فهرس الكتاب

الصفحة 3637 من 11127

2328 - (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) قال (حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) هو ابن عمر العَمْريِّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (أَخْبَرَهُ) أي نافعًا، ويُروَى .

(عَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ويُروَى (عَامَلَ خَيْبَرَ) أي أهل خيبرَ (بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا) أي بنصف ما يخرج منها.

(مِنْ ثَمَرٍ) بالثاء المثلثة، إشارة إلى المساقاة (أَوْ زَرْعٍ) إشارة إلى المزارعة (فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ) الوسق ستون صاعًا بصاع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب «الخراج» ضبط ابن التِّين الوُسق بضم الواو، وقال غيره هو بالفتح.

(ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ) كذا هو في رواية الأكثرين بالرَّفع على القطع؛

ج 11 ص 78

أي منها ثمانون ومنها عشرون، وفي رواية الكُشميهَني بالنصب على البدلية، أو على تقدير أعني، ولفظ (( وسق ) )في الموضعين نصب على التَّمييز، وكلاهما بالإضافة إلى ما بعدهما.

(فَقَسَمَ) ويُروَى بالواو (عُمَرُ خَيْبَرَ) في كثير من النسخ لفظ «خيبر» موجود، وفي نسخة سقط؛ أي أراد أن يقسمَ عمر رضي الله عنه خيبر بين أزواجه الطَّاهرات رضي الله عنهنَّ.

(فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ) بضم الياء، من الإِقطاع _ بكسر الهمزة _ يقال أقطع السُّلطان فلانًا أرض كذا، إذا أعطاه وجعلها قطيعة له.

(لَهُنَّ مِنَ الْمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ) أي أو يجري لهنَّ قسمتهنَّ على ما كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان من الثَّمر والشَّعير (فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الْوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتِ الأَرْضَ) وهذا الحديث عمدة من أجاز المزارعة والمخابرة؛ لتقرير النَّبي صلى الله عليه وسلم لذلك، واستمراره في عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى أن أجلاهم عمر رضي الله عنه، كما سيأتي بعد أبوابٍ.

قال ابن بَطَّال اختلف العلماء في كراء الأرض بالشَّطر والثلث والربع فأجاز ذلك علي وابن مسعود وسعد والزُّبير وأسامة وابن عمر ومعاذ وخباب رضي الله عنهم، وهو قول ابن المسيِّب وطاوس وابن أبي ليلى والأَوْزاعيِّ والثَّوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد فهؤلاء أجازوا المزارعة والمساقاة، وكرهت ذلك طائفة رُوِيَ ذلك عن ابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم، وكذا عن عكرمة والنَّخعي وهو قول مالكٍ وأبي حنيفة والليث والشَّافعي وأبي ثور، قالوا لا تجوز المزارعة وهي كراء الأرض بجزءٍ منهما، وتجوز عندهم المساقاة، ومنعها أبو حنيفة وزفر فقالا لا تجوز المزارعة ولا المساقاة بوجهٍ من الوجوه، وقالوا المزارعة منسوخةٌ بالنَّهي عن المزابنة.

وذكر الطَّحاوي حديث رافع (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزارعة ) )، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما (( كنَّا لا نرى بأسًا حتَّى زعم رافع أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة ) )ومثله

ج 11 ص 79

(( نهى عن كراءِ الأرض ) ).

وحديث ثابت بن الضَّحاك رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزارعة ) )وحديث جابر رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( مَنْ كانت له أرضٌ فليزرعها أو ليُزْرعها أخاه ولا يؤاجرها ) )وفي لفظ (( مَنْ لم يدع المخابرة فليأذن بحربٍ من الله عزَّ وجلَّ ) ).

وأجاب أبو حنيفة عن حديث الباب بأنَّ معاملة النَّبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر لم تكن بطريق المزارعة والمساقاة، بل كانت بطريق الخراج على وجه المَنِّ عليهم بالصُّلح؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم ملكها غنيمةً، فلو كان أخذ كلها جاز، وتركها في أيديهم شطر ما يخرج منها فضلًا، وكان ذلك خَرَاج مُقَاسمة، وهو جائزٌ، كخَرَاج المواظفة، ولا نزاع فيه، وإنَّما النِّزاع في جواز المزارعة والمعاملة.

وخراج المقاسمة أن يوظِّف الإمام في الخراج شيئًا مقدَّرًا عشرًا أو ثلاثًا أو أربعًا ويترك الأراضي ملكهم منًّا عليهم، فإن لم تخرج الأرض شيئًا فلا شيء عليهم، وهذا تأويلٌ صحيحٌ فإنَّه لم ينقل عن أحدٍ من الرُّواة أنَّه صلى الله عليه وسلم تصرف في رقابهم أو رقاب أولادهم.

وقال أبو بكر الرَّازي في «شرحه لمختصر الطحاوي» وممَّا يدلُّ على أنَّ ما شرط من نصف الثَّمر والزَّرع كان على وجه الجزية، أنَّه لم يروَ في شيءٍ من الأخبار أنَّه صلى الله عليه وسلم أخذ منهم الجزية إلى أن مات ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، إلى أن أجلاهم عمر رضي الله عنه، ولو لم يكن كذلك لأخذ منهم الجزية حين نزلت آية الجزية.

والخراج الموظَّف أن يجعل الإمام في ذمَّتهم بمقابلة الأرض شيئًا من كلِّ جريب يصلح للزِّراعة صاعًا ودرهمًا.

فإن قلت رُوِيَ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قسم أراضي خيبرَ على ستَّة وثلاثين سهمًا، وهذا يدلُّ على أنَّها ما كانت خراج مقاسمة.

فالجواب أنَّه يجوز أنَّه صلى الله عليه وسلم قسم خراج الأراضي بأن جعل خراج هذه الأرض لفلان، وخراج هذه لفلان.

فإن قلت رُوِيَ أنَّ عمر رضي الله عنه أجلى أهل خيبرَ ولم يعطهم قيمة الأرض فدلَّ ذلك على عدم الملك.

ج 11 ص 80

فالجواب أنَّه يجوز أنَّه ما أعطاهم زمان الإجلاء، وأعطاهم بعد ذلك.

وفي الحديث تخيير عمر رضي الله عنه أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم بين أن يقطعَ لهنَّ من الأرض، وبين إجرائهنَّ على ما كنَّ عليه في عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يملكهنَّ؛ لأنَّ الأرض لم تكن موروثةً عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا توفين عادت الأرض والنَّخل على أصلها وقفًا مسبلًا.

وكان عمر رضي الله عنه يعطيهنَّ ذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( ما تركت بعد نفقة نسائي فهو صدقةٌ ) )وقال ابن التِّين وقيل إنَّ عمر رضي الله عنه كان يُقطعهنَّ سوى هذه الأوسق اثني عشر ألفًا لكلِّ واحدة، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( عامل خيبر بشطر ما يخرج منها ) )والحديث من أفراده.

تكميل قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ واستدلَّ به؛ أي بحديث ابن عمر رضي الله عنهما في قصَّة خيبر على جواز المساقاة في النَّخل والكرم وجميع الشَّجر الذي من شأنه أن يثمرَ بجزءٍ معلومٍ يُجَعل للعامل من الثَّمر، وبه قال الجمهور وخصَّه الشَّافعي في الجديد بالنَّخل والكرم، وألحق المُقِل بالنَّخل لشبهه به، وخصَّه داود بالنَّخل.

وقال أبو حنيفة وزفر لا تجوز بحالٍ؛ لأنَّها إجارةٌ بثمرةٍ معدومةٍ أو مجهولةٍ، وأجاب من جوَّزه بأنَّه عقد على عمل في المال ببعضِ نمائه فهو كالمُضَاربة؛ لأنَّ المضارب يعمل في المال بجزءٍ من نمائه، وهو معدوم ومجهولٌ وقد صحَّ عقد الإجارة مع أنَّ المنافع معدومة، فكذلك هذا، وأيضًا فالقياس في إبطال نصٍّ أو إجماعٍ مردود.

وأجاب بعضهم عن قصَّة خيبر بأنَّها فُتحَت صلحًا، وأُقِرُّوا على أنَّ الأرض ملكهم بشرط أن يعطوا نصف الثَّمرة فكان ذلك يُؤخَذ بحقِّ الجزية فلا يدلُّ على جواز المساقاة.

وتُعُقِّب بأنَّ معظم خيبرَ فُتِحَ عنوة، كما سيأتي في المغازي [خ¦4196] ، وبأنَّ كثيرًا منها قسم بين الغانمين كما سيأتي [خ¦4228] [خ¦4235] [خ¦4236] ، وبأنَّ عمر رضي الله عنه أجلاهم منها، فلو كانت الأرض ملكهم ما أجلاهم عنها.

واستدلَّ مَنْ أجازه في جميع الثَّمر بأنَّ في بعض طرق حديث الباب بشطر ما يخرج منها من نخل وشجر،

ج 11 ص 81

وفي رواية حمَّاد بن سَلَمة عن عُبَيد الله بن عمر في حديث الباب على أنَّ لهم الشَّطر من كلِّ زرعٍ ونخلٍ وشجرٍ، وهو عند البيهقيِّ من هذا الوجه.

واستُدِلَّ بقوله (( بشطر ما يخرج منها على جواز المساقاة بجزءٍ معلومٍ لا مجهول ) ).

واستُدِلَّ به على جواز إخراج البذر من العامل أو المالك؛ لعدم تقييدهِ في الحديث بشيءٍ من ذلك، واحتجَّ مَنْ منع بأنَّ العامل حينئذٍ كأنَّه باع البذر من صاحب الأرض بمجهولٍ من الطَّعام نسيئة وهو لا يجوز، وأجاب مَنْ أجازه بأنَّه مستثنى من النَّهي عن بيع الطَّعام نسيئة جمعًا بين الحديثين وهو أولى من إلغاء أحدهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت