2297 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ) هو يَحيى بنُ عبد الله بن بُكَيْرٍ أبو زكريا المخزوميُّ، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سَعْد، فقيه مصر (عَنْ عُقَيْلٍ) بضم العين، هو ابنُ خالد، أنَّه قال (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم بن شهاب الزُّهريُّ (فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام، فيه حذف إذ قوله فأخبرني، عطف على مقدر تقديره قال ابن شهاب أخبرني كذا وكذا، وعقيب ذلك أخبرني بهذا.
(أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ) أي لم أعرفهما تعني ما وجدتهما منذ عقلتُ (إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) أي في حال من الأحوال إلَّا حال كونهما متدينين بدين الإسلام.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) يريد البخاريُّ نفسَه (وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ) اختلف في اسمه، فقال أبو نُعَيم والأَصِيْلِيُّ والجَيَانيُّ وآخرون إنَّه سليمان بن صالح، ولقبه سلمُويَه. وقال الإسماعيليُّ هو أبو صالح عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث، وشيخه على هذا هو ابنُ وَهْبٍ.
وقال الدِّمياطي هو أبو صالح مَحْبوب بن موسى الفرَّاء الأَنطاكيُّ، ولم يذكر لذلك مستندًا، ولم يسبقه أحد إلى عدِّ مَحْبوب بن موسى في شيوخ البخاري، قيل المعتمدُ هو الأوَّل؛ لأنَّه وقع في رواية
ج 10 ص 577
ابن السَّكن عن الفِرَبري عن البخاري قال قال أبو صالح سلمُويَه حدَّثنا عبد الله بن المبارك.
(حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك (عَنْ يُونُسَ) هو ابنُ يَزِيدَ الأَيْليِّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ) بتشديد الطاء المضمومة للنفي في الماضي تقول ما رأيته قط، وقال أبو علي وقد تُسَكَّن إذا كانت بمعنى التَّقليل نحو ليس عندي إلَّا هذا فقط، ويُضم ويثقَّل إذا كانت في معنى الزَّمن والحين من الدَّهر تقول لم أر هذا قط.
(إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) أي يُطيعان الله، وذلك أنَّ مولدها بعد البعث بسنتين، وقيل بخمس، وقيل بسبع ولا وجه له لإجماعهم إنها كانت حين هاجر النَّبي صلى الله عليه وسلم بنت ثمان، وأكثر ما قيل أنَّ مقامه بمكَّة بعد المبعث ثلاث عشرة سنة، وتزوَّجها وهي بنت ستٍّ، وقيل سبع، وبنى بها وهي بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة، وعاشت بعده ثمانيًا وأربعين سنة.
(وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلاَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ) أي بإيذاء المشركين (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (مُهَاجِرًا قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (الْحَبَشَةِ) قال الأَزْهريُّ أصل المهاجرة عند العرب خروج البدويِّ من البادية إلى المدن، يقال هاجر البدوي إذا حَضَرَ وأقام، كأنَّه ترك الأولى للثَّانية (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْعِمَادِ) بفتح الموحدة على الأكثر، ويُرْوَى بكسرها وبسكون الراء وبالكاف. وفي «المطالع» وبكسر الباء وقع للأَصَيْلِيِّ والمستمليِّ وأبي محمَّد الحمُّوييِّ قال وهو موضع بأقاصي هجر. والعِماد _ بكسر العين المهملة وضمها _، كذا ذكره ابن دريد. وفي «معجم البكريِّ» قال أحمد بن يعقوب الهمدانيُّ برك العماد في أقصى اليمن. قال أبو محمَّد برك ونعام موضعان في أطراف اليمن. وقال الهجري برك من اليمامة، وقيل إنَّ البرك والبريك مصغرًا لبني هلال بن عامر. وقال الجوهريُّ البرك
ج 10 ص 578
بوزن القرد، اسم مكان بناحية اليمن، وعامد حيٌّ من اليمن، وعمدان قصر باليمن.
(لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ) قال الغسَّانيُّ هو بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة وخفة النون على وزن الكَلِمَة. ويقال بضم الدال والغين وبتشديد النون وبالوجهين روِّيناه في «الجامع الصَّحيح» . ويقال بفتح الدال وسكون الغين.
وفي «المطالع» عند المروزيَّ بفتح الدال وبفتح الغين. قال الأصيليُّ كذا قرأه لنا. وعند القابسيِّ بفتح الدال وكسر الغين وتخفيف النون، وحكى الجيانيُّ فيه الوجهين. ويقال ابن الدَّثْنَة، وتسكن الثاء أيضًا. والدَّغِنَةِ اسم أمه، ومعناه لغة الغيم الممطر. والدَّثْنةِ الكثيرة اللحم المسترخية.
وقال ابن إسحاق واسمه رَبيعةُ بن رُفَيع.
(وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ) بالقاف وتخفيف الراء، قبيلةٌ موصوفةٌ بجودة الرَّمي. وفي «المطالع» القارة بنو الهون بن خزيمة بن مُدْركةَ بن إلياسَ بن مُضَر، سمُّوا بذلك لأنَّهم في بعض حربهم لبني بكر صفوا في قارة، وقال ابن دُرَيْدٍ القارة أكمة سوداء فيها حجارة.
(فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ) أي أنَّ أسير يقال ساح في الأرض يسيح سياحة، إذا ذهب فيها، وأصله من السَّيح وهو الماءُ الجاري المنبسط على الأرض (فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ) على البناء للفاعل.
(وَلاَ يُخْرَجُ) على البناء للمفعول (فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) أي تكسب مؤنة الفقير، وتحقيقه مرَّ في كتاب (( الإيمان ) ) [خ¦3] (وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام، هو الثقل؛ أي ثقل العجزة، كذا فسَّره الكرمانيُّ. وفي «المغرب» الكَلُّ اليتيم، ومن هو ثقل على صاحبه.
(وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح التاء، من قَرَى يَقْرِي، من باب ضرب يضرب، تقول قريته قِرًى مثل قليته قِلًى وقَراءً أحسنت إليه، إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت.
وفي «المطالع» القِرى _ بالكسر مقصورًا _ ما يُهيأ للضَّيف من نُزل وطعام، وقال القَاليُّ إذا فتحْتَ أوله مددْتَ.
ج 10 ص 579
(وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) النَّوائب جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان؛ أي ينزل به من المهمات والحوادث، من نابه يَنْوبه شيءٌ، إذا نزل به واعتراه (وَأَنَا لَكَ جَارٌ) أي مجيرٌ، وفي «الصّحاح» الجار الذي أجرته من أن يظلمه ظالمٌ، وقال تعالى {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال 48] والمعنى هنا أنا مؤمِّنك ممَّن أخافك منهم.
وفي «المغرب» أجاره يُجِيره إجارة إغاثة، والهمزة للسَّلْب، والجار المجير والمجار.
(فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) وكأنَّ القياس أن يقال رجع أبو بكر معه عكس المذكور، ولكن هذا من باب إطلاق الرُّجوع وإرادة لازمه الذي هو المجيء، أو هو من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان راجعًا أو أطلق الرُّجوع باعتبار ما كان قبله بمكَّة.
(فَطَافَ) أي ابن الدَّغِنَةِ (فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) أي ساداتهم وهو جمع شريف، وشريف القوم سيِّدهم وكبيرهم (فَقَالَ لَهُمْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ) بضم التاء من الإخراج، والهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار (رَجُلًا يُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَأَنْفَذَتْ) بالذال المعجمة (قُرَيْشٌ) أي أمضوا (جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ) ورضوا به (وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ) أي جعلوه في أمن ضدُّ الخوف (وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ مُرْ) أمر من أَمَر يَأْمر (أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ) أي إذا قبل ما نشترط عليه فليعبد ربَّه في داره (فَلْيُصَلِّ، فَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلاَ يُؤْذِينَا بِذَلِكَ) أي بما ذكر من الصَّلاة والقراءة.
(وَلاَ يَسْتَعْلِنْ بِهِ) أي بما ذكر به، والاستعلان الجهر، والمراد الجهر بدينه وصلاته وقراءته (فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ) بفتح الياء وكسر المثناة الفوقية، من الفتنة، يقال فَتَنْتُهُ أَفْتَنهُ فَتْنًَا وفَتُونًَا، ويقال أَفْتَنْتُهُ، وهو قليل، والفتنة تستعمل في معان كثيرة، وأصلها الامتحان، والمراد هنا أن يخرجَ أبناءهم ونساءهم ممَّا فيه من الضَّلال إلى الدِّين.
وقوله
ج 10 ص 580
(أَبْنَاءَنَا) منصوب مفعول لقوله أن يفتن (وَنِسَاءَنَا) عطف عليه (قَالَ) أي ابن الدَّغِنَةِ (ذَلِكَ) أي ما شرطت أشراف قريش عليه (لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) بكسر الفاء يقال طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل كذا، وهو من أفعال المقاربة، ولكنَّه من النَّوع الذي يدلُّ على شروع فيه، ويعمل عمل كان.
وقال صاحب «التوضيح» يقال طفق يفعل كذا مثل ظلَّ. وتعقَّبه العَيْنِيُّ بأنَّه ليس كذلك؛ لأن ظلَّ من الأفعال النَّاقصة، فافهم.
وقال صاحب «الأفعال» طفق بالشَّيء طفوقًا، إذا أدام فعله ليلًا ونهارًا، ومنه قوله تعالى {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ} [ص 33] الآية، وفيه نظر.
(يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلاَ يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلاَةِ، وَلاَ الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ) أي ظهر له رأي في أمره؛ بخلاف ما كان يفعله (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء، هو ما امتدَّ من جوانب الدَّار، وهو أوَّل مسجد بني في الإسلام، قاله أبو الحسن. وقال الدَّاوديُّ وبهذا يقول مالك وفريق من العلماء أنَّ من كانت لداره طريق متَّسع له أن يرتفقَ منها بما لا يضر بالطَّريق.
(وَبَرَزَ) أي ظهر من البروز (فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ) أي في المسجد الذي بناه بفناءِ داره (وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ) أي يزدحم حتى يكسر بعضهم بعضًا بالوقوع عليه، وأصل القصف الكسر، ومنه ريح قاصفة؛ أي شديدة تكسر الشَّجر (نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (رَجُلًا بَكَّاءً) مبالغة باك، من البكاء.
(لاَ يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ) من الفزع وهو الخوف (ذَلِكَ) أي ما فعله أبو بكر رضي الله عنه من قراءة القرآن جهرًا وبكائه، وذلك فاعل أفزع، ومفعوله قوله (أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ) أي ما شرطنا عليه(فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ
ج 10 ص 581
الصَّلاَةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلاَّ أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ)أي وإن امتنع إلَّا أن يجهر بما ذكر من الصَّلاة وقراءة القرآن.
(فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ) أي عهدك (فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ) بضم النون وسكون الخاء المعجمة وبالفاء، من الإخفار _ بكسر الهمزة _ وهو نقض العهد، يقال خفرته إذا أجرته وحميته، وأخفرته إذا نقضت عهده ولم تف به، والهمزة فيه للسَّلب.
(وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلاَنَ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ) على البناء للمفعول (فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّىَ أَرُدُّ إليْكَ جِوارَكَ، وأرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ) أي بحماه (وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُرِيتُ) على صيغة المجهول.
(دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً) بفتح السين المهملة وسكون الموحدة وفتح الخاء المعجمة، وهي الأرض تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت شيئًا إلَّا بعض الشَّجر (ذَاتَ نَخِيلٍ) وفي نسخة (بَيْنَ لاَبَتَيْنِ) تثنية لابة بالتَّخفيف، وهي أرضٌ فيها حجارة سود كأنَّها احترقت بالنَّار، وكذلك الحَرَّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء.
(وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جهة (الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُهَاجِرًا) أي حال كونه طالبًا للهجرة من مكَّة.
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء؛
ج 10 ص 582
أي على هينتك من غير عجلةٍ، يقال افعل كذا على رسلك؛ أي اتئد. وفي «التَّوضيح» الرَّسل _ بفتح الراء _ السَّير السَّهل، وضبطه في الأصل _ بكسر الراء _، وفي بعض الرِّاويات بفتحها.
(فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي) على بناء المجهول، من الإذن (قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ) أي مفدَّى بأبي أنت، وقيل أن قوله أنت تأكيد لفاعل ترجوا وبأبي قسم (قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ) بفتح السين المهملة وضم الميم. قال الكرمانيُّ شجر الطَّلح. وقال ابن الأثير هو ضربٌ من شجر الطَّلح، الواحد سَمُرَةَ. وفي «المغرب» السَّمَر من شجرة العَضَاهِ، وهو كلُّ شجرٍ يطعم وله شوك، وهو على ضربين خالصٌ وغير خالص. فالخالصُ الغرف والطَّلْح والسَّلَم والسِّدْر والسَّيَال والسَّمَر واليَنْبوت والقَتَاد الأعظمُ والكَنَهْبُل والغَرَب والعَوْسَج، وما ليس بخالصٍ فالشَّوْحَط والنَّبْع والشِّرْيان والنَّشَم والعُجْرُم والتَّأْلَب. وواحد العضاهِ عِضَهَةٌ وعِضَاهَةٌ وعِضَةٌ، بحذف الهاء الأصلية.
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وفي الحديث جواز الجوار، وكان معروفًا بين العرب، وكان وجوه العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه أنَّه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم فإنَّه مباح له أن يستجيرَ بمن يمنعه ويحميه من الظُّلم، وإن كان مجيره كافرًا إن أراد الأخذ بالرُّخصة، وإن أراد الأخذ بالعزيمة فله ذلك كما ردَّ الصِّدِّيق الجوار ورضي بجوار الله رسوله، والصِّدِّيق رضي الله عنه كان يومئذٍ من المستضعفين فآثر الصَّبر على ما ناله من الأذى محتسبًا على الله واثقًا به، فوفَّاه الله ما وثقَ به ولم ينله مكروهًا حتَّى أذن له في الهجرة، فخرج مع حبيبه صلى الله عليه وسلم ونجَّاهما الله تعالى من كيدِ أعدائهما حتَّى بلغَ مراده من الله تعالى
ج 10 ص 583
من إظهار النبوَّة وإعلاء الدِّين.
وفيه ما كان للصِّدِّيق رضي الله عنه من الفضل والصِّدق في نصر رسولهِ وبذله نفسه وماله في ذلك ما لم يَخْفَ مكانه ولا جهل موضعه. وفيه أنَّ كلَّ من ينتفع بإقامته لا يخرج من بلده، ويمنع منه إن أرادهُ حتَّى قال محمَّد بن سلمة إنَّ الفقيه ليس له أن يغزوَ إلَّا أن يكون ثَمَّةَ من ينوب منابه، ويوجد من يقومُ مقامه في التَّعليم، ويمنع من الخروج إن أرادهُ، واحتجَّ بقوله تعالى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} [التوبة 122] الآية.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة على ما قاله شارح التَّراجم أنَّ المجيرَ ملتزمٌ للجار أن لا يُؤْذَى من جهة مَنْ أجارَ منه، وكأنَّه ضمنَ له أن لا يُؤْذَى وأن تكون العُهدة في ذلك عليه، وبهذا يحصلُ الجواب عمَّا قيل كان المناسب أن يذكرَ هذا في كفالة الأبدان، كما ناسب {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء 33] في كفالة الأموال، والله أعلم.