2338 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ) بكسر الميم، ابن سليمان أبو الأَشْعث العَجَليُّ، قال (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) تصغير فضل النُّميري، وقد مضى في «الصَّلاة» [خ¦483] ، قال (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن عقبة بن أبي عَيَّاشٍ، قال (أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هو ابن هَمَّام الحِمْيريُّ (أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما أورد الحديث موصولًا من طريق الفُضَيل بن سليمان، ومعلَّقًا من طريق ابن جُريج كلاهما عن موسى بن عقبة، وساقه على لفظ الرِّواية المعلَّقة.
وقد وصل مسلمٌ طريق ابن جُريج في «البيوع» عن محمَّد بن رافع وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن عبد الرَّزاق، به. وقد أخرج المؤلِّف المعلَّقَ هنا موصولًا في كتاب «الخُمُس» [خ¦3152] .
(أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) قال الهَرَويُّ جلى القوم عن مواطنهم وأجلاهم بمعنًى واحدٍ، والاسم الجلاء، ويقال جلا عن الوطن يَجْلو جلاءً، وأَجْلى يُجْلي إِجْلاءً، إذا خرج مفارِقًا، وجلوته أنا وأَجْليته وكلاهما لازمٌ ومتعدٍّ.
(مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) قال الواقديُّ الحجازُ من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى مشارق أرض البصرة فهو نجدٌ، وما بين العراق وبين وَجْرة وعمرة الطَّائف نجد، وما كان من وراء وَجْرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجدٍ فهو حجازٌ،
ج 11 ص 102
وإنَّما سمِّي حجازًا؛ لأنَّه يحجز بين تهامة ونجد، وقال الِكَرْمانيُّ الحجاز هو مكَّة والمدينة واليمن ومخاليفها وعمارتها، انتهى.
وتعقَّبه العَينيُّ بأن قال لم أدرِ من أين أخذ الِكَرْمانيُّ أنَّ اليمن من الحجاز، نعم هي من جزيرة العرب، قال المَدائِنيُّ جزيرة العرب خمسة أقسامٍ تهامة، ونجدٍ، وحجاز، وعروض، ويمن، ولم يذكر أحدٌ أنَّ اليمن من الحجاز.
(وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلى آخره موصولٌ لابن عمر رضي الله عنهما (لَمَّا ظَهَرَ) أي غلب (عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا وَكَانَتِ الأَرْضُ) أي أرض خيبرَ (حِينَ) وفي رواية (ظَهَرَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ) كذا في الأصول، وكذا عند ابن السَّكن عن الفربريِّ. وفي رواية فُضَيل بن سليمان التي تأتي [خ¦3152] وكانت الأرض لَمَّا ظهر عليها لليهود وللرَّسول وللمسلمين، قال المهلَّب يُجمَع بين الرِّوايتين بأنَّ رواية ابن جُرَيج محمولةٌ على الحال التي آل إليها الأمر بعد الصُّلح، ورواية فُضَيل على الحال التي كانت قبل، وذلك أنَّ خيبر فُتِحَ بعضُها صلحًا وبعضُها عنوةً، فالذي فُتِحَ عنوةً كان جميعه لله ولرسوله وللمسلمين، والذي فُتِحَ صلحًا كان لليهود ثمَّ صار للمسلمين بعقد الصُّلح.
وسيأتي بيان ذلك في كتاب «المغازي» [خ¦4249] إن شاء الله تعالى.
(وَأَرَادَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقِرَّهُمْ) أي لأن يسكنهم (بِهَا أَنْ يَكْفُوا) أي بأن يكفوا (عَمَلَهَا) ومؤنتها، وكلمة (( أن ) )مصدرية؛ أي لكفاية عمل نخيلاتها ومزارعها والقيام بتعهُّدها وعمارتها (وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ) وعند أحمد عن
عبد الرَّزاق أن يقرَّهم بها على أن يكفوا. وهو واضحٌ ونحوه رواية فُضَيل بن سليمان الآتية [خ¦3152] .
(فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقِرُّكُمْ بِهَا) أي نسكنكم فيها (عَلَى ذَلِكَ) أي على ما ذُكِرَ من كفاية العمل وكون نصف الثَّمر لهم.
(مَا شِئْنَا) أي مدَّة ما شئنا (فَقَرُّوا) بفتح القاف؛ أي سكنوا (بِهَا) أي بأرض خيبرَ (حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ) رضي الله عنه (إِلَى تَيْمَاءَ) بفتح المثناة الفوقية وسكون التحتية وبالمد (وَأَرِيحَاءَ) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون التحتية بعدها حاء مهملة
ج 11 ص 103
وبالمد أيضًا، قريتان مشهورتان من بلاد طيئ في أوَّل طريق الشَّام من المدينة.
وفي «المُغرب» تيماء موضعٌ قريبٌ من المدينة، وقال البكريُّ وأَرِيحاء قريةٌ بالشَّام، ويقال لها أَرِيحٌ أيضًا، سمِّيت بأَرِيحا بن لمك بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السَّلام.
وقد ذكر البلاذريُّ في «الفتوح» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا غلب على وادي القرى بلغ ذلك أهل تيماء فصالحوه على الجزيةِ وأقرَّهم ببلدهم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله صلى الله عليه وسلم (( نقرُّكم بها على ذلك ما شئنا ) )وفي الحديث إجلاء عمر رضي الله عنه اليهود من الحجاز؛ لأنَّه لم يكن لهم عهد من النَّبي صلى الله عليه وسلم على بقائهم فيها دائمًا، بل كان ذلك موقوفًا على مشيئته، ولما عهد صلى الله عليه وسلم عند موته بإخراجهم إلى تيماء وأريحاء بالشَّام.
وقال القرطبيُّ تمسَّك بعضُ أهل الظَّاهر على جواز المساقاة إلى أجلٍ مجهولٍ بقوله (( نقرُّكم بها على ذلك ما شئنا ) )، وجمهورُ الفقهاء على أنَّها لا تجوز إلَّا إلى أجلٍ معلومٍ قالوا وهذا الكلام كان جوابًا لَمَّا طلبوا حين أرادَ إخراجهم منها، فقالوا نعمل فيها ولكم النِّصف ونكفيكم مؤنةَ العمل، فلمَّا فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على المشيئة، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة.
وقد دلَّ على ذلك قول عمر رضي الله عنه عامل رسول الله صلى الله وسلم أهلَ خيبر على شطرِ ما يخرج منها. فأفرد العقد بالذِّكر دون ذكر الصُّلح.
وزعم النَّووي أنَّ المساقاة جازت للنَّبي صلى الله عليه وسلم خاصَّة في أوَّل الإسلام، يعني بغير أجلٍ معلومٍ.
قال وقال أبو ثور إذا أطلقا المساقاة؛ لأنَّها كالمزارعة، وقال صاحب «الهداية» وشُرِطَ بيانُ المدَّة في المساقاة؛ لأنَّها كالمزارعة، وكلُّ واحدٍ منهما كالإجارة فلا تجوز إلَّا ببيان المدَّة، فإذا لم يبيِّنا لم تجز، وبه قال الشَّافعي وأحمد إلَّا أنَّه ينبغي أن يكون أقلَّ المدَّة ما يمكن إدراك الثَّمرة فيه، وبه قال أحمد، واختلفت أقوال الشَّافعي في أكثر مدَّة الإجارة، فقال في موضعٍ سنة، وقال في موضعٍ إلى ثلاثين سنة، وقال في موضعٍ إلى ما شاء، وبه قال أحمد.
وقال أصحابنا في الاستحسان إذا لم يبيِّن
ج 11 ص 104
المدَّة يجوز ويقع على أوَّل ثمرةٍ تخرج في تلك السَّنة، فإن قيل قد ذكرت الآن إذا لم يبيِّنا المدَّة لم يجز، وهنا نقول يجوز، فالجواب أنَّ ذلك قياسٌ، وهذا استحسانٌ ويقع العقد على أوَّل ثمرٍ يخرج في تلك السَّنة؛ لأنَّ لإدراكها وقتًا معلومًا وإن تأخَّر أو تقدَّم فذلك يسيرٌ فلا يقعُ بسببه المنازعة عادةً بخلاف الزَّرع فإنَّه لا يجوز بلا ذكر المدَّة قياسًا واستحسانًا؛ لأنَّ ابتداءه يختلفُ كثيرًا خريفًا وصيفًا وربيعًا، فتقع الجهالة على الابتداء والانتهاء بناءً عليه، ولو لم تخرج الثَّمرة في المساقاة في أوَّل السَّنة التي وقع العقد فيها بدون ذكر المدَّة تبطلُ المساقاة.
وفي «التوضيح» كلُّ من أجاز المساقاة، فإنَّه أجازها إلى أجلٍ معلومٍ إلَّا ما ذكر ابنُ المنذر عن بعضهم أنَّه يُؤوَّل الحديث على جوازها بغير أجلٍ، وأئمَّة الفتوى على خلافه، وأنَّها لا تجوز إلَّا بأجلٍ معلومٍ. وقال مالكٌ الأمر عندنا في النَّخيل أنَّها تساقى السَّنتين والثَّلاث والأربع، والأقلُّ والأكثر وأجازها أصحابه في عشر سنين فما دونها.
وقال القرطبيُّ فإن قيل لم ينصَّ ابنُ عمر رضي الله عنهما ولا غيره ممَّن روى هذه القصَّة على مدَّة معلومةٍ، فمن أين لكم اشتراط الأجل.
فالجواب أنَّ الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة، وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم (( أقركم ما أقرَّ الله ) )لا يوجب فساد عقده، ويوجب فسادَ عقد غيره بعده؛ لأنَّه كان ينزل عليه الوحي بتقرير الأحكام ونسخها، فكان بقاء حكمه موقوفًا على تقرير الله تعالى، فإذا شرط ذلك في عقدهِ لم يوجب فسادَهُ، وليس الأمر كذلك من غيره؛ لأنَّ الأحكام قد ثبتتْ وتقرَّرت.
وفي الحديث أنَّ مساقاته صلى الله عليه وسلم على نصف الثَّمر تقتضي عموم الثَّمر، ففيه حجَّة لمن أجازها في الأصول كلِّها، وهو قول ابن أبي ليلى ومالكٍ والثَّوري والأَوْزاعي وأبي يوسف ومحمَّد، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال الشَّافعي لا يجوز إلَّا في النَّخل والكرم والرُّطاب وأصول الباذنجان، وقال داود لا يجوز إلَّا في النَّخل خاصَّة، وعن مالكٍ جوازُ المساقاة في المَقَاثي والبطيخ والباذنجان.
ورجالُ إسناد الحديث ما بين بصريٍّ
ج 11 ص 105
وهو شيخه وفُضَيل، ومدنيٍّ وهو موسى بن عُقبة ونافع، ويمانيٍّ وهو عبد الرَّزاق، ومكيٍّ وهو ابنُ جُرَيج، وشيخه من أفراده،
ج 11 ص 106
والله أعلم.