فهرس الكتاب

الصفحة 3605 من 11127

2310 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة وبالزاي، اسمه سَلَمة بن دينار الأَعرج.

(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) بن مالك السَّاعدي الأنصاري (رَضِيَ اللهٌ عَنْهُمَا) أنَّه قال (جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) اختلف في اسم تلك المرأة، فقيل هي خولة بنت حكيم، وقيل هي أمُّ شَريك الأَزْديَّة، وقيل ميمونة، ذكر هذه الأقوال أبو القاسم بن بشكوال في كتاب «المبهمات» .

والصَّحيح أنَّها خولة أو أم شريك، وأمَّا ميمونة فإنَّها إحدى زوجاته صلى الله عليه وسلم فلا يصحُّ أن تكون هذه هي؛ لأنَّ هذه قد زوَّجها لغيره.

وقد روى البيهقيُّ في رواية سَمَّاك عن عِكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لم يكن عند النَّبي صلى الله عليه وسلم امرأةً وهبت نفسها له صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لم يقبلهنَّ وإن كنَّ حلالًا.

(فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ

ج 11 ص 25

إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ نَفْسِي) ويروى بزيادة ، قال النَّووي قول الفقهاء وهبت من فلان كذا ممَّا ينكر عليهم.

وتعقَّبه العَينيُّ بأنَّه لا وجه للإنكار؛ لأنَّ من تجيء زائدةٌ في الموجب على مذهب الأخفش والكوفيِّين.

(فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا) وقد أخرج البخاريُّ هذا الحديث في كتاب «النِّكاح» [خ¦5030] بأزيد من هذا، وفيه تفسيرٌ وبيان لِمَا أخرجه هنا فقد أخرجه في كتاب «النِّكاح» ، في باب «تزويج المعسر» [خ¦5087] ، ولفظه جاءت امرأةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله جئت أهب لك نفسي، قال فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعَّد النَّظر إليها وصوَّبه، ثمَّ طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلمَّا رأت المرأة أنَّه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجلٌ من أصحابه فقال يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجةٌ فزوِّجنيها، فقال (( وهل عندك من شيءٍ ) )قال لا والله يا رسول الله، فقال (( اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئًا ) )، فذهب ثمَّ رجع فقال لا والله ما وجدت شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( انظر ولو خاتمًا من حديد ) )، فذهب ثمَّ رجع فقال لا والله يا رسول الله ولا خاتمًا من حديدٍ، ولكن هذا إزاري _ قال سهلٌ ما لَهُ رداء _ فلها نصفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما تصنع بإزارك إن لبسَتْه لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لبستَه لم يكن عليك منه شيءٌ ) )فجلس الرَّجل حتَّى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مولِّيًا، فأمر به فدُعِيَ فلمَّا جاء قال (( ماذا معك من القرآن؟ ) )قال معي سورة كذا وكذا عدَّدهنَّ، قال (( تقرأهنَّ عن ظهر قلبك؟ ) )قال نعم، قال (( اذهب فقد ملَّكتكها بما معك من القرآن ) ).

وهذا معنى قوله (قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ) وقد اختلفت الرِّوايات في هذه اللفظة ففي رواية مسلمٍ وأبي داود والتِّرمذي (( زوَّجتكها بما معك من القرآن ) )، وفي روايةٍ للبخاريِّ (( ملَّكتكها ) )كما نقلناه آنفًا، وفي رواية له (( أملكناكها ) ) [خ¦5121] ، وفي

ج 11 ص 26

رواية أبي ذرٍّ الهرويِّ . وفي أكثر روايات «الموطأ» (( أنكحتكها ) )، وكذا في روايةٍ للبخاريِّ [خ¦5149] ، وفي روايةٍ لمسلم في أكثر نسخه (( مُلِّكْتَها ) )على بناء المجهول، وكذا نقله القاضي عياض عن رواية الأكثرين لمسلم.

وقال الدَّارَقُطني رواية من روى (( مُلِّكْتَها ) )وهم، قال والصَّواب رواية من روى (( زوَّجتكها ) )قال وهم أكثر وأحفظ.

قال النَّووي ويحتمل صحَّة اللفظين، ويكون جرى لفظ التَّزويج أولًا، فملكها، ثمَّ قال له اذهب فقد مُلِّكْتَها بالتَّزويج السَّابق، قال العَينيُّ وهذا هو الوجه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ المرأة لمَّا قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهبت لك نفسي كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه، أو ممَّن رأى تزويجها منه.

وقد جاء [في] كتاب «النِّكاح» في طريقٍ من طرق الحديث أنَّها جعلت أمرها إليه صريحًا [خ¦5121] .

وبهذا يجاب عمَّا قال الدَّاودي أنَّه ليس في الحديث أنَّه صلى الله عليه وسلم استأذنها، ولا أنَّها وكَّلته، وإنَّما زوَّجها للرَّجل بقول الله تعالى {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب 6] . انتهى.

والحديث أخرجه المؤلف في «النكاح» [خ¦5087] كما عرفت، وفي «التوحيد» أيضًا [خ¦7417] ، وأخرجه أبو داود، والتِّرمذي في «النكاح» والنَّسائي فيه وفي «فضائل القرآن» .

وفي الحديث فوائد

منها جواز هبة المرأة نفسها للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو من خصائصه لقوله تعالى {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب 50] الآية، وعن ذلك قال ابن القاسم لا تحلُّ الهبة لأحدٍ بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عمر أجمع العلماء على أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يطأ فرجًا وُهِبَ له وطؤُه دون رقبته بغير صداق.

ومنها أنَّه صلى الله عليه وسلم يجوز له استباحة مَنْ شاء ممَّن وهبت نفسها له بغير صداق، وهذا أيضًا من الخصائص.

ومنها ما استدلَّ به أبو حنيفة والثَّوري وأبو يوسف ومحمَّد والحسن بن حَيٍّ أنَّ النِّكاح ينعقد بلفظ الهبة، فإن سمِّي مهرًا لزمه وإن لم يسمَّ فلها مهر المثل، قالوا والذي خصَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرَّي البُضع من العوض لا النِّكاح بلفظ الهبة.

وعن الشَّافعي لا ينعقد إلَّا بالتَّزويج أو الإنكاح، وبه قال ربيعة وأبو ثور وأبو عُبَيد وداود وآخرون.

وقال ابن القاسم

ج 11 ص 27

إن وهب ابنته، وهو يريد إنكاحها فلا أحفظه عن مالكٍ، وهو عندي جائزٌ كالبيع، وحكاه ابن عبد البرِّ عن أكثر المالكيَّة المتأخِّرين ثمَّ قال الصَّحيح أنَّه لا ينعقد بلفظ الهبة نكاح كما أنَّه لا ينعقد بلفظ النِّكاح هبة شيءٍ من الأموال.

وفي «الجواهر» أنَّ النِّكاح ينعقد بكلِّ لفظٍ يقتضي التَّمليك على التَّأبيد في حال الحياة كالإنكاح والتَّزويج والتَّمليك والبيع والهبة، وما في معناها.

قال القاضي أبو الحسن ولفظ الصَّدقة أيضًا، وفي «الروضة» للنَّووي لا ينعقد بغير لفظ التَّزويج والإنكاح، وكذا في «حاوي الحنابلة» .

ومنها استحباب عرض المرأة نفسها على الرَّجل الصَّالح ليتزوَّجها.

ومنها أنَّه يستحبُّ لمن طلبت إليه حاجة، وهو يريد أن لا يقضيها أن لا يُخِجل الطَّالب بسرعة المنع، بل يسكت سكوتًا يفهم السَّائل ذلك منه، اللهمَّ إلَّا إذا كان لا يفهم السَّائل ذلك إلَّا بصريح المنع، فيصرَّح. وفي روايةٍ للبخاريِّ من رواية حمَّاد بن زيد عن أبي حازم التَّصريح بالمنع بقوله «ما لي اليوم في النِّساء حاجة» [خ¦514] .

ومنها أنَّ من أراد حاجةً يريد بها الخير فسكت عنه لا يرجع من أوَّل وهلةٍ؛ لاحتمال قضائها فيما بعد. وفي روايةٍ للطَّبراني (( فقامت حتَّى رثينا لها من طول القيام ) )الحديث، بل لا بأس بتكرار السُّؤال إذا لم يجب.

ومنها أنَّه لا بأس بالخطبة لمن عرضت نفسها على غيره إذا صرَّح المعروض عليه بالرَّد، أو فهم منه بقرينة الحال. ومنها انعقاد النِّكاح بالإيجاب وإن لم يوجد بعد الإيجاب قبولٌ. وقد بوَّب عليه البخاريُّ باب «إذا قال الخاطب للولي زوِّجني فلانة فقال زوَّجتك بكذا وكذا جاز النِّكاح» ، وإن لم يقل الزَّوج رضيت أو قبلت، وهذا قول أبي حنيفة والشَّافعي. وقال الرَّافعي إنَّ هذا هو النَّص، وظاهر المذهب، قال وحكى الإمام أنَّ من الأصحاب من أثبت فيه الخلاف.

ومنها أنَّ التَّعليق في الاستيجاب لا يمنع من صحَّة العقد. وقال الشَّيخ زين الدِّين قد أطلق أصحاب الشَّافعي تصحيح القول بأنَّ النِّكاح لا يقبل التَّعليق. قال العينيُّ ومذهب الإمام أنَّه إذا علَّق النِّكاح بالشَّرط يبطل الشَّرط ويصحُّ النِّكاح؛ كما إذا قال تزوَّجتك بشرط

ج 11 ص 28

أن يكون لك مهرٌ.

ومنها استحباب تعيين الصداق؛ لأنَّه أقطع للنِّزاع وأنفع للمرأة؛ لأنَّها إذا طلقت قبل الدُّخول وجب لها نصف المسمَّى بخلاف ما إذا لم يسمَّ المهر، فإنَّه إنَّما تجب المتعة. ومنها جواز تزويج الولي أو الحاكم المرأة للمعسر المعدم إذا رضيت به. ومنها أنَّه لا بأس للمعسر أن يتزوَّج امرأةً إذا كان محتاجًا إلى النِّكاح؛ لأنَّ الظَّاهر من حال هذا الرَّجل الذي في الحديث أنَّه كان محتاجًا إليه، وإلَّا لَمَا سأله مع كونه غير واجدٍ إلَّا إزاره وليس له رداءٌ، وإن كان غير محتاجٍ إليه يكره له ذلك.

ومنها أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( إزارك إن أعطيته جلست ولا إزار لك ) )دليلٌ على أنَّ المرأة تستحقُّ جميع الصداق بالعقد قبل الدُّخول، وبه قال الشَّافعي وأصحابه، ونحن نقول لا تستحقُّ إلَّا النِّصف، وبه قال مالكٌ وعنه كقول الشَّافعي.

ومنها أنَّه يكتفي بالصَّداق بأقلَّ ما يتموَّل به كخاتم حديدٍ ونحوه. وفي «الروضة» ليس للصداق حدٌّ مقدَّر، بل كلُّ ما جاز أن يكون ثمنًا أو مثمنًا أو أجرةً جاز جعله صداقًا، وبه قال أحمد. ومذهب مالك أنَّه لا يرى فيه عددًا معيَّنًا، بل يجوِّز بكلِّ ما وقع عليه الاتِّفاق غير أنَّه يكون معلومًا، وعن مالكٍ لا يجوز بأقلَّ من ربع دينارٍ.

وقال ابن حزمٍ وجائز أن يكون صداقًا كلُّ ما له نصف قلَّ أو كثر ولو أنَّه حبة برٍّ أو حبة شعيرٍ أو غير ذلك. وعن إبراهيم النَّخَعي أكره أن يكون المهر مثل أجر البغي، ولكنَّ العشرة والعشرون، وعنه أنَّ السنة في النِّكاح الرَّطل من الفضَّة.

وعن الشَّعْبي كانوا يكرهون أن يتزوَّج الرَّجل على أقلَّ من ثلاث أواقٍ، وعن سعيد بن جُبَير أنَّه كان يحبُّ أن يكون الصداق خمسين درهمًا.

وقال أبو حنيفة وأصحابه لا يجوز أن يكون الصداق أقلَّ من عشرة دراهم؛ لما روى ابن أبي شَيْبة في «مصنفه» عن شَريك عن داود الزَّعافِري عن الشَّعْبي قال قال عليٌّ رضي الله عنه لا مهر بأقلَّ من عشرة دراهم، والظَّاهر أنَّه قال ذلك توقيفًا؛ لأنَّه باب

ج 11 ص 29

لا يوصل إليه بالاجتهاد والقياس، لا يُقَالُ قال ابن حزم الرِّواية عن عليٍّ رضي الله عنه باطلةٌ؛ لأنَّها عن داود بن يزيد الزَّعافري الأودي، وهو في غاية السُّقوط، ثمَّ هي مُرْسَلَةٌ؛ لأنَّ الشَّعبي لم يسمع من عليٍّ رضي الله عنه حديثًا؛ لأنَّا نقول قال ابن عَديٍّ لم أَرَ له حديثًا منكرًا جاوز الحدَّ؛ إذا روى عنه ثقة، وإن كان ليس بقويٍّ في الحديث، فإنَّه يُكْتَب حديثه ويُقْبَل إذا روى عنه ثقةٌ. وذكر المِزِّي أنَّ الشَّعْبي سمع علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، ولئن سلَّمنا أنَّ روايته مُرسَلَةٌ فقد قال العجليُّ مرسل الشَّعبي صحيحٌ، ولا يكاد يرسل إلَّا صحيحًا.

وأمَّا الجواب عن قوله (( ولو خاتمًا من حديدٍ ) )في حديث الباب فنقول أنَّه خارج مخرج المبالغة، كما قال (( تصدَّقوا ولو بظلف محرق ) )، وفي لفظ (( ولو بفرسن شاةٍ ) )وليس الظلف والفرس ممَّا ينتفع به ولا يتصدَّق بهما.

ويقال لعلَّ الخاتم كان يساوي ربع دينارٍ فصاعدًا؛ لأنَّ الصُّواغ قليلٌ عندهم، كذا قاله بعض المالكيَّة؛ لأنَّ أقلَّ الصداق عندهم ربع دينارٍ.

ويقال لعلَّ التماسه للخاتم لم يكن لكلِّ الصداق، بل شيء يعجله لها قبل الدُّخول.

ومنها ما احتجَّ به الشَّافعي وأحمد في روايةٍ، والظَّاهرية على أنَّ التَّزويج على سورةٍ من القرآن مسمَّاة جائز، وعليه أن يعلِّمها. وقال التِّرمذي عقيب الحديث المذكور قد ذهب الشَّافعي إلى هذا الحديث فقال إن لم يكن [شيء] يصدقها وتزوجها على سورةٍ من القرآن، فالنِّكاح جائزٌ، ويعلِّمها السُّورة من القرآن. وقال بعض أهل العلم النِّكاح جائزٌ ويُجْعَلُ لها صداق مثلها، وهو قول أهل الكوفة وإسحاق وأحمد، هذا وهو قول اللَّيث بن سَعْدٍ وأبي حنيفة وصاحبيه ومالك وأحمد في أصحِّ الرِّوايتين عنه. وقال ابن الجوزيِّ في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ تعليم القرآن يجوز على أن يكون صداقًا وهي إحدى الرِّوايتين عن أحمد والأخرى لا يجوز، وإنَّما جاز لذلك الرَّجل خاصَّة.

وأجابوا عن قوله (( قد زوَّجناكها بما معك من القرآن ) )أنَّه إن حُمِلَ على ظاهره يكون تزويجها على السُّورة لا على تعليمها، فالسُّورة من القرآن لا تكون مهرًا بالإجماع، فحينئذٍ

ج 11 ص 30

يكون المعنى زوَّجتكها بسبب ما معك من القرآن وبحرمته وبركته، فتكون الباء للسببية كما في قوله تعالى {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة 54] ، وقوله تعالى {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت 40] ، وهذا لا ينافي تسمية المال، فإن قلت جاء في رواية .

فالجواب أنَّ على يجيء للتعليل أيضًا كالباء كما في قوله تعالى {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة 185] ، والمعنى لهدايته إيَّاكم ولا ينافي هذا أيضًا تسمية المال.

فإن قيل الأصل في الباء أن تكون للمقابلة في مثل هذا الموضع كما في نحو قولك بعتك ثوبي بدينارٍ.

فالجواب أنَّا لا نسلم أنَّ الأصل في الباء أن تكون للمقابلة، وإنَّما الأصل في الباء أنَّها موضوعة للإلصاق حتَّى قيل إنَّه معنى لا يفارقها ولو كانت للمقابلة هاهنا للزم أن تكون تلك المرأة موهوبةً، وذلك لا يجوز إلَّا للنَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ في إحدى روايات البخاريِّ (( فقد مُلِّكْتَها بما معك من القرآن ) ).

فالتَّمليك هبةٌ، والهبة في النِّكاح اختصَّ بها النَّبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب 50] .

فإن قيل معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( زوَّجتكها بما معك من القرآن ) )بأنَّ تعلُّمها ما معك من القرآن أو مقدارًا منه، ويكون ذلك صداقها. والدَّليل على ذلك ما جاء في روايةٍ لمسلم (( انطلق فقد زوَّجتكها فعلَّمها من القرآن ) )، وجاء في رواية عطاء (( فعلَّمها عشرين آيةً ) ).

فالجواب أنَّ هذا عدول عن ظاهر اللفظ بغير دليلٍ، ولئن سلَّمنا هذا فهذا لا ينافي تسمية المال فيكون قد زوَّجها منه مع تحريضه على تعليم القرآن، ويكون المهر مسكوتًا عنه؛ إمَّا لأنَّه صلى الله عليه وسلم قد أصدق عنه كما كفَّر عن الواطئ في رمضان، إذ لم يكن عنده شيءٌ، وودى المقتول بخيبر، إذ لم يحلف أهله كل ذلك رفقًا بأمَّته ورحمةً لهم، أو يكون أبقى الصداق في ذمَّته، وأنكحه نكاح تفويض حتَّى يتَّفق له صداق أو حتَّى يكسب بما معه من القرآن صداقًا.

فعلى جميع التَّقادير لم يكن فيه حجَّة على جواز النِّكاح بغير صداقٍ من المال، والله أعلم بحقيقة الحال.

ومنها أنَّه لا بأس بلبس خاتم الحديد، وقد اختلفوا فيه فقال بعض الشَّافعية

ج 11 ص 31

أنَّه لا يكره لهذا الحديث، ولحديث معيقيب رضي الله عنه كان خاتم النَّبي صلى الله عليه وسلم من حديدٍ يلوى عليه فضَّة، رواه أبو داود. وذهب آخرون إلى تحريمه وتحريم الخاتم النحاس أيضًا؛ لحديث بريدة رضي الله عنه أنَّ رجلًا جاء إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم عليه خاتمٌ من شبه، قال (( ما لي أجد منك ريح الأصنام ) )فطرحه، ثمَّ جاء وعليه خاتمٌ من حديدٍ فقال (( ما لي أرى عليك حلية أهل النَّار ) )فطرحه، رواه أبو داود أيضًا.

ومنها ما استدلَّ به البخاريُّ على ولاية الإمام للنِّكاح فقال باب السُّلطان وليٌّ؛ لقول النَّبي صلى الله عليه وسلم (( زوَّجناكها بما معك من القرآن ) ).

ومنها أنَّه ليس للنِّساء أن تمتنع من تزويج أحد أراد رسول صلى الله عليه وسلم أن يزوِّجها منه غنيًّا كان أو فقيرًا، شريفًا كان أو وضيعًا، صحيحًا كان أو ضعيفًا [1] . وروى ابن مَردوَيه في «تفسيره» من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ قوله تعالى {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} [الأحزاب 36] الآية، نزلت في زينب لمَّا خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة فامتنعت، وفي إسناده ضعفٌ.

ومنها جواز الخطبة على الخطبة ما لم يتراكنا، لاسيما مع ما رأى من زهد النَّبي صلى الله عليه وسلم فيها. ومنها جواز النَّظر للمتزوِّج وتكراره، والتَّأمل في محاسنها، فُهِمَ ذلك من قوله (( فصعَّد النَّظر إليها وصوَّبه ) )وأمَّا النَّظرة الأولى فمباحةٌ للجميع. ومنها جواز إنكاح المرأة دون أن يسأل هل هي في عدَّة أو لا؟ على ظاهر الحال، والحكَّام يبحثون عن ذلك احتياطًا، قاله الخَطَّابي.

ومنها جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو مذهب كافَّة العلماء، ومنعه أبو حنيفة إلَّا للضَّرورة. وعلى هذا اختلفوا في أخذ الأجرة على الصَّلاة وعلى الأذان وسائر أفعال البرِّ؛ فروي عن مالكٍ كراهة جميع ذلك في صلاة الفرض والنَّفل، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلَّا أنَّ مالكًا أجازها على الأذان، وأجاز الإجارة على جميع ذلك ابن عبد الحكم والشَّافعي وأصحابه. ومنع ذلك ابن حبيب في كلِّ شيءٍ، وهو قول الأَوْزاعيِّ وقال لا صلاة له، ورُوِيَ عن مالكٍ

ج 11 ص 32

إجازته في النَّافلة، ورُويَ عنه إجازته في الفريضة دون النَّافلة.

ومنها أنَّ الهبة لا تدخل في ملك الموهوب له إلَّا بالقَبول؛ لأنَّ الموهوبة كانت جائزة للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد وهبت هذه له نفسها فلم تصر زوجته بذلك. ومنها ما قاله ابن عبد البَرِّ أنَّ الصداق إذا كان جاريةً ووطئها الزَّوج حُدَّ؛ لأنَّه وطئ ملك غيره، وهو قول مالكٍ والشَّافعي وأحمد وإسحاق. وعند أصحابنا الحنفيَّة إذا أقرَّ أنَّه زنى بجارية امرأته حُدَّ، وإن قال ظننت أنَّها تحلُّ لي لا يُحَدُّ، والله أعلم.

[1] في العمدة ضعيفًا. والعرب تسمي الأشياء بأضدادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت