2324 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر البصريُّ، وقد تكرَّر ذكرهما، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج.
(عَنْ سَعْدٍ) هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه، وفي بعض النُّسخ أنَّه قال (سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن يروي (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ بَيْنَمَا) قد مرَّ غير مرةٍ أنَّ أصله بين زيدت فيه ما، ويضاف إلى جملة، وجوابه قوله (( التفتت ) ) (رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ) صحَّ الابتداء برجلٍ؛ لأنَّه في معنى رجلٍ من بني إسرائيل، أو رجل من الرِّجال، فافهم.
(الْتَفَتَتْ) تلك البقرة (إِلَيْهِ) أي إلى ذلك الرَّجل (فَقَالَتْ لَمْ أُخْلَقْ) على البناء للمفعول (لِهَذَا) أي للرُّكوب، يدلُّ عليه قوله (( راكب ) ) (خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (آمَنْتُ بِهِ) أي صدَّقت بتكلُّم البقرة.
(أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) وإنَّما أتى بضمير المنفصل؛ ليصحَّ العطف على الضَّمير المتصل على رأي البصريين (وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئْبُ مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ) أي مَنْ يكون للشَّاة ويحفظها يوم السَّبع.
قال ابن الجَوزيِّ أكثر المحدِّثين
ج 11 ص 64
يروونه بضم الباء، قال والمعنى على هذا إذا أخذها السَّبع لم تقدر على خلاصها فلا يرعاها حينئذٍ غيري؛ أي إنكَّ تهرب، وأكون أنا قريبًا منها انظر ما يفضل لي منها، فيكون هذا معنى قوله (يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي) .
وقال القُرطبيُّ كأنَّه يشير إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه المرفوع (( يتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلَّا العَوافي ) )يريد السباع والطَّير، قال وهذا لم نسمعْ به ولا بدَّ من وقوعه.
وقال ابن العربيِّ قراءة النَّاس بضم الباء، وإنَّما هو بإسكانها والضم تصحيف، ويريد بالساكن الباء الإهمالَ، والمعنى من لها يوم يهملها أربابها؛ لعظم ما هم فيه مَنْ الكرب بحدوث فتنةٍ عظيمةٍ.
وفي «التهذيب» للأَزهَريِّ عن ابن الأعرابيِّ السَّبْع _ بسكون الباء _ هو الموضع الذي يكون فيه المحشر، فكأنَّه قال من لها يوم القيامة.
وقال ابن قُرْقُول السَّاكن الباء عيد لهم في الجاهليَّة كانوا يشتغلون فيه بلعبهم فيأكل الذِّئب غنمهم، وليس بالسَّبُع الذي يأكل النَّاس، وقيل يوم السَّبْع، بسكون الباء؛ أي يوم الفزع من سبعت الرَّجل؛ أي فزَّعته وذعَّرته.
وقيل إنَّما هو يوم السيع _ بالمثناة التحتية _؛ أي يوم الضَّياع، يقال أسعت وأضعت بمعنًى، وقال القاضي الرِّواية بالضم، وأمَّا بالسُّكون فمن جعلها اسمًا للموضع الذي عنده المحشر، ففيه أنَّ يوم القيامة لا يكون الذِّئب راعيها ولا له تعلُّق بها.
وقال النَّووي معناه مَنْ لها عند الفتن، حين يتركُها النَّاس هملًا لا راعي لها نهبةً للسِّباع، فيبقى لها السَّبع راعيًا منفردًا بها.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تعجَّب النَّاس من كلام البهائم، كما سيجيء في «المناقب» إن شاء الله تعالى [خ¦3663] .
(قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) الرَّاوي (مَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ) أي لم يكونا يومئذٍ حاضرين، وإنَّما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقةً بها؛ لعلمه بصدقِ إيمانهما وقوَّة يقينهما وكمال معرفتهما بقدرة الله تعالى.
وفي الحديث عَلَمٌ من أعلام النُّبوة.
وفيه فضل الشَّيخين رضي الله عنهما حيث نزَّلهما بمنزلة نفسه، وهي من أعظم المناقب، وقال ابن المُهَلَّب فيه بيان أنَّ كلام البهائم من الخصائص التي خصَّت بها بنو إسرائيل، وهذه الواقعة كانت فيهم وهو الذي فهمه البخاريُّ،
ج 11 ص 65
إذ أخرجه في باب «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3471] .
هذا وتعقَّبه العَينيُّ بأنَّه لا يلزم من ذكره في ذلك الباب اختصاصهم بذلك.
وقد روى ابن وهبٍ أنَّ أبا سفيان بن حَرب وصفوان بن أُمية وجدا ذئبًا أخذ ظبيًا، فاستنقذاه منه، فقال لهما طعمة أطعمنيها الله تعالى، ووقع مثل ذلك لغيرهما أيضًا.
وقال ابن بَطَّال وهذا الحديث حجَّة على مَنْ جعل علَّة المنع من أكل الخيل والبغال والحمير أنَّها خلقت للزِّينة والرُّكوب؛ لقوله عزَّ وجلَّ {لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل 8] ، وقد خلقت البقر للحراثة كما أنطقها الله عزَّ وجلَّ ولم يمنع ذلك من أكل لحومها لا في بني إسرائيل ولا في الإسلام.
وفيه أنَّ البقر خلقت للأكل بالنَّص، كما خلقت هذه الثَّلاثة للرُّكوب بالنَّص، والبقر لم تخلقْ للرُّكوب، فلذلك قالت لراكبها لم أخلق لهذا، وقولها خلقتُ للحراثة ليس بحصرٍ فيها، ولمَّا كانت فيه منفعتان الأكل والحراثة ذَكرتْ منفعةَ الحراثة؛ لكونها أبعد في الذِّهن من منفعة الأكل؛ ولأنَّ الأكل كان مقرَّرًا عند الرَّاكب بخلاف الحراثة، بل ربَّما كان يظنُّ أنَّها غير متصوَّرة عنده، فنبَّهته عليها دون الأكل، والله أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.