف الأجر؛ بخلاف اليهود فإنَّهم لما بعث عيسى عليه السَّلام كفروا به.
وفي الحديث تفضيل هذه الأمة وتوفير أجرها مع قلَّة عملها لإيمانهم بالأنبياء عليهم الصلاة والسَّلام. وفيه جواز استدامة صلاة العصر إلى مغيب الشَّمس، وفي قوله فإنَّما بقي من النَّهار شيءٌ يسير إشارة إلى قصر مدَّة المسلمين بالنَّسبة إلى مدَّة غيرهم، والله أعلم.