2289 - (حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير
ج 10 ص 555
بن فَرْقَدٍ البلخيُّ أبو السَّكْنِ، وروى مسلمٌ أيضًا عنه بواسطة، والمكيُّ بلفظ النّسبة إلى مكة شرَّفنا الله تعالى برؤيتها قال (حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) من الزيادة، وعُبَيْدٌ _ بضم المهملة على صيغة التصغير _ مولى سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة.
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) هو سَلَمَةُ بن عَمرو بن الأَكْوَعِ، ويقال سَلَمَةَ بن وَهْبِ بن الأَكْوَعِ، واسمه سنانُ بن عبد الله المدنيِّ شهد بيعة الرُّضوان تحت الشجرة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرَّات، وكان يسكنُ الرَّبذة، وكان شجاعًا راميًا، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة.
(رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كُنَّا جُلُوسًا) جمع جالس (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ) كلمة مفاجأة (أُتِيَ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، وكذلك هو في الموضعين الآخرين (بِجَنَازَةٍ) قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ لم أقف على اسم صاحب هذه الجنازةِ ولا على الذي بعده وفي رواية الحاكم من حديث جابرٍ رضي الله عنه مات رجلٌ فغسَّلناه وكفنَّاه وحنَّطناه ووضعناه حيث تُوضع الجنائز عند مقام جبريل، ثمَّ آذنَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم به.
(فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لاَ، قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا. قَالُوا لاَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا) وسيأتي بعد أربعة أبواب [خ¦2298] سبب هذا السُّؤال من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفَّى عليه الدَّين فيسأل هل ترك لدينه قضاءً، فإن حدث أنَّه ترك لدينه وفاءً صلى وإلَّا قال للمسلمين (( صلُّوا على صاحبكم ) )الحديث، وبيَّن فيه أنَّه ترك ذلك بعد أن فتحَ الله عليه الفتوح.
(ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلِّ عَلَيْهَا، قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ، قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا. ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا،
ج 10 ص 556
قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لاَ، قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، قَالُوا ثَلاَثَةُ دَنَانِيرَ) وفي حديث جابرٍ رضي الله عنه عند الحاكم ديناران، وأخرجه أبو داود من وجهٍ آخر، عن جابر رضي الله عنه نحوه، وكذا أخرجه الطَّبرانيُّ من حديث أسماء بنت يَزِيْدَ، فالتَّوفيق أنَّه كان دينارين وشطرًا فمن قال ثلاثة جبر الكسر، ومَنْ قال دينارين ألغى النِّصف أو كان أصل ذلك ثلاثة، فوفَّى الميت قبل موته دينارًا وبقي عليه ديناران فمَنْ قال ثلاثة فباعتبار الأصل، ومَنْ قال دينارين فباعتبار ما بقي من الدَّين (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ) ذكر في هذا الحديث أحوال ثلاثة وترك حالَ رابعٍ الأول لم يترك مالًا وعليه دين. الثاني عليه دينٌ وله وفاء. والثالث عليه دينٌ ولا وفاء له. والرابع لا دين عليه وله مال، وهذا حكمه أن يصلَّى عليه أيضًا، وكأنَّه لم يذكره لكونه لم يقعْ، بل لكونه كان كثيرًا.
(قَالَ أَبُو قَتَادَةَ) الحارثُ بن رِبعيٍّ الخزرجيُّ الأنصاريُّ فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦153] (صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ) وأخرج الترمذيُّ عن نفس أبي قتادة فقال حدَّثنا محمود بن غَيْلَانَ، قال ثنا أبو داود قال أنا شعبة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدِّث عن أبيه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برجلٍ ليصلِّي عليه، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( صلوا على صاحبكم فإنَّ عليه دينًا ) ). قال أبو قَتَادَةَ هو عليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بالوفاء ) )قال بالوفاء، فصلَّى عليه، وفي رواية ابن ماجه (( فقال أبو قتادة أنا أتكفَّل به ) )، وفي رواية أبي داود (( هما علي يا رسول الله ) )، وفي رواية الدَّارَقُطْنيِّ (( فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هما عليك ) ). وفي رواية مالك (( وحقُّ الرجل عليك والميت منهما برئ ) )قال نعم، فصلَّى عليه
ج 10 ص 557
وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي أبا قتادة يقول (( ما صنعتَ في الدَّينارين ) )حتَّى كان آخر ذلك قال قد قضيتُهما يا رسول الله، قال (( الآن حين بردتْ عليه جلده ) )، وفي رواية الطَّبرانيِّ من حديث أسماء بنت يزيد (( فقال على صاحبكم دين؟ قالوا ديناران، قال أبو قتادة أنا بدينه يا رسول الله ) ).
وروى الدَّارَقُطْنيُّ من حديث ابن عيَّاش، عن عطاء بن عَجْلانَ، عن أبي إسحاق، عن عامر بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أُتِيَ بجنازةٍ لم يسأل عن شيءٍ من عمل الرَّجل أو يسأل عن دِيْنِهِ، فإن قيل عليه دين كفَّ، وإن قيل ليس عليه دَيْنٌ صلَّى، فأتي بجنازةٍ، فلمَّا قام ليكبِّر سأل هل عليه دَين؟ قالوا ديناران، فعدل عنه وقال (( صلُّوا على صاحبكم ) ). فقال عليٌّ رضي الله عنه هما عليَّ وهو بريءٌ منهما فصلَّى عليه، ثمَّ قال لعليٍّ رضي الله عنه (( جزاك الله خيرًا، وفكَّ الله رهانك كما فككَتَ رهان أخيك، إنَّه ليس من ميِّتٍ يموت وعليه دينٌ إلَّا وهو مرتهنٌ بدينه، ومَنْ فكَّ رهان ميِّتٍ فكَّ الله رهانه يوم القيامة ) ). فقال بعضهم هو لعليٍّ خاصَّة أم للمسلمين عامَّة؟ قال (( بل للمسلمين عامَّة ) )، ورُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه نحوُه، وفيه أنَّ عليًّا قال أنا ضامنٌ لدينه. وفي رواية الطَّحَاوِيِّ من حديث شَرِيكٍ عن عبد الله بن محمد بن عَقِيْلٍ قال إنَّ رجلًا مات وعليه دينٌ فلم يصلِّ عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم حتَّى قال أبو اليسر أو غيره هو عليَّ فصلَّى عليه، فجاءَهُ من الغد يتقاضاهُ، فقال أما كان ذلك أمس، ثمَّ أتاه من بعد الغدِ فأعطاه، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الآن بردتْ عليه جلدته ) ).
وفي هذا الحديث إشعارٌ بصعوبةِ أمر الدَّين فإنَّه لا ينبغي تحمُّله إلَّا عن ضرورة، وفي الحديث الكفالة عن الميت، قال ابن بَطَّالٍ اختلف العلماء فيمن تكفَّل عن ميِّتٍ بدينٍ فقال ابن أبي ليلى ومحمد وأبو يوسف والشافعيُّ الكفالة جائزةٌ عنه وإن لم يترك الميت شيئًا،
ج 10 ص 558
ولا رجوع له في مال الميت؛ لأنَّه مقطوعٌ. وقال مالك له أن يرجعَ في ماله إن قال إنما أدَّيت لأرجع في مال الميِّت وإن لم يكن للميت مال، وعلم الضَّامن بذلك فلا رجوعَ له إن ثاب للميِّت مال، قال ابنُ القاسم لأنَّه بمعنى الهدية.
وقال أبو حنيفة إن لم يترك الميِّتُ شيئًا فلا تجوز الكفالة، وإن ترك جازت بقدر ما ترك، وقال الخَطَّابيُّ فيه أنَّ ضمان الدَّين عن الميِّت يبرئه إذا كان معلومًا سواء خلَّف الميت وفاء أو لم يخلف، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما امتنع عن الصلاة لارتهان ذمَّته بالدَّين، فلو لم يبرأ بضمان أبي قتادة لَمَا صلَّى عليه، والعلَّة المانعة قائمة، وفيه فساد قول مالك أنَّ المؤدِّي عنه الدين يملكه أوَّلًا عن الضامن؛ لأنَّ الميت لا يملك، ثمَّ إنَّه إنما كان هذا قبل أن يكون للمسلمين بيت مال إذ بعده كان القضاء عليه.
وقال القاضي البيضاويُّ لعلَّه صلى الله عليه وسلم امتنع عن الصَّلاة على المديون الذي لم يترك وفاء تحذيرًا عن الدَّين وزجرًا عن المماطلة، أو كراهة أن يوقفَ دعاؤه عن الإجابة بسبب ما عليه من مظلمة الحقِّ.
وقال الكرْمانيُّ الحديث حجَّةٌ على أبي حنيفة حيث قال لا يصحُّ الضَّمان عن الميت إذا لم يترك وفاء، وقال ابنُ المُنذر وخالف أبو حنيفة، الحديث.
قال العَيْنِيُّ هذا إساءة الأدبِ وحاشا أبو حنيفة أن يخالفَ الحديث الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وقوفه عليه، وكان الأدب أن يقول تركُ العمل بهذا الحديث إمَّا؛ لأنَّه لم يثبت عنده، أو لم يقفْ عليه أو ظهرَ عنده نسخه.
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي يأتي بعد أربعة أبواب [خ¦2298] يدلُّ على النَّسخ وهو قوله (( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفِّي من المؤمنين فترك دينًا فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته ) ). وفي رواية أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مَنْ ترك كلاًّ فإليَّ، ومن ترك مالًا فللوارث ) ).
ج 10 ص 559
قال أبو بِشْرٍ يونس بن حبيب سمعتُ أبا الوليد يقول هذا نسخ تلك الأحاديث التي جاءت في ترك الصَّلاة على مَنْ عليه دينٌ، وقال أبو بكر عبد الله بن أحمد الصَّفَّار ثنا محمد بن الفضل الطَّبريُّ ثنا عبد الرَّحمن المَخْزوميُّ أنا محمد بن بُكَيْرٍ الحضرميُّ ثنا خالد بن عبد الله، عن حسين بن قَيْسٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عباس رضي الله عنهما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يصلِّي على مَنْ ماتَ وعليه دين، فمات رجلٌ من الأنصار فقال (( عليه دين؟ ) )قالوا نعم، فقال (( صلوا على صاحبكُم ) )فنزل جبريلُ عليه السلام فقال إنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول إنَّما الظَّالم عندي في الدُّيون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية، فأمَّا المتعفِّف ذو العيال فأنا ضامنٌ أن أؤدِّي عنه فصلَّى عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم وقال بعد ذلك (( مَنْ تركَ ضياعًا أو دينًا فإليَّ أو عليَّ، ومَنْ تركَ ميراثًا فلأهله وصلى عليهم ) ).
وقال القرطبيُّ التزامه صلى الله عليه وسلم بدين الموتى يحتمل أن يكون تبرُّعًا على مُقْتضى كرم أخلاقه صلى الله عليه وسلم لا أنَّه أمرٌ واجبٌ عليه. قال وقال بعضُ أهل العلم يجبُ على الإمام أن يقضيَ من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، فإنَّه قد صرَّح بوجوب ذلك عليه حيث قال فعليَّ قضاؤه، ولأنَّ الميت المديون يعذَّب في قبره على ذلك الدَّين لقوله صلى الله عليه وسلم (( الآن حين بردتْ جلدته ) )، فكما أنَّ على الإمام أن يراعي مصلحته الدُّنيويَّة فالأخروية أولى، وقال ابن بَطَّالٍ فإن لم يُعْطِ الإمام عنه شيئًا وقع القصاص منه في الآخرة ولم يحبس الميت عن الجنة بدينٍ له مثله في بيت المال إلَّا أن يكون دينه أكثر ممَّا له في بيت المال.
وفي «شرح المهذب» قيل إنَّه صلى الله عليه وسلم كان يقضيه من بيت المال، وقيل من ماله، وقيل كان هذا القضاء واجبًا عليه، وقيل لم يصلِّ عليه؛ لأنَّه لم يكن للمسلمين يومئذٍ بيت مالٍ، فلمَّا فتح الله عليهم وصارَ لهم بيت مال صلَّى على مَنْ مات وعليه دين ويوفيه منه.
والحديث أخرجهُ البخاريُّ في (( الكفالة ) ) [خ¦2295]
ج 10 ص 560
والنسائيُّ في (( الجنائز ) )أيضًا.