2284 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابنُ مُسَرْهَدٍ، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) هو ابنُ سعيد (وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو إسماعيل بن عُلَيَّةَ، وقد تكرر ذكره (عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ) هو البُنَاني _ بضم الموحدة بعدها نون مخففة _ ثقة بصريٌّ، وليَّنه أبو الفتح الأَزْدي بلا مستند، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث. وقد أخرج الحاكم في «المستدرك» هذا الحديث عن مُسددٍ شيخ المؤلِّف فيه. وقال علي بن الحكم ثقةٌ من أعزِّ البصريين حديثًا، انتهى.
وقد وهم في استدراكه وهو في البخاريِّ كما ترى، فكأنه لَمَّا لم يره في كتاب (( البيوع ) )توهَّم أنَّ البخاريَّ لم يخرجه.
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ) واحتجَّ به من حرَّم بيع عسب الفحل وإجارته، وهو قول جماعةٍ من الصحابة منهم عليٌّ وأبو هريرة رضي الله عنهم، وهو قول أكثر الفقهاء كما حكى عنهم الخطَّابيُّ، وهو قول الأوزاعيِّ، وأبي حنيفة والشافعيِّ وأحمد، وجزم أصحاب الشافعيِّ بتحريم البيع؛ لأنَّ ماء الفحل غير متقوَّمٍ ولا معلومٍ ولا مقدورٍ على تسليمه، وحكوا في إجارته وجهين أصحُّهما المنع، وذهب ابنُ أبي هبيرةً إلى جواز الإجارة عليه، وهو قول مالك ووجه للشافعيَّة والحنفيَّة، وإنما يجوز عندهم إذا استأجره على نزواتٍ معلومةٍ أو مدَّةٍ معلومةٍ، فإن آجره على الطَرْقِ حتَّى تحمل لم يصح.
ورخَّص فيه الحسن وابن سيرين، وقال عطاء لا بأس به إذا لم يجد ما يَطْرُقه، وقال ابن بَطَّالٍ اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فكرهت طائفةٌ أن يُسْتَأْجَرَ الفحل لينزيه مدَّةً معلومةً بأجرٍ معلوم، وذلك عن أبي سعيدٍ والبراء رضي الله عنهما، وذهب الكوفيُّون والشافعيُّ وأبو ثور إلى أنَّه لا يجوز واحتجوا بحديث الباب.
وروى الترمذي من حديث أنسٍ رضي الله عنه أنَّ رجلًا
ج 10 ص 541
من كلاب سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عسب الفحل فنهاه فقال يا رسول الله! إنا نُطْرِقُ الفحل فنُكْرَمُ، فرخَّص في الكرامة. ثم قال حسنٌ غريب.
وفيه جواز قبول الكرامة على عسب الفحل وإن حَرُمَ بيعهُ وإجارتهُ، وبه صرَّح أصحاب الشافعيِّ، وقال الرَّافعيُّ ويجوز أن يُعْطِيَ صاحبُ الأنثى صاحبَ الفحل شيئًا على سبيل الهدية؛ خلافًا لأحمد، انتهى.
وما ذهب إليه أحمد قد حُكِيَ عن غير واحدٍ من الصَّحابة والتابعين، فروى ابن أبي شَيْبَةَ في «مصنفه» بإسناده إلى مَسْرُوقٍ، قال سألت عبد الله عن السُّحت قال الرَّجل يُطْلَبُ الحاجةَ فيُهْدَى إليه فيقبلها.
ورُوِيَ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رجلًا سأله أن تقبلَ رجلًا؛ أي ضمنه فأعطاه دراهم وحمله وكساه، فقال أرأيت لو لم تقبله أكان يعطيك؟ قلت لا، قال لا يصلح لك.
ورُوِيَ أيضًا عن أبي مسعود عقبةَ بنِ عامر رضي الله عنه أنَّه أتى إلى أهله فإذا هدية فقال ما هذا؟ فقالوا الذي شفعت له فقال أخرجوها أتعجَّل أجرَ شفاعتي في الدُّنيا.
ورُوِيَ عن عبد الله بن جعفر أنَّه كلَّم عليًّا رضي الله عنه في حاجة دهقان، فبعث إلى عبد الله بن جعفر بأربعين ألفًا فقال ردُّوها عليه فإنَّا أهل بيتٍ لا نبيع المعروف. وقد رُوِيَ نحوُ هذا في حديث مرفوع رواه أبو داود في «سننه» من رواية خالد بن أبي عمران، عن القاسم، عن أبي أمامة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من شفع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديَّةً عليها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الرِّبا ) )، وهذا معنى ما رواه (( كلُّ قرض جرَّ منفعةً فهو ربا ) ).
وروى ابن حبان في «صحيحه» من حديث أبي عامر الهُوزَنِيِّ، عن أبي كَبْشَةَ الأَنْماريِّ أنَّه أتاه فقال أطرقْنِي فرسك، فإنِّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( من أطرق فرسًا فأعقب له كان له أجرٌ كأجر سبعين فرسًا حمل عليها في سبيل الله، وإن لم يعقب كان له كأجر فرسٍ حمل عليها في سبيل الله ) )، قوله أطرقني؛ أي أعرني
ج 10 ص 542
فرسك للإنزاء.
والحاصل أنَّ بيعه حرامٌ بالاتِّفاق وإجارته فيها خلافٌ على التفصيل المذكور، وأمَّا إعارته فلا خلاف في جوازها لِمَا في النَّهي عنه من قطع النَّسل. ثمَّ الحكمة في كراهة إجارته عند مَنْ يمنعها أنَّها ليست من مكارم الأخلاق مع ما فيها من الغَرَر إذ هو شيءٌ غير معلومٍ، ولا يدري هل هو يلقح أم لا، وهل تعلق الناقة أم لا.
وأمَّا مَنْ جوَّزها من الشافعيَّة والمالكيَّة والحنابلة بمدَّةٍ معلومةٍ قاسها كما قاله الأَبْهَريُّ وغيره على جواز الاستئجار لتلقيح النَّخل، وهو قياسٌ مع الفارق؛ لأنَّ المقصود هنا ماء الفحل وصاحبه عاجز عن تسليمه؛ بخلاف تلقيح النَّخل والله أعلم، ورجالُ إسناد الحديث كلُّهم بصريُّون ما خلا نافعًا فإنَّه مدنيٌّ.
وقد أخرجهُ أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في (( البيوع ) ).
وفي الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجهُ النسائيُّ وابن ماجه من رواية الأَعْمش عن أبي حَازِمٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب وعسب الفحل ) )، وفي روايةٍ للنسائيِّ (( عسب التيس ) ).
وعن أنس رضي الله عنه أخرجه ابنُ أبي حاتم في «العلل» من رواية ابن أبي لَهِيْعَةَ، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن أنس رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أجر عسب الفحل ) )، قال أبو حاتم إنَّما يروى من كلام أنس، ويزيد لم يسمع من الزهريِّ وإنَّما كتب إليه.
وأخرجهُ النسائيُّ أيضًا وعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه أخرجهُ النسائيُّ من رواية هشام، عن ابن أبي نُعيم عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ضراب الجمل، وعن عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه أخرجهُ عبد الله بن أحمد في «زوائده» على المسند من حديث عاصم بن ضَمْرَةَ، عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلِّ ذي مخلبٍ من الطِّيور، وعن ثمن الميتة، وعن لحم الحمر الأهلية، وعن مهرِ البغيِّ، وعن عَسْب الفحل، وعن المَيَاثر الأُرْجوان.