فهرس الكتاب

الصفحة 3551 من 11127

2276 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين، الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، هو جعفرُ بن أبي وحشيَّة، وهو مشهورٌ بكنيته، واسم أبيه أبي وحشيَّة إياس.

(عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) علي بن داود _ بضم المهملة _ النَّاجيِّ _ بالنون والجيم _ السَّاميِّ _ بالمهملة _ البصريِّ مات سنة اثنتين ومائة.

(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ سعد بن مالك رضي الله عنه وقد ذكر البخاريُّ في آخر الباب تصريح أبي بشر بالسَّماع عن أبي المتوكل، وتابع أبا عوانة على هذا الإسناد شعبة، كما في آخر الباب [خ¦2276 بعد] وهشيم كما أخرجه مسلم والنَّسائي، وخالفهم الأَعْمَشُ فرواه عن جعفر بن أبي وَحْشيةَ عن أبي نَضْرَةَ عن أبي سعيد رضي الله عنه جعل بدل أبي المتوكل أبا نَضْرَةَ، أخرجه التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه من طريقه.

وقال التِّرمذي طريق شعبة أصحُّ من طريق الأعمش، وقال ابن ماجه إنَّها الصَّواب ورجَّحها الدَّارقطنيُّ في «العلل» ولم يرجِّح في «السنن» وكذا النَّسائي.

ج 10 ص 523

وقال الحافظ العسقلانيُّ والذي ترجَّح في نقدي أنَّ الطَّريقين محفوظان لاشتمال طريق الأعمش على زياداتٍ في المتن ليست في رواية شعبة ومن تابعه، فكأنَّه كان عند أبي بشر عن شيخين فحدَّث به تارة عن هذا، وتارةً عن هذا، ولم يصب ابن العربي في دعواه أنَّ هذا الحديث مضطربٌ، فقد رواه عن أبي سعيدٍ معبد بن سيرين، كما سيأتي في (( فضائل القرآن ) ) [خ¦5007] .

وسليمان بن قَتَّة _ بفتح القاف وتشديد المثناة الفوقية _ كما أخرجه أحمد والدَّارقطنيُّ وسيجيء ما في رواياتهم من الفوائد.

(قَالَ) أي أنَّه قال (انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) النَّفر رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة الرِّجال خاصة ما بين الثَّلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، قاله ابن الأثير ويجمع على أنفار، وهذا يدلُّ على أنَّهم ما كانوا أكثر من عشرة، وفي «سنن ابن ماجه» بعثنا في ثلاثين راكبًا. وفي رواية الأعمش (( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين رجلًا فنزلنا بقوم ليلًا فسألناهُم القرى ) )وفي هذه الرِّواية تعيين عدد السرية وقت النُّزول. وقال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسم واحدٍ منهم سوى أبي سعيد.

(فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا) قال الحافظ العسقلاني وليس في سياق هذه الطَّريق ما يشعر بأنَّ السَّفر كان في جهادٍ لكن في رواية الأعمش أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم بعثهم كما مرَّ آنفًا، وفي رواية سليمان بن قتَّة عند أحمد (( بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا ) )، وزاد الدَّارقطنيُّ فيه بعث سريَّة عليها أبو سعيد، وفي هذه الزِّيادة تعيين أمير السرية.

قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على تعيين هذه السَّرية في شيءٍ من كتب المغازي بل لم يتعرَّض لذكرها أحدٌ منهم، هذا والسَّرية طائفةٌ من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تُبعث إلى العدو وتُجمع على السرايا.

(حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على تعيين الحيِّ الذين نزلوا بهم من أيِّ القبائل هم.

فائدة اعلم أنَّ طبقات أنساب العرب ستٌّ

الشَّعب _ بفتح الشين _ وهو النسب الأبعد كعدنان مثلًا وهو أبو القبائل الذين ينسبون

ج 10 ص 524

إليه ويجمع على شعوب.

والقبيلة وهي ما انقسم فيه الشعب كرَبيعة ومُضَر.

والعِمارة _ بكسر العين _ وهي ما انقسم فيه القبيلة كقريش وكِنانة ويجمع على عمارات وعمائر.

والبطن وهو ما انقسم فيه العمارة كبني عبد منافٍ وبني مخزوم ويجمع على بطون وأبطن.

والفخذ وهي ما انقسم فيه البطن كبني هاشم وبني أُمية، ويجمع على أفخاذ، والفصيلة _ بالصاد المهملة _ وهي ما انقسم فيه الفخذ كبني العباس، وأكثر ما يدور على الألسنة من الطَّبقات القبيلة ثمَّ البطن، وربَّما عبَّر عن كلِّ واحدٍ من الطَّبقات الست بالحيِّ إمَّا على العموم؛ مثل أن يقال حيٌّ من العرب، وإمَّا على الخصوص؛ مثل أن يقال حيٌّ من بني فلان.

وقال الهمدانيُّ في «الأنساب» الشَّعبُ والحَيُّ بمعنًى.

(فَاسْتَضَافُوهُمْ) أي طلبوا منهم الضِّيافة، وفي رواية الأَعْمش كما مرَّ (( فسألناهم القرى ) )والقِرى _ بكسر القاف مقصورًا _ هو الضِّيافة (فَأَبَوْا) أي امتنعوا (أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) بالتشديد، من التَّضييف في رواية الأكثر، ويروى بالتخفيف.

وقال ثعلب ضفت الرَّجل إذا نزلت به، وأضفته إذا أنزلته، وقال ابن التِّين ضبط في بعض الكتب (( أن يَضيفوهم ) )بفتح الياء والوجه ضمها.

(فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ) على البناء للمفعول، من اللدغ _ بالدال المهملة والغين المعجمة _ وهو اللسع وزنًا ومعنًى.

وأمَّا اللذع _ بالذال المعجمة والعين المهملة _ فهو الإحراق الخفيف، واللدغ في الحديث هو ضرب ذات الحمة من حيَّةٍ أو عقربٍ أو غيرهما، وأكثر ما يستعمل في العقرب.

وقد أفادت رواية الأعمش تعيين العقرب، وأمَّا ما وقع في رواية هُشَيم عند النَّسائي أنَّه مصاب في عقله أو لديغ فشكٌّ من هُشَيم، وقد رواه الباقون فلم يشكوا في أنَّه لديغ، ولاسيَّما تصريح الأعمش بأنَّه لديغ من عقرب.

وسيأتي في (( فضائل القرآن ) )من طريق معبد بن سيرين عن أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ [خ¦5007] (( إنَّ سيد الحيِّ سليم ) )، وكذا في (( الطِّب ) )من حديث

ج 10 ص 525

ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦5736 قبل] أنَّ سيد الحي سليمٌ والسَّليم هو اللديغ قيل له ذلك تفاؤلًا بالسَّلامة، وقيل لاستسلامه لِمَا نزل به.

وأمَّا ما وقع في رواية أبي داود والنَّسائيِّ والتِّرمذيِّ من طريق خَارِجة بن الصَّلْتِ عن عمه أنَّه مرَّ بقوم وعندهم رجلٌ مجنون موثوق في الحديد فقالوا إنَّك جئتَ من عند هذا الرَّجل بخير فَارْقِ لنا هذا الرَّجل، الحديث.

وفي لفظ عن خَارجَةَ بن الصَّلْتِ عن عمِّه؛ يعني علاقة بن صحار أنَّه رقى مجنونًا موثقًا بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام كلَّ يومٍ مرة فبرأ، فأعطوه مائتي شاة فأخبرت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( خذها ولعمري مَنْ أكل برقية باطل فقد أكلْتَ برقية حقٍّ ) ).

فالذي يظهر أنَّهما قضيتان؛ لأنَّ الرَّاقي هناك أبو سعيد رضي الله عنه، وهنا علاقة بن صحار رضي الله عنه.

(فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) أي ممَّا جرت به العادة أن يداووا به من لدغة العقرب، كذا في رواية الأكثر من السَّعي؛ أي طلبوا لهما يداويه، وللكُشميهنيِّ بالمعجمة والفاء؛ أي طلبوا الشِّفاء، تقول شفى الله مريضي، إذا أبرأه، وشفى له الطَّبيب؛ أي عالجه بما يشفيه أو وصف له ما فيه الشِّفاء، كذا فسَّره الخطَّابيُّ وادَّعى ابن التِّين أنَّ هذا تصحيف، وقال العينيُّ إنَّ الذي قاله أقرب.

(لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ) أي ينفعه ودخول أن في خبر لعلَّ للحمل على عسى، وجواب لو محذوف أو هو للتَّمني (فَأَتَوْهُمْ) وفي رواية مِعْبَدِ بن سيرين أنَّ الذي جاء في هذه الرِّسالة جاريةً منهم، فيحمل على أنَّه كان معها غيرها، وزاد البزار في حديث جابر رضي الله عنه فقالوا لهم قد بلغنا أنَّ صاحبكم جاء بالنُّور والشِّفاء قالوا نعم.

(فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ) وفي رواية الكُشميهنيِّ بالمعجمة والفاء، من الشِّفاء، كما مرَّ عن قريبٍ (بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ) ينفعه،

ج 10 ص 526

وزاد أبو داود في روايته من هذا الوجه (( ينفع صاحبنا ) ).

(فَقَالَ بَعْضُهُمْ) وفي رواية أبي داود (( فقال رجلٌ من القوم ) ) (نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْقِي) بكسر القاف، وبيَّن الأعمش أنَّ الذي قال ذلك هو أبو سعيدٍ رضي الله عنه راوي الخبر ولفظه قلت نعم أنا ولكن لا أرقيه حتَّى تعطونا غنمًا، فأفاد بيان جنس الجُعْل (وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا) الجُعْل _ بضم الجيم وسكون المهملة _ ما يعطى على عمل، ويقال أيضًا جُعالة، والجَعل _ بالفتح _ مصدر جعلت لك كذا جعلًا، واستشكل كون الرَّاقي هو أبو سعيدٍ رضي الله عنه فقد وقع في رواية مِعْبَدِ بن سيرين (( فقام معها رجلٌ ما كنَّا نظنُّه يحسن رقية ) )، أخرجه مسلم.

وسيأتي في فضائل القرآن بلفظٍ آخر وفيه فلمَّا رجع قلنا له أكنت تحسن رقية. ففي ذلك إشعارٌ بأنَّه غيره.

ويمكن أن يجاب عنه بأنَّه لا مانع من أن يكني الرَّجل عن نفسه، فلعل َّأبا سعيد رضي الله عنه صرح تارةً وكنى أخرى ولم ينفرد الأعمش بتعيينه، فقد وقع أيضًا في رواية سليمان بن قَتَّةَ بلفظ (( فأتيته فرقيته بفاتحة الكتاب ) ).

وفي حديث جابر رضي الله عنه عند البزَّار فقال رجلٌ من الأنصار أنا أرقيه، وهو ممَّا يقوي رواية الأعمش، فإنَّ أبا سعيدٍ رضي الله عنه أنصاريٌّ. وقد حمل بعض الشَّارحين ذلك على تعدُّد القصة، وأنَّ أبا سعيدٍ رضي الله عنه روى قصَّتين كان في أحداهما راقيًا وفي الأخرى كان الرَّاقي غيره.

وتعقَّبه الحافظُ العسقلانيُّ بأنَّه بعيد جدًّا ولاسيما مع اتحاد المخرج والسِّياق والسَّبب ويكفي في ذلك أنَّ الأصل عدم التَّعدد ولا حامل عليه، فإنَّ الجمع بين الرِّوايتين ممكن بدونه؛ بخلاف ما تقدَّم من حديث خَارجة بن الصَّلْتِ عن عمِّه، فإنَّ السِّياقين مختلفان وكذا السَّبب، فكان الحمل فيه على التَّعدد قريبًا.

(فَصَالَحُوهُمْ) أي وافقوهم (عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ) قال ابن التِّين القطيع هو الطَّائفة من الغنم. وتُعُقِّب بأنَّ القطيع هو الشَّيء

ج 10 ص 527

المتقطع من الغنم كان أو من غيرهما، وقد صرَّح بذلك ابن قُرْقُولٍ وغيره.

وقال الدَّاوديُّ يقع على ما قلَّ وكثر، وزاد بعضهم أنَّ الغالب استعماله فيما بين العشرة والأربعين، ووقع في رواية الأعمش فقالوا إنَّا نعطيكم ثلاثين شاةً.

وكذا ثبت ذكر عدد الشِّياه في رواية مِعْبَدِ بن سيرينَ وهو مناسبٌ لتعدُّد السَّرية كما تقدَّم في أول الحديث، فكأنَّهم اعتبروا عددهم فجعل الجُعْل بإزائه.

(فَانْطَلَقَ يَتْفلُ) من تفل _ بالمثناة الفوقية _ يتفل _ بكسر الفاء وضمها _ تفلًا، وهو نفخ معه قليل بصاق. وقال ابن بَطَّالٍ التفل البصاق، وقال ابن أبي حمرة محلُّ التفل في الرقية يكون بعد القراءة لتحصيل بركة القراءة في الجوارح التي يمرُّ عليها فتحصل البركة في الرِّيق الذي يتفله.

(وَيَقْرَأُ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ) وفي رواية شعبة (( فجعل يقرأ عليه بفاتحة الكتاب ) )، وكذا في حديث جابرٍ رضي الله عنه، وفي رواية الأعمش (( فقرأت عليه الحمد ) ).

ويستفاد منه تسمية الفاتحة الحمد، والحمد لله رب العالمين. ولم يذكر في هذه الطُّرق عدد قراءة الفاتحة لكن بيَّنه في رواية الأعمش أنَّه سبع مراتٍ. ووقع في حديث جابرٍ رضي الله عنه ثلاث مرات، والحكم للزائد.

(فَكَأَنَّمَا نُشِطَ) بضم النون وكسر الشين المعجمة من الثلاثي، كذا وقع في رواية الجميع.

قال الخطَّابيُّ وهو لغة والمشهور نشط إذا عقل وأنشط، إذا حُلَّ، يقال نشطتُه، إذا عقدته وأنشطته إذا حللتُه وفككته.

وعند الهرويِّ فكأنَّما أنشط، وأصله الأُنشوطة _ بضم الهمزة والمعجمة بينهما نون ساكنة _ وهي الحبل، وقال ابن التِّين حكى بعضهم أنَّ معنى أنشط حلَّ، ومعنى نشط أقيم بسرعة، ومنه قولهم رجلٌ نشيطٌ. ويحتمل أن يكون معنى نشط نزع، ولو قرئ بالتشديد لكان له وجهٌ؛ أي حلَّ شيئًا فشيئًا.

(مِنْ عِقَالٍ) بكسر المهملة بعدها قاف، هو الحبل الذي يشدُّ به ذراع البهيمة (فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) بفتحات؛ أي علَّة، وقيل للعلة قلبة؛ لأنَّ الذي يصيبه يتقلَّب من جنبٍ إلى جنبٍ

ج 10 ص 528

ليعلم موضع الدَّاء، قاله ابن الأعرابيِّ.

ومنه قول الشَّاعر

~وَقَدْ بَرِئت فَمَا بالصَّدْرِ مِنْ قَلَبَةٍ

وبخطِّ الدِّمياطيِّ أنَّه داءٌ مأخوذ من القلب يأخذ البعير فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه.

(قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ) بفتح الفاء على صيغة الماضي (جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسمه (اقْتَسِمُوا) والأمر بالقسمة أمرٌ بما هو من باب المروآت ومكارم الأخلاق، وإلَّا فالجميع ملك الرَّاقي (فَقَالَ الَّذِي رَقَى) بفتح القاف، وفي رواية الأعمش (( فلمَّا قبضنا الغنم عرضَ في أنفسنا منها شيءٌ ) ). وفي رواية معبد بن سيرين (( فأمر لنا بثلاثين شاةً وسقانا لبنًا ) ). وفي رواية سليمان بن قتَّة (( فبعث إلينا بالشِّياه والمنزل، فأكلنا الطَّعام فأبوا أن يأكلوا الغنم حتَّى أتينا المدينة ) ).

(لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا) أي فنتبعه ولم يريدوا أن يكون لهم الخيرة في ذلك (فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ) أي ذلك (فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ) قال الدَّاوديُّ معناه وما أدراك، وقد رُوِيَ كذلك ولعلَّه هو المحفوظ؛ لأنَّ ابن عيينة قال إذا قال وما يدريك فلم يعلم، وإذا قال وما أدراك فقد أعلم.

وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّ ابن عُيَينة إنَّما قال ذلك في ما وقع في القرآن كما تقدَّم في أواخر (( الصِّيام ) ) [خ¦2014 قبل] وإلَّا فلا فرق بينهما في اللغة؛ أي في نفي الدِّراية.

وقد وقع في رواية هُشَيْمٍ (( وما أدراك ) )ونحوه في رواية الأعمش، وفي رواية مِعْبَدِ بن سيرين (( وما كان يدريه ) )وهي كلمة تقال عند التَّعجب من الشَّيء، وقد تستعمل في تعظيم الشَّيء أيضًا وهو اللَّائق هنا.

وزاد شُعبة في روايته بعد قوله (( وما يدريك أنَّه رقية؟ ) )قلت أُلْقِيَ في روعي. وللدَّارقطنيِّ من هذا الوجه فقلت يا رسول الله! شيءٌ أُلْقِيَ في رُوعي. وهو ظاهرٌ في أنَّه لم يكن عنده علمٌ متقدمٌ بمشروعيَّة الرَّقي بالفاتحة، ولهذا قال له أصحابه لمَّا رجع ما كنت تحسن رقية، كما وقع في رواية معبد بن سيرين.

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (قَدْ أَصَبْتُمُ) يحتمل أن يكون تصويب فعلهم في الرُّقية، ويحتمل أن يكون في توقفهم عن التَّصرف في الجُعْل

ج 10 ص 529

حتَّى يستأذنوه (اقْتَسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا) أي اجعلوا لي منه نصيبًا، وكأنَّه أراد المبالغة في تصويب فعلهم وتطييب قلوبهم في أنَّه حلال، كما وقع له في قصَّة الحمار الوحشي وغير ذلك.

(فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي الحديث جواز الرقية بشيءٍ من كتاب الله تعالى، ويلتحق به ما كان من الدَّعوات المأثورة، وكذا غير المأثور إذا كان لا يخالفُ ما هو المأثور، ولا يجوز بألفاظٍ لا يعلم معناها من الألفاظ غير العربية المحتملة أن يكون كفرًا أو قريبًا منه كالتي بالعبرانيَّة أو من الكلام الكفَّار، وهو المراد بما جاء في الحديث في الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ لا يرقون ولا يسترقون.

وقد يجمع بينهما بأنَّ المدح في ترك الرقى للأفضلية وبيان التَّوكل، والذي أذن فيه لبيان الجواز مع أنَّ تركها أفضل، وبأنَّ النَّهي لقومٍ كانوا يعتقدون نفعها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهليَّة يزعمون في أشياء كثيرة.

وقد اختلفوا في جوازه فقال الشَّعبي وقَتادةُ وسعيدُ بن جُبَيْرٍ وجماعة أنَّه يكره الرقى، والواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصامًا بالله تعالى وتوكلًا عليه وثقة به وانقطاعًا إليه، وعلمًا بأنَّ الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضرُّه إذ قد علم الله تعالى أيام المرض وأيام الصِّحة، فلو حرص الخلق على تقليل أيَّام المرض وزمن الدَّاء وعلى تكثير أيام الصِّحة ما قدروا على ذلك. قال الله عزَّ وجلَّ {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد 22] واحتجُّوا في ذلك بحديث عِمران بن حُصينٍ رضي الله عنه أخرجه الطَّحاوي من حديث أبي مِخْلدٍ قال كان عمران بن حُصينٍ رضي الله عنه ينهى عن الكيِّ، فابتلي فكان يقول لقد اكتويت كية بنارٍ فما أبرأتني من إثمٍ ولا شفتني من سقمٍ. وقال الحسن البصريُّ وإبراهيم النَّخعيُّ والزُّهريُّ والثَّوريُّ والأئمة الأربعة وآخرون لا بأس بالرقى، واحتجُّوا في ذلك بحديث الباب وغيره، وفيه أيضًا أنَّ سورة الفاتحة فيها شفاء ولهذا من أسمائها الشَّافية.

وفي التِّرمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا (( فاتحة الكتاب شفاءٌ من كلِّ سقم ) )ولأبي داود من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه

ج 10 ص 530

مرض الحسن أو الحسين رضي الله عنهما فنزل جبريل عليه السَّلام فأمره أن يقرأَ الفاتحة على إناءٍ من الماء أربعين مرةً فيغسل يديه ورجليه ورأسه.

وقال ابن بطَّال موضع الرقية منها {إِيَّاكَ نَسْتَعِين} [الفاتحة 5] ؛ لأنَّ الاستعانة بالله على كشف البلاء وسؤال الفرج والإقرار بالحاجة إلى عونه في معنى الدُّعاء.

وقال القرطبيُّ موضعها {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة 5] والظَّاهر أنَّها كلها رقية لقوله (( وما يدريك أنَّها رقية؟ ) )ولم يقل فيها رقيةٌ، فيحتسب قراءتها على اللَّديغ والمريض وصاحب العاهة.

وقال ابن بطَّال وفيه _ أي في الحديث _ أنَّ في القرآن ما يُخَصُّ بالرقى وإن كان القرآن كله مرجوَّ البركةِ، ولكن إذا كان في الآية تعوُّذ بالله تعالى أو دعاء كان أخصَّ بالرُّقية، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (( وما يدريك ) )أن يخبر علمه بذلك.

هذا وفيه أيضًا مشروعية الضِّيافة على أهل البوادي والنُّزول على مياه العرب، والطَّلب ممَّا عندهم على سبيل القرى أو الشرى.

وفيه مقابلة من امتنع من المكرمة بنظير صنيعه كما صنعه الصَّحابي من الامتناع من الرقية في مقابلة امتناع أولئك من ضيافتهم، وهذه طريقة موسى عليه الصلاة والسَّلام في قوله لو شئت لاتخذت عليه أجرًا ولم يعتذر الخَضِرُ عليه السلام عن ذلك إلَّا بأمرٍ خارجيٍّ عن ذلك.

وفيه أيضًا الاشتراك في الموهوب إذا كان أصله معلومًا. وفيه أيضًا جواز طلب الهدية ممَّن يعلم رغبته في ذلك وإجابته إليه. وفيه أيضًا جواز قبض الشَّيء الذي ظاهره الحلُّ وترك التَّصرف فيه إذا عرضت فيه شبهة. وفيه أيضًا الاجتهاد عند فقد النَّص. وفيه أيضًا عظمة القرآن في صدور الصَّحابة رضي الله عنهم خصوصًا الفاتحة. وفيه أيضًا أنَّ الرِّزق المقسوم لا يفوت ولا يستطيع مَنْ هو في يده منعه ممَّن قسم له؛ لأنَّ أولئك منعوا الضِّيافة، وكان الله تعالى قسم للصَّحابة رضي الله عنهم في مالهم نصيبًا فمنعوهم، فسبَّب لهم الله تعالى لدغ العقرب حتَّى

ج 10 ص 531

سيق لهم ما قسم لهم.

وفيه الحكمة البالغة حيث اختصَّ بالعقاب مَنْ كان رأسًا في المنع؛ لأنَّ من عادة النَّاس الائتمار بأمر كبيرهم، فلمَّا كان رأسهم في المنع اختصَّ بالعقوبة دونهم جزاءً وفاقًا، وكأنَّ الحكمة فيه أيضًا إرادة الإجابة إلى ما يلتمسه المطلوب منه الشَّفاء ولو كثر؛ لأنَّ الملدوغ لو كان من آحاد النَّاس لعلَّه لم يكن يقدر على القدر المطلوب.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) هو البخاري نفسه (وَقَالَ شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، هو جعفرُ بن أبي وَحْشيَّة المذكور في سند الحديث (سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ) هو عليُّ بن داود المذكور فيه أيضًا (بِهَذَا) الحديث وهذه الطَّريق بهذه الصنعة وصلها التِّرمذي.

وقد أخرجه المصنِّف في (( الطِّب ) ) [خ¦5736] من طريق شعبة لكن بالعنعنة، وهذا هو السِّر في عزوه إلى التِّرمذي مع كونه في البخاري، وغفل بعض الشُّراح عن ذلك فعاب على من نسبه إلى التِّرمذي.

ورجال إسناد الحديث كلُّهم مذكورون بالكنى، وهذا غريبٌ جدًّا، وأنَّ شيخه ومن بعده كلهم بصريُّون غير أبي عوانة فإنَّه واسطيُّ.

وقد أخرج متنه المؤلِّف في (( الطب ) )أيضًا [خ¦5749] ، وأخرجه أبو داود فيه وفي (( البيوع ) )، وأخرجه التِّرمذي في (( الطب ) )والنَّسائي فيه وفي «اليوم والليلة» ، وابن ماجه في (( التِّجارات ) )، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت