2272 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحَكَم بن نافع الحِمصيُّ، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) أي ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مُسلم بن شِهَاب، أنَّه قال (حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ) الرَّهط من الرِّجال ما دون العشرة، وقيل إلى الأربعين ولا يكون فيهم امرأةٌ ولا واحدَ له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط، وأراهط جمع الجمع.
(مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَتَّى أَوَوُا) يقال أوى فلان إلى منزله يأوي أويًا على وزن فعول، وقال ابن زيد فعلت وأفعلت بمعنى، يعني أنَّ أوى بالقصر، وآوى بالمد سواء.
(الْمَبِيتَ) أي موضع البيتوتة (إِلَى غَارٍ) وهو الكهفُ في الجبل (فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ) أي هبطتْ ونزلت من فوق (عَلَيْهِم صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ) بضم الياء من الإنجاء _ بالجيم _ وهو التَّلخيص (مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا) بسكون الواو؛ لأنَّه جمع (اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ) من الغَبوق _ بفتح الغين المعجمة وبالموحدة وآخره قاف _ وهو شرب العشيِّ، وضبطوا لا أَغبُق _ بفتح الهمزة وضم الموحدة _ من الثلاثي إلَّا الأَصِيلي فإنَّه ضبطه بضمها وكسر الموحدة من الرباعي وخطَّأه فيه، وقال صاحب «الأفعال» يقال غبقت الرَّجل ولا يقال أغبقته، والغبوق شرب آخر النَّهار مقابل الصَّبوح واسم الشَّراب الغبق.
(قَبْلَهُمَا أَهْلًا) الأهل الزَّوجات والأولاد (وَلاَ مَالًا) أي ولا مملوكًا، وقال الدَّاوُدِيُّ المال الدَّواب أيضًا، وقال ابن التِّين وليس للدَّواب هنا معنىً
ج 10 ص 507
يُذْكَر بي (فَنَاء بِي) بمد بعد النون، بوزن جاء في رواية كَريمة والأَصِيلي، وفي رواية غيرهما بفتح النون والهمزة مقصورًا على وزن سعى؛ أي بَعُدَ، وبهما قُرِئَ، وقيل الأول على القلب، وأصل هذه المادة من النَّأْي _ بفتح النون وسكون الهمزة _ بمعنى البعد يقال نأى بي طلب شيء؛ أي بَعُدَ.
(فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ) بضم الهمزة وكسر الراء؛ أي لم أرجع، من الرَّواح (عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا) أي على أبويَّ حتى أخذهما النَّوم (فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا) أي ما كان معدًّا للغبوق وإلا فهو صبوح؛ لأنَّه شرب في وقت الصَّباح، كما سيجيء.
(فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ) جملة حالية (أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ) أي ظهر الضِّياء (فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَأفرجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ) منه.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا) أي بسبب نفسها وعن جهتها، وفي بعض النُّسخ أي مستعليًا عليها.
(فَامْتَنَعَتْ مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّتْ) أي نزلت (بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ) أي من سني القحط فأحوجتها (فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ) أي عشرين دينار أو مائة دينار، فحذف مميز الأول بقرينة الثاني. ووقع في كتاب (( البيوع ) )، في باب (( إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه ) ) [خ¦2215] مائة دينارٍ لكن التَّخصيص بالعدد لا ينافي الزِّيادة والمائة كانت بالتماسها والعشرون تبرع منه كرامة لها.
(عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ) أي مكَّنتني من نفسها (حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ لاَ أُحِلُّ لَكَ) بضم الهمزة، من الإحلال (أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ) كناية عن إزالة البكارة، يقال فضَّ الخاتم والختم، إذا كسره وفتحه (إِلاَّ بِحَقِّهِ) أي على وجه الحلال (فَتَحَرَّجْتُ) يقال تحرَّج فلان إذا فعل فعلًا
ج 10 ص 508
يخرج به من الحرج وهو الإثم والضِّيق.
(مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا) وفي رواية أبي ذَرٍّ والذهب يذكر ويؤنث؛ أي لم أستردَّها منها (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ) بوصل الهمزة وضم الراء أو بقطع الهمزة وكسر الراء، فالأوَّل من الفرَج، والثَّاني من الإفراج (عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ) وفي نسخة (الْخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ) بضم الهمزة وفتح الجيم وبالمد، جمع أجير (فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ واحِدِ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ، فَثَمَّرتُ) من التَّثمير؛ أي كثرت (أَجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فقال يَا عَبْدَ اللهِ أَدِّ) بفتح الهمزة، أمرٌ من التَّأدية (إِلَيَّ) بفتح الياء (أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ كلُّ مَا تَرَى) مبتدأ وخبره قوله (مِنْ أَجْرِكَ) وقوله (مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ) بيانٌ لما ترى، وهنا زاد الإبل والغنم، وهناك بقرًا وراعيها ولا منافاة بينهما.
(فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا) من الغار (يَمْشُونَ) .
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( غير رجلٍ واحدٍ ترك الذي له وذهب ) )إلى قوله (( بعد حين ) ). قال المُهَلَّبُ ليس فيه دليلٌ لِمَا ترجم له، وإنَّما اتجر الرَّجل في أجر أجيره، ثمَّ أعطاه على سبيل التَّبرع، وإنَّما الذي كان يلزمه قدر العمل خاصَّة، فليتأمل.
والحديث قد مضى في كتاب (( البيوع ) )، في باب (( إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه ) ) [خ¦2215] وبينهما تفاوتٌ في المتن يعرف بالنَّظر.
وقد مضى فيه الخلاف فيمن اتجر في مال غيره فقال قومٌ له الرِّبح إذا أدَّى رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبًا للمال أو كان المال وديعةً عنده متعدِّيًا فيه،
ج 10 ص 509
وهو قول عطاء ومالك ورَبِيْعَةُ واللَّيث والأَوْزَاعِيُّ وأبي يوسف، واستحبَّ مالك والثَّوري والأَوْزاعيُّ تنزهه ويتصدَّق به.
وقال آخرون يردُّ المال ويتصدَّق بالرِّبح كلِّه ولا يطيب له شيءٌ من ذلك، وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر، وقال قومٌ الرِّبح لربِّ المال وهو ضامن لِمَا تعدَّى فيه وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما وأبي قُلَابة وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال الشَّافعي إن اشترى السِّلعة بالمال بعينه فالرِّبح ورأس المال لربِّ المال، وإن اشتراه بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها بثمنٍ معروفٍ بالعين، ثمَّ نقد المال منه أو الوديعة فالرِّبح له وهو ضامن لِمَا استهلك من مال غيره، والله أعلم.