فهرس الكتاب

الصفحة 3591 من 11127

2301 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن يَحيى بن عمرو، أبو القاسم القرشيُّ العامريُّ الأُوَيسيُّ (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يُوسُفُ بْنُ الْمَاجشُونِ) هو يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سَلَمة، والماجشون _ بضم الجيم وكسرها _ هو لقب يعقوب، وهو لفظٌ فارسيٌّ، ومعناه المورد، وله حكايةٌ غريبةٌ في «تاريخ القاضي ابن خلكان» .

(عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) القرشيِّ يُكَنَّى أبا عمرو، مات بالمدينة (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن عبد الرَّحمن القرشيِّ، يُكَنَّى أبا إسحاق، وقيل أبا محمَّد، تُوُفِّي سنة ست وتسعين.

(عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) هو أبو محمَّد القرشي أحد العشرة المشهود لهم بالجنَّة، تُوُفِّي سنة اثنتين وثلاثين ودُفِنَ بالبَقيع، أنَّه (قَالَ كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) أي كتبت بيني وبينه (كِتَابًا) وفي رواية الإِسماعيليِّ (( عاهدت أميَّةَ بن خَلَف وكاتبته ) ).

وأُمَيَّة _ بضم الهمزة وفتح الميم المخففة وتشديد المثناة التحتية _ ابن خَلَف _ بالخاء واللام المفتوحتين _ ابن وَهب بن حُذافة بن جُمَح بن عمرو بن هُصَيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر.

قال علماء السِّيَر كان أميَّةُ بن خَلَف الجُمحيُّ أشدَّ النَّاس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء يومًا بعظم نُخِرَ ففتَّه في يده وقال يا محمَّد! تزعم أنَّ ربَّك يُحيي هذا، ثمَّ نفخه فطار، فأنزل الله تعالى {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس 78] .

(بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّة، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ في ِالْمَدِينَةِ) وفي نسخة ، والصَّاغية _ بالصاد المهملة والغين المعجمة _ هي المال، وقيل الحاشية يقال صاغية الرَّجل حاشيته.

وقال ابن الأثير الصَّاغية خاصية الإنسان والمائلون إليه، ذكره في تفسير هذا الحديث مأخوذٌ من صغا إليه إذا مال.

وقال الأَصمعيُّ صاغية الرَّجل

ج 11 ص 3

كل من يميل إليه ويُطْلَق على الأهل والمال، وعن القَزَّاز صاغية الرَّجل أهله يقال أكرموا فلانًا في صاغيته؛ أي في أهله.

وقال الهرويُّ خالصته، وقال الكِرَمانيُّ هم القوم الذين يميلون إليه ويأتونه؛ أي أتباعه وحواشيه، فعلى هذا يكون الصَّاغية مشتقَّة من صغيت إلى فلان؛ أي ملت بسمعي إليه.

ومنه قوله تعالى {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ} [الأنعام 113] ، ومنه أيضًا كان يصغي إليه الإناء؛ أي يُميله إليه ليسهل عليه الشُّرب منه.

وقال ابن التِّين ورواه الدَّاودي ظاعنتي _ بالظاء المشالة المعجمة والعين المهملة بعدها نون _، ثمَّ فسَّره بأنَّه الشَّيء الذي يسفر إليه، قال ولم أَرَ هذا لغيره.

(فَلَمَّا ذَكَرْتُ الرَّحْمَنَ قَالَ لاَ أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ) قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ أي لا أعترف بتوحيده، وتعقَّبه العَينيُّ بأنَّ الذي فسَّره به ليس معنى قوله (( لا أعرف الرَّحمن ) )وإنَّما معناه لمَّا كتب إليه ذكر اسمه عبد الرَّحمن فقال لا أعرف الرَّحمن الذي جعلت نفسك عبدًا له.

ألا ترى أنَّه قال (كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وكان اسمه في الجاهليَّة عبد عمرو (فَكَاتَبْتُهُ عَبْدُ عَمْرٍو) وقيل كان اسمه في الجاهليَّة عبد الكعبة، فسمَّاه النَّبي صلى الله عليه وسلم عبد الرَّحمن.

وقال صاحب «التوضيح» معناه لا أعبد مَنْ تعبده وهذه حَمِيَّة الجاهليَّة، ونظيره أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا كتب يوم الحديبية بسم الله الرحمن الرحيم قالوا لا نعرف الرَّحمن اكتب باسمك اللَّهمَّ.

وزاد ابن إسحاق في حديثه أنَّ أُميَّة بن خَلَف كان يسمِّيه عبد الإله.

(فَلَمَّا كَانَ) أي وُجِدَ أُميَّة (فِي يَوْمِ بَدْرٍ) يعني غزوة بدر، وكانت يوم الجمعة السَّابع عشر من رمضان في السَّنة الثَّانية، قاله عروةُ بن الزُّبير وقَتادةُ والسُّديُّ وأبو جعفرٍ الباقرُ، وقيل غير ذلك، ولكن لا خلاف أنَّها في السَّنة الثَّانية من الهجرة، وبدر بئر لرجل كان يُدْعَى بدرًا، قاله الشَّعبي.

وقال البَلاذِريُّ بدر ماء لخالد بن النَّضر بينه وبين المدينة ثمانية بُرْدٍ.

ج 11 ص 4

(خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ) بضم الهمزة من الإحراز؛ أي لأحفظه، وقال الِكَرمانيُّ لأحوزه من الحيازة؛ أي الجمع، وفي بعضها من الحرز؛ أي الضَّبط والحفظ، وفي بعضها من التَّحويز؛ أي التَّبعيد.

(حِينَ نَامَ النَّاسُ) أي حين رقدوا وأراد من ذلك اغتنام غفلتهم ليصون دمه (فَأَبْصَرَهُ بِلاَلٌ) أي أبصر أُميَّةَ بلالُ بنُ حمامةَ رضي الله عنه.

(فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ) أي بلال رضي الله عنه (أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ) بالنصب على الإغراء؛ أي الزموا أُميَّة بن خَلَف، وفي رواية أبي ذَرٍّ بالرفع على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا أميَّة.

(لاَ نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ) إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أُميَّة كان يعذِّب بلالًا بمكَّة عذابًا كثيرًا لأجل إسلامه، وكان يخرجه إلى الرَّمضاء إذا حميت فيُضجعه على ظهره ثمَّ يأخذ الصَّخرة العظيمة، فيضعها على صدره ويقول لا تزال هكذا حتَّى تفارق دين محمَّد فيقول بلالٌ أحدٌ أحدٌ (فَخَرَجَ مَعَهُ) أي مع بلال (فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِه) وكان قد استصرخ بالأنصار وأغراهم على قتله.

(فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ) أي ابن أُميَّة، واسمه علي، سمَّاه ابن إسحاق في روايته في هذه القصَّة من وجهٍ آخر (لأَشْغَلَهُمْ) بفتح الهمزة، من الشُّغل لا من الإشغال، يعني ليشتغلوا به عن أبيه أُميَّة (فَقَتَلُوهُ) أي ابنه.

قال عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه فكنت بين أُميَّة وابنه آخذٌ بأيديهما فلمَّا رآه بلال صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أُميَّة بن خًلف، فأحاطوا بنا وأنا أذبُّ عنه، فضرب رجل ابنه بالسَّيف فوقع وصاح أُميَّة صيحةً ما سمعت مثلها قط، قلت أنجِ نفسك فوالله لا أُغني عنك شيئًا.

(ثُمَّ أَبَوْا) من الإباء، بمعنى الامتناع، ويُرْوَى من الإتيان (حَتَّى يَتْبَعُونَا وَكَانَ) أُميَّة (رَجُلًا ثَقِيلًا) أي ضخمًا (فَلَمَّا أَدْرَكُونَا) أي قال عبد الرَّحمن؛ أي لمَّا أدركنا الأنصار وبلال معهم.

(قُلْتُ لَهُ) أي لأُميَّة (ابْرُكْ) أمرٌ من البُرُوك (فَبَرَكَ فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ) منهم (فَتَجَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ)

ج 11 ص 5

بالجيم؛ أي غَشَوه بها، هكذا في رواية الأَصِيليِّ وأبي ذَرٍّ، وفي رواية غيرهما بالخاء المعجمة؛ أي أدخلوا أسيافهم خلاله.

(مِنْ تَحْتِي حَتَّى قَتَلُوهُ) أي حتَّى وصلوا إليه وطعنوه بها من تحتي، من قولهم خلَّلته بالرُّمح واختللتُه، إذا طعنته به، ووقع في رواية المُستَملي بلام واحدة مشددة، والذي قتل أُميَّةَ رجلٌ من بني مازن.

وقال ابن هشام ويقال قتله مُعاذ بن عَفْراء وخارجة بن زيد وحبيب بن إِساف اشتركوا في قتله، والذي قتل عليَّ بن أميَّة عمَّارُ بن ياسرٍ رضي الله عنه ولمَّا قتلوه قال أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أبياتًا منها

~هَنِيئًا زادَكَ الرَّحمنُ فَضْلًا فقَدْ أَدْركتَ ثَأركَ يَا بِلالُ

(وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ) أي أحد الذين باشروا قتل أميَّة (رِجْلِي بِسَيْفِهِ) قال الرَّاوي (وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) رضي الله عنه (يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ) .

وفي الحديث أنَّ قريشًا لم يكن لهم أمان يوم بدر، ولهذا لم يجز بلال ومن معه من الأنصار أمان عبد الرَّحمن، وقد نسخ هذا بحديث ( «يجير على المسلمين أدناهم» ) .

وفيه الوفاء بالعهد؛ لأنَّ عبد الرَّحمن بن عوف كان صديقًا لأُميَّة بمكَّة، فوفى بالعهد الذي كان بينهما.

وقال عبد الرَّحمن وكان اسمي عبد عمرو فسمِّيت عبد الرَّحمن حين أسلمت وكان يلقاني بمكَّة فيقول يا عبد عمرو أرغبت عن اسم سمَّاك به أبوك؟ فأقول نعم، فيقول إنِّي لا أعرف الرَّحمن فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به فسمَّاه عبد الإله، فلمَّا كان يوم بدرٍ مررت به، وهو واقفٌ مع ابنه عليَّ بن أُميَّة ومعي أدراع وأنا أحملها، فلمَّا رآني قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الإله قلت نعم فطرحت الأدراع من يدي وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول ما رأيت كاليوم قطُّ فرآهما بلالٌ فصار أمره ما ذكرنا، وكان عبد الرَّحمن يقول رحم الله بلالًا ذهبت أدراعي وفجعني بأسيري.

وفيه أيضًا مجازاة المسلم الكافر

ج 11 ص 6

على البرِّ يكون منه للمسلم والإحسان إليه على جميل فعله والسَّعي له في تخليصه من القتل وشبهه.

وفيه أيضًا المجازاةُ على سوء الفعل بمثله والانتقام من الظَّالم. وفيه أيضًا أنَّ مَنْ أصيب حين يتَّقي عن مشركٍ لا شيء فيه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه، وهو مسلم من دار الإسلام كاتب إلى أُميَّة بن خَلَف، وهو كافر في دار الحرب بتفويضه إليه؛ لينظر فيما يتعلَّق به، وهو معنى التَّوكيل؛ لأنَّ الوكيل هو المراصد لمصالح موكله وقضاء حوائجه.

ورُدَّ بهذا ما قاله ابن التِّين ليس في هذا الحديث وكالة إنَّما تعاقدا أن يجير كلُّ واحدٍ منهما صاغية صاحبه. ثمَّ الظَّاهر أنَّ عبد الرَّحمن رضي الله عنه لم يفعل هذا إلَّا باطِّلاع النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليه فدلَّ على صحَّة هذا التَّوكيل.

فإن قيل في التَّرجمة شيئان والحديث لا يدلُّ إلَّا على أحدهما، وهو توكيل المسلم حربيًّا، وهو في دار الحرب. فالجواب أنَّه إذا صحَّ هذا فتوكيله إيَّاه في دار الإسلام بطريق الأولى أن يصحَّ.

وقال ابن المنذر توكيل المسلم حربيًّا مستأمنًا، وتوكيل الحربيِّ المستأمن مسلمًا لا خلاف في جواز ذلك.

ورجال إسناد الحديث كلُّهم مدنيُّون، وشيخه من أفراده، والحديث أخرجه المؤلف أيضًا في المغازي مختصرًا [خ¦3971] .

ووقع في رواية أبي ذَرٍّ عن المُستَملي هاهنا هو البخاريُّ نفسه هو ابن الماجُشون المذكور في سند الحديث المذكور.

هو إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه أي أبا صالحٍ.

وفائدة ذكره هو تحقيق السَّماع حتَّى لا يُظَنَّ أنَّه عنعن لمجرَّد إمكان السَّماع كما هو مذهب بعض المحدِّثين كمُسلِم وغيرِه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت