فهرس الكتاب

الصفحة 3568 من 11127

2287 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، هو عبدُ الله بن ذَكْوَانَ (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزٍ، وقد تكرر ذكرهما (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وقد رواه هَمَّامٌ عن أبي هريرة، ورواه عن ابنِ عمر وجابر مع أبي هريرة رضي الله عنهم.

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) وفي رواية ابن عُيَينة عن أبي الزِّناد عند النسائيِّ وابن ماجه (( المطل ظلم ) )، والمعنى أنَّه من الظُّلم، أطلق ذلك للمبالغة في التَّنفير عن المطل.

وقد رواه الجَوْزَقِيُّ من طريق هَمَّام عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( إنَّ من الظُّلم مطل الغني ) )، وأصل المطل المد، قال ابن فارس مطلتُ الحديدة أمطلُها مَطلًا، إذا مددتها لتطول.

وقال الأَزْهَريُّ المطلُ المدافعة، وفي «المحكم» المطلُ التَّسويف بالعِدَةِ، وقال القَزَّاز والفاعل ماطل ومُمَاطَل، والمفعول مَمْطُول ومُمَاطل تقول ماطَلَني ومَطَلني حقِّي، وقال القرطبيُّ المطل عدمُ قضاء ما استحقَّ أداؤه مع التمكُّن منه.

وإضافة المطلِ إلى الغني إضافة المصدرِ إلى الفاعل؛ لأنَّ المعنى أنَّه يحرمُ على الغنيِّ القادر أن يمطل بالدَّين بعد استحقاقه؛ بخلاف العاجزِ، ومنهم مَنْ قال أنَّه مضاف إلى المفعول والمعنى أنَّه يجب وفاء الدين، ولو كان مستحقُّه غنيًا لا يكون غناهُ سببًا لتأخير حقِّه عنه، فإذا كان في حقِّ الغنيِّ كذلك فهو في حقِّ الفقير أولى، والغنيُّ اختلف في تعريفهِ والمراد به هنا مَنْ قدر على الأداء فأخَّره ولو كان فقيرًا بالمعنى الآخر.

وهل يتَّصف بالمُطْل مَنْ ليس القدر الذي استحقَّ

ج 10 ص 550

عليه حاضرًا عنده لكنَّه قادرٌ على تحصيلهِ بالكسبِ مثلًا أطلق أكثر الشافعيَّة عدم الوجوب، وصرَّح بعضُهم بالوجوب مطلقًا وفصَّل آخرون بين أن يكون أصل الدَّين وجب بسببٍ يقضي به فيجب وإلَّا فلا.

وقال القُرطبيُّ الظلم وضع الشَّيء في غير موضعه لغةً، وفي الشرع هو محرَّمٌ مذمومٌ، وعن سُحْنونٍ تردُّ شهادة المليِّ إذا مطل؛ لكونه سمِّي ظالمًا، وعند الشافعيِّ بشرط التِّكرار.

(فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ) المشهورُ في الرِّواية واللُّغة كما قال النوويُّ إسكان المثناة في أُتبع، وفي فَلْيَتبع، وهو على البناء للمفعول مثل إذا علم فليعلم، تقول تبعت الرَّجل بحقِّي أَتْبَعُه تَبَاعةً _ بالفتح _ إذا طلبته.

وقال القرطبيُّ أمَّا أُتْبِع _ فبضم الهمزة وسكون المثناة من فوق وكسر الموحدة مبنيًا _ لِمَا لم يسمَّ فاعله عند الجميع، وأمَّا فليتْبع فالأكثر بالتخفيف وقيَّده بعضُهم بالتشديد والأوَّل أجود، انتهى.

قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وما ادَّعاه من الاتفاق في (( أُتبع ) )يردُّه قول الخَطَّابيِّ أنَّ أكثر المحدِّثين يقولونه بالتشديد، والصَّواب التَّخفيف، ومعنى قوله أُتبع فَلْيتبع؛ أي أُحيل فليحْتَل.

وقد رواه بهذا اللَّفظ أحمد عن وَكِيعٍ، عن سفيان الثوريِّ، عن أبي الزِّناد، ورواه ابنُ ماجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ فإذا أُحِلْتَ على مليٍّ فاتَّبعه، وهذا بتشديد التاء بلا خلاف، وقد تقدم أن المليَّ مهموز اللام فقلب وأدغم.

وقال الكرْمانيُّ المليُّ كالغني لفظًا ومعنًى، واقتضى أنَّه بغير همز وليس كذلك، فقد قال الخَطَّابيُّ أنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها فقد سهَّله، فليُتَأَمل.

ثمَّ الأمر في قوله فليتبع؛ للاستحباب عند الجمهور؛ لأنَّه من باب التيسير على المعسر ووهم من نقل فيه الإجماع، وقيل هو أمر إباحةٍ وإرشاد وهو شاذٌّ، وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وداود وأهل الظَّاهر على ظاهره، وعبارة الخِرَقِيِّ ومَنْ أحيلَ بحقه

ج 10 ص 551

على مليٍّ فواجبٌ عليه أن يتبعَ.

وعن أحمد روايتان الوجوب والنَّدب، ولَمَّا سأل ابنُ وَهْبٍ مالكًا عنه قال هذا أمر ترغيبٍ وليس بإلزامٍ، وينبغي له أن يطيعَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثمَّ إنَّه ادَّعى الرَّافعيُّ أنَّ الأشهر في الرِّوايات (( وإذا اتبع ) )بالواو، ولأنَّهما جملتان لا تعلُّق لأحدهما بالأخرى، وزعم بعض المتأخِّرين أنَّه لم يرد إلَّا بالواو، وغُفِلَ عما في «صحيح البخاري» هنا فإنه بالفاء في جميع الروايات وهو كالتَّوطئة والعلَّة لقبول الحوالة؛ أي إذا كان المطل ظلمًا، فليقبل مَنْ يحتال بدينه عليه، فإنَّ المؤمن من شأنه أن يحترزَ عن الظُّلم فلا يمطل.

نعم رواه مسلمٌ بالواو، وكذا البخاريُّ في الباب الذي بعده [خ¦2288] ، لكن قال (( ومَنْ اتبع ) )، ومناسبة الجملة التي قبلها أنَّه لَمَّا دلَّ على أنَّ مطل الغنيِّ ظلمٌ عقَّبه بأنَّه ينبغِي قبول الحوالة على المليِّ لِمَا في قبولها من دفعِ الظُّلم الحاصل بالمُطْلِ، فإنَّه قد يكون مطالبته بالمال عليه سهلة على المحتال دون المُحِيل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفِّه عن الظُّلم.

وفي الحديث الزَّجر عن المَطْلِ، واختُلِفَ هل يُعَدُّ فعلُه كبيرةً أو لا، فالجمهورُ على أنَّ فاعله يُفَسَّقُ لكن هل يثبتْ فسقه بمطله مرَّةً واحدةً أو لا، فقال النوويُّ مقتضى مذهبنَا اشتراطُ التِّكرار.

وردَّه السُّبكيُّ في «شرح المنهاج» بأنَّ مقتضى مذهبنَا عدمُه، واستدلَّ بأنَّ منع الحقِّ بعد طلبه وانتفاء العُذْر عن أدائه كالغصب، والغصب كبيرةٌ، وتسميتُه ظلمًا يشعر بكونه كبيرةً أيضًا، والكبيرةُ لا يشترطُ فيها التِّكرار، نعم لا يحكم عليه بذلك إلَّا بعد أن يظهرَ عدم عذره، انتهى.

واختلفوا هل يفسَّق بالتَّأخير مع القدرة قبل الطَّلب أو لا، فالذي يُشْعِرُ به حديثُ الباب التوقُّف على الطَّلب؛ لأنَّ المطل يُشْعِرُ به، ويدخل في المطل كلُّ مَنْ لزمه حقٌّ كالزَّوج والزَّوجة والسيد لعبده، والحاكمُ لرعيَّته وبالعكس، وفي الحديث أيضًا أنَّ العاجز عن الأداء لا يدخلُ تحت المطل وهو بطريق المفهوم؛ لأنَّ تعليق الحكم بصفةٍ من صفات الذَّات

ج 10 ص 552

يدلُّ على نفي الحكم عن الذَّات عند انتفاء تلك الصِّفة، ومَنْ لم يقل بالمفهوم أجاب بأنَّ العاجز لا يسمَّى ماطلًا.

وفيه أيضًا أنَّ الغنيَّ الذي ماله غائبٌ لا يدخل في الظلم، وهل هو مخصوصٌ من عموم الغنيِّ أو هو ليس بغنيٍّ في الحكم الأظهر هو الثاني؛ لأنَّه في تلك الحالة يجوز إعطاؤه من سهم الفقراء من الزكاة، فلو كان في الحكم غنيًّا لم يجزْ ذلك، وفيه أيضًا أنَّ المُعْسِرَ لا يُحْبَسُ ولا يُطَالب حتى يُوسِرَ.

وقال الشافعيُّ لو جازت مؤاخذته لكان ظالمًا، والغرض أنَّه ليس بظالمٍ لعجزه، وقال بعض العلماء له أن يحبسَهُ، وقال آخرون له أن يُلازمه.

واستدلَّ به على أنَّ الحَوَالة إذا صحَّت ثمَّ تعذَّر القبض بحدوث حادثٍ كموتٍ أو إفلاس لم يكن للمحتالِ الرجوع على المحيل؛ لأنَّه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شُرِطَ عُلِمَ أنَّه انتقل انتقالًا لا رجوع له كما لو عوَّضه عن دينه بعوض ثمَّ تلف العوض في يد صاحب الدين فليس له رجوع.

وقالت الحنفيَّة يرجع عند التعذُّر وشبَّهوه بالضَّمان، واستدلَّ به أيضًا على ملازمة المماطل وإلزامه بدفع الدَّين والتوصل إليه بكلِّ طريقٍ، وأخذه منه قهرًا.

واستُدِلَّ به أيضًا على اعتبار رضا المحيل والمحتال دون المحتال عليه لكونه لم يُذْكَرْ في الحديث، وبه قال الجمهور، وعن الحنفيَّة يشترط هو أيضًا، وبه قال الأصطخريُّ من الشافعية، وفي «الروضة» للنوويِّ أمَّا المحال عليه فإن كان عليه دينٌ للمحيل لم يعتبر رضاه على الأصحِّ، وإن لم يكن لم يصحَّ بغير رضاه قطعًا وبإذنه وجهان، وفي «الجواهر» للمالكيَّة أمَّا المحال عليه فلا يشترط رضاه. وفي بعض كتب المالكيَّة يشترط رضاه إذا كان عدوًا وإلَّا فلا.

وأمَّا المحيل فرضاه شرطٌ عندنا وعندهم؛ لأنَّه الأصل في الحوالة، وفي «العيون والزيادات» ليس بشرطٍ، وفي الحديث أيضًا الإشارة

ج 10 ص 553

إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب ومودَّتها؛ لأنَّه زَجَرَ عن المماطلة؛ لكونها تؤدِّي إلى ذلك.

وفي خط بعض الفضلاء في قوله (( مطل الغني ظلمٌ ) )دَلالةٌ على أنَّ الحوالة إنَّما تكون بعد حلول الأجل في الدين؛ لأنَّ المطل لا يكون إلَّا بعد الحلول، ثمَّ إنَّه يشترط أن تكون الحوالة بدينٍ وإلَّا فلا حَوَالة لاستحالةِ حقيقتها إذ ذاك، وإنما يكون حمالة.

وفي «التوضيح» ومن شرطها تساوي الدِّينين قدرًا ووصفًا وجنسًا كالحلول والتَّأخير، وقال ابن رشد ومنهم مَنْ أجازها في الذَّهب والدراهم فقط ومنعها في الطعام، وأجاز مالكٌ إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالًّا، وأمَّا إن كان أحدهما من سلمٍ فإنَّه لا يجوز إلا أن يكون الدَّينان حالَّين. وعند ابن قاسم وغيره من أصحاب مالك يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالًَّا، ولم يفرق بين ذلك الشافعي؛ لأنَّه كالبيع في ضمان المستقرض، وأمَّا أبو حنيفة فأجاز الحوالة بالطَّعام وشبَّهه بالدرهم.

والحديثُ أخرجهُ مسلم في (( البيوع ) )، وكذا أبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابن ماجه فيه أيضًا.

وفي الباب عن ابن عمر رضي الله عنهما رواه ابن ماجه من رواية يونس بن عُبَيْدٍ، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مطل الغني ظلمٌ، وإذا أُحِيلَ أحدكم على مليٍّ فليحتل ) ).

وعن الشَّريد بن السُّوَيدِ أخرجهُ أبو داود والنَّسائي وابن ماجه من رواية محمد بن مَيمونَ بن مُسَيَكَةَ، عن عَمرو بن الشَّريدِ، عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لَيُّ الواجد يحلُّ عرضه وعقوبته ) ).

وعن جابر رضي الله عنه أخرجهُ البزَّار من رواية محمد بن المُنْكَدِرِ، عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مطلُ الغنيِّ ظلمٌ وإذا أُتْبع أحدكُم على مليٍّ فليتبع ) ).

وقوله (( لَيُّ الواجد ) )قال ابن التين لَيُّ الواجد _ بفتح اللام وتشديد الياء _

ج 10 ص 554

أي مطله، يقال لواه بدينه لَيًّا وليانًا؛ أي مطله، وأصل لَيُّ لَوِيَ فأُعِلَّ فصار لَيًّا.

والواجد _ بالجيم _ الغنيُّ الذي يجد ما يقضي به دينه، وقوله (( يحلُّ عرضه ) )؛ أي لومه، (( وعقوبته ) )حبسه هذا تفسير سفيان، والعرض موضعُ المدح والذَّم من الإنسان سواءٌ كان في نفسه أو سلفه أو مَنْ يلزمه أمره، وقيل هو جانبه الَّذي يصونه من نفسهِ وحسبه ويحامى عنه أن يُنْتَقَضَ ويُثْلَبَ، وقال ابنُ قُتَيبةَ عرض الرَّجل نفسه لا غيرُ.

وفي «الفصيح» العرض ريح الرجل الطيِّبة أو الخبيثة، ويقال هو نقي العرض؛ أي لا يُعاب بشيءٍ، وقال ابنُ المبارك (( يحلُّ عرضه ) )يُغَلَّظُ عليه وعقوبته يُحْبَسُ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت