2307 - 2308 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون التحتانية وفي آخره راء، هو سعيد بن كَثير بن عُفَير، أبو عثمان (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (عُقَيْلٌ) بضم العين، هو ابن خالد.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ، أنَّه (قَالَ وَزَعَمَ) أي قال، والزَّعم يستعمل في القول المحقَّق (عُرْوَةُ) أي ابن الزُّبير بن العوام (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ) بن أبي العاص الأُمَوي.
قال الواقِديُّ إنَّه رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفي النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثمان سنين.
(وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) المِسْوَر _ بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو وفي آخره راء _ ومَخْرَمة _ بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ساكنة _ ابن نَوفَل الزُّهري، سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ) الوفد هم القوم يجتمعون ويردون البلاد، واحدهم وافد، وكذلك هم الذين يقصدون الأمراء للزِّيارة والاسترفاد والانتجاع وغير ذلك، تقول وَفَد يَفِد فهو وافد، وأَوْفَدته فوفَدَ، وأوفد على الشَّيء فهو موفِد إذا أشرف.
(مُسْلِمِينَ) حال من الوفد (فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ الْحَدِيثِ) مركَّب إضافي مبتدأ (إِلَيَّ أَصْدَقُهُ) خبر المبتدأ (فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ) أي انتظرت بهم
ج 11 ص 18
وتربَّصت، يقال أنيت واستأنيتُ، ويقال للمتمكِّث في الأمر مستأنٍ، ويُرْوَى .
(وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ) أي رجع (مِنَ الطَّائِفِ) وذلك أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا فتح مكَّة في رمضان لعشرٍ بقين منه سنة ثمان، خرج إلى هَوازن في خامس شوَّال لغزوهم وجرى ما جرى، وهزم الله تعالى أعداءه، ثمَّ سار إلى الطَّائف فضرب به معسكره.
وقال ابن إسحاق حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطَّائف ثلاثين ليلةً، ثمَّ انصرف عنهم؛ ليؤخِّر الفتح إلى العام القابل، ولمَّا انصرف عن الطَّائف نزل على الجعرانة فيمن معه من النَّاس، ولمَّا نزل على الجعرانة انتظر وفد هوازن بضع عشرة ليلةً، وهو معنى قوله في الحديث (( انتظرهم بضع عشرة ليلةً حين قفل من الطَّائف ) )ثمَّ جرى ما ذُكِرَ في الحديث [1] .
(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلاَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) إمَّا السَّبي، وإمَّا المال (قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْلِمِينَ) يعني خطيبًا (فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلاَءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَطِيبَ) من الثُّلاثي من طاب يطيب (بِذَلِكَ) يعني من أحبَّ منكم أن يردَّ السَّبي مجانًا برضا نفسه وطيب قلبه.
(فَلْيَفْعَلْ) وفي «التوضيح» أراد أن يطيِّب قلوبهم لأهل هَوازن بما أخذ منهم من العيال؛ لرفع الشَّحناء والعداوة، ولا يبقى إحنة الغلبة لهم في انتزاع السبي منهم في قلوبهم، فيورث ذلك اختلاف الكلمة. ويُرْوَى قوله «أن يطيب» من الإفعال ومن التفعيل، فعلى هذا يكون المفعول محذوفًا تقديره أن يُطَيَّبَ نفسه بذلك.
(وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي على نصيبه(حَتَّى
ج 11 ص 19
نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا)من أفاء يفيء من باب الإفعال من الفيء، وهو ما يحصل للمسلمين من أموال الكفَّار من غير حربٍ ولا جهادٍ، وأصل الفيء الرُّجوع فكأنَّه كان في الأصل لهم فرجع إليهم، والمراد هنا أعمُّ من الفيء والغنيمة، ومنه قيل للظلِّ الذي بعد الزَّوال فَيء؛ لأنَّه يرجع من جانب الغرب إلى جانب الشَّرق.
(فَلْيَفْعَلْ، فَقَالَ النَّاسُ) من المهاجرين والأنصار (قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي لأجله، ويُرْوَى (لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ) العرفاء جمع عَريف، وعَرِيف القوم هو الذي يعرف أمرهم وأحوالهم وهو دون الرَّئيس.
وفي «التلويح» العريف القيِّم بأمر القبيلة والمحلة يلي أمرهم، ويعرِّف الأمير أحوالهم، والعِرَافة عمله، وهو النَّقيب. وقيل النَّقيب فوق العَريف، وإنَّما قال صلى الله عليه وسلم (( حتَّى يرفع إلينا عُرَفاؤكم ) )للتَّقصي عن أصل الشَّيء في استطابة النُّفوس، ويُرْوَى على لغة أكلوني البراغيث.
(فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا) أنفسهم بذلك (وَأَذِنُوا) كلُّهم.
وفي الحديث أنَّ الغنيمة إنَّما يملكها الغانمون بالقسمة وهو قول الشَّافعي، واستفيد ذلك من انتظاره صلى الله عليه وسلم. وفيه أيضًا جواز استرقاق العرب وتملكهم كالعجم، إلَّا أنَّ الأفضل إعتاقهم للتَّرحم كما فعل عمر رضي الله عنه في خلافته حين ملك المرتدين، وهو على وجه النَّدب لا على الوجوب. وفيه أيضًا جواز القرض إلى أجل مجهول قاله ابن التِّين، قال إذ لا يُدْرَى متى يفيء الله عليهم.
وقال ابن بَطَّال فيه أنَّ بيع المُكرَه في الحقِّ جائزٌ؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم حكم بردِّ السَّبي، ثمَّ قال «من أحبَّ
ج 11 ص 20
أن يكون على حظِّه» ولم يجعل لهم الخيار في إمساك السَّبي أصلًا، وإنَّما خيَّرهم في أن يعوِّضهم من غنائم أخر.
وفيه أيضًا أنهَّ يجوز للإمام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين بعد أن غنمَ أموالهم وأهلهم أن يردَّ عليهم إذا رأى في ذلك مصلحة. وفيه أيضًا اتِّخاذ العرفاء، وفيه أيضًا قبول خبر الواحد. وقال الخَطَّابي فيه أنَّ إقرار الوكيل على موكِّله مقبولٌ؛ لأنَّ العرفاء بمنزلة الوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم فلمَّا سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم مقالة العرفاء أنفذ ذلك ولم يسألهم عمَّا قالوا، وبهذا قال أبو يوسف. وقال أبو حنيفة ومحمَّد يجوز إقرار الوكيل عند الحاكم ولا يجوز عند غيره، وقال مالكٌ لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلَّا أن يجعل ذلك إليه موكله. وقال الشَّافعي لا يقبل إقراره عليه، وقال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وليس في الحديث حجَّة للجواز؛ لأنَّ العرفاء ليسوا وكلاء، وإنَّما هم كالأمراء عليهم فقبول قولهم في حقِّهم بمنزلة قبول قول الحاكم في حقِّ من هو حاكمٌ عليه، والله أعلم.
وقال ابن المُنَيِّر قوله صلى الله عليه وسلم للوفد وهم الذين جاؤوا شفعاء في قومهم «هو لكم» قد يُوهِم أنَّ الموهبة وقعت للوسائط وليس كذلك، بل المقصود هم وجميع مَنْ تكلَّموا فيهم، فيستفاد منه أنَّ الأمور تُنَزَّلُ على المقاصد لا على الصُّور، وأنَّ مَنْ شفع لغيره في هبة فقال المشفوع عنده للشَّفيع قد وهبتك ذلك، فليس للشَّفيع أن يتعلَّق بظاهر اللفظ ويخصَّ بذلك نفسه، بل الهبة للمشفوع له، ويلتحق به من وكَّل على شراء شيءٍ بعينه فاشتراه الوكيل، ثمَّ ادَّعى أنَّه إنَّما نوى نفسه فإنَّه لا يُقْبَلُ منه والبيع للموكِّل. انتهى.
وهذا قاله على مذهبه، وفي المسألة خلافٌ مشهور.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة أنَّ وفد هَوازن كما مرَّ كانوا رسلًا منهم وكانوا وكلاء وشفعاء في ردِّ سبيهم، فشفَّعهم النَّبي صلى الله عليه وسلم فيهم وقال (( إنِّي قد رأيت أن أردَّ إليهم سبيهم ) ). فإذًا الوكيل والشَّفيع لنفسه ولغيره، فأعطى ذلك، فحكمه حكمهم، والله أعلم.
ج 11 ص 21
ورجال إسناد الحديث ما بين مصريٍّ وأيليٍّ ومدنيٍّ، وأنَّ مروان من أفراده، وقد أخرج متنه المؤلف في «الخمس» [خ¦3131] [خ¦3132] و «المغازي» [خ¦4318] [خ¦4319] و «العتق» [خ¦2539] [خ¦2540] و «الهبة» [خ¦2584] [خ¦2583] و «الأحكام» [خ¦7176] [خ¦7177] ، وأخرجه أبو داود في «الجهاد» ، والنَّسائي في «السِّيَر» .
[1] في هامش الأصل وحنين واد بين مكة والطائف كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفًا الذين حضروا فتح مكة منضمًا إليهم ألفًا من الطلقاء وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف فيمن ضامهم من أمداد سائر العرب وكانوا الجمَّ الغفير، فلمَّا التقوا قال رجلٌ من المسلمين لن نغلب اليوم من قلة فساءت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك قوله تعالى {إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة 25] فاقتتلوا قتالًا شديدًا وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة وزال عنهم أن الله هو الناصر لا كثر الجنود فانهزموا حتى بلغ فَلُّهم مكة، وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وهو ثابت في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذًا بلجام دابَّته وأبو سفيان بن الحرب ابن عمه، وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على تناهي شجاعته ورباطة جأشه وما هي إلا من آيات النبوة، وقال يا رب آتني بما وعدتني، وقال للعباس وكان صيتًا، صيح بالناس، فنادى الأنصار فخذا فخذا ثم نادى يا أصحاب الشجرة فكروا عنقًا واحدًا وهم يقولون لبيك لبيك، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بُلْقٍ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قتال المسلمين فقال هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ كفًّا من تراب فرماهم به، ثم قال انهزموا وربِّ الكعبة فانهزموا، قال العباس لكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته. منه.