2296 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المَدينيِّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيَنية، قال (حَدَّثَنَا عَمْرٌو) أي ابن دينار، أنَّه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ) بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وقد سمع عَمرو بن دينار من جابر رضي الله عنه، وربَّما أدخلَ بينه وبينه واسطة، ولسفيان في هذا الحديث إسنادٌ آخر، سيأتي بيانه في فرض (( الخمس ) ) [خ¦3137] .
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أنَّه(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قَدْ جَاءَ
ج 10 ص 574
مَالُ الْبَحْرَيْنِ)أي لو تحقَّق مجيء مال البحرين، والمراد بالمال مالُ الجزية، كما سيأتي بيانه في (( المغازي ) ) [خ¦4383] ، والبحرين على لفظ التَّثنية موضع بين البصرة وعمان، وكان العامل عليها من جهة النَّبي صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرميِّ، كما سيأتي في باب إنجاز (( الوعد ) )، من كتاب (( الشَّهادات ) )في حديث جابر رضي الله عنه هذا [خ¦2683] .
(قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا) وفي الشَّهادات (( فبسط يديه ثلاث مرَّات ) )، وبهذا تظهر مناسبة قوله في آخر هذا الحديث (( فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال خذ مثليها ) ) (فَلَمْ يَجِئْ مَالُ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي انتقل إلى جوار رحمة الله تعالى.
(فَلَمَّا جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَنَادَى مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ) أي وعد، وأصل عِدَة وعد، فلمَّا حذفت الواو عوِّضت عنها التاء في آخره، فوزنه على هذا علة (أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً) بفتح الحاء المهملة، ملئ الكفِّ. وقال ابنُ قُتَيبة هي الحفنة، وقال ابنُ فارس هي ملئ الكفَّين، والفاء في فحثى عطف على محذوفٍ خذ هكذا، وأشار بيديه، وهو في الواقع تفسير لقوله (( خذ هكذا ) ).
(فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ خُذْ مِثْلَيْهَا) أي وقال أبو بكر رضي الله عنه خذ أيضًا مثلي خمسمائة، فالجملة ألف وخمسمائة. وذلك؛ لأنَّ جابرًا رضي الله عنه لَمَّا قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم لي كذا وكذا، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم قال له (( لو قد جاء مالُ البحرين أعطيتُك هكذا وهكذا وهكذا ) )ثلاث مرَّات حثى له أبو بكر رضي الله عنه حثيةً، فجاءت خمسمائة ثمَّ قال (( خذ مثليها ) )ليصير ثلاث مرَّات تنفيذًا؛ لِمَا وعده النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكان من خلقه صلى الله عليه وسلم الوفاء بالوعد، فنفَّذه أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
وقال الحافظُ العَسْقَلاني وفيه قبولُ خبر الواحد العدل من الصَّحابة رضي الله عنهم، ولو جرَّ ذلك
ج 10 ص 575
نفعًا لنفسه؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه لم يلتمسْ من جابر رضي الله عنه شاهدًا على صحَّة دعواه. ويحتمل أن يكون أبو بكر رضي الله عنه علم بذلك فقضى له بعلمهِ، فيستدلُّ على جواز مثل ذلك للحاكم، انتهى.
وقال العَيْنِيُّ إنَّما لم يلتمس شاهدًا منه؛ لأنَّه عدل بالكتاب والسنَّة، أمَّا الكتاب فقوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران 110] {كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة 143] فمثل جابر رضي الله عنه إن لم يكن من خير أمة فمن يكون، وأمَّا السنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم (( من كذب عليَّ متعمِّدًا ) )الحديث، ولا يظنُّ ذلك لمسلم فضلًا عن صحابي، فلو وقعت هذه المسألة اليوم فلا يقبل إلَّا ببيِّنة.
وأمَّا علم القاضي ففيه تفصيل وليس على الإطلاق، فإن علم القاضي بشيء على أنواع
منها ما يعلم به قبل البلوغ وقبل الولاية من الأقوال التي يسمعها، والأفعال التي يشاهدها. ومنها ما يعلمه بعد البلوغ قبل الولاية. ومنها ما يعلمه بعد الولاية، ولكن في غير عمله الذي وليه. ومنها ما يعلمه بعد الولاية في عمله الذي وليه، ففي الفصل الأوَّل لا يقضي بعلمه مطلقًا. وفي الفصل الثَّاني خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه فعند أبي حنيفة لا يقضي. وعندهما يقضي إلَّا في الحدود والقصاص. وعن الشَّافعي قولان، وفي الثَّالث لا يقضي أيضًا، وفي الرَّابع يقضي بلا خلاف.
وقال ابن التِّين في هذا الحديث جواز هبة المجهول. وعند مالك فيه قولان والمشهور جوازه، وفي «الجواهر» للمالكيَّة وتصحُّ هبة المجهول والآبق والكلب.
وفي «حاوي الحنابلة» وتصحُّ هبة المشاع وإن تعذَّرت قسمته. وفي «الرَّوضة» للشَّافعية يجوز هبة المشاع سواء المنقسم وغيره، وسواء هبته للشَّريك أو غيره، ويجوز هبة الأرض المزروعة مع زرعها ودون زرعها وعكسه، انتهى.
وعندنا لا تجوز الهبة فيما يقسم إلَّا محوزة؛ أي مفرغة عن أملاك الواهب حتَّى لا تصحَّ هبة الثمر على الشَّجر والزَّرع في الأرض بدون الشَّجر والأرض، وكذا العكس، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة.
وفيه أيضًا العِدَة وفي إنجازها خلاف، فجمهور العلماء منهم أبو حنيفة والشَّافعي وأحمد
ج 10 ص 576
على أنَّ إنجاز الوعد مستحبٌّ، وأوجبه الحسن وبعض المالكيَّة، وقد استدلَّ بعض الشَّافعية بهذا الحديث على وجوب الوفاء بالوعد في حقِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، وزعموا أنَّه من خصائصه، ولا دَلالة في سياقه على الوجوب ولا على الخصوصيَّة، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ أبا بكر رضي الله عنه لمَّا قام مقام النَّبي صلى الله عليه وسلم تكفَّل بما كان عليه من واجب أو تطوُّع، فلمَّا التزم ذلك لزمه أن يوفِّيَ جميع ما عليه من دين أو عِدة، وكان صلى الله عليه وسلم يحبُّ الوفاء بالوعد فنفذه أبو بكر رضي الله عنه، ولو كان له الرُّجوع للزم خلاف مقصوده، وهو براءةُ ساحة رسول الله صلى الله عليه وسلم من حقوق النَّاس.
هذا والحديث أخرجه المؤلِّف في (( الخمس ) ) [خ¦3137] ، وفي (( المغازي ) ) [خ¦4383] ، وفي (( الشَّهادات ) )أيضًا [خ¦2683] . وأخرجه مسلم في (( فضائل النَّبي صلى الله عليه وسلم ) ).