2346 - 2347 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بن فَروخ حرَّاني جَزَري، سكن مصر ومات بها سنة تسع وعشرين ومائتين، وهو من أفراده، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سَعْد (عَنْ رَبِيعَةَ) بفتح الراء (عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) واسمه فرُّوخ مولى المنكدر بن عبد الله، ويُكنَّى أبا عثمان، ويُسمَّى ربيعةَ الرَّأي (عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ) الزُّرَقي الأنصاريِّ، وفي رواية الأَوْزاعيِّ عند مسلمٍ عن ربيعة حدَّثني حَنْظلة. لكن ليس عنده ذكر عمَّيْ رافع.
(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي عَمَّايَ) أحدهما ظُهَيْر، والآخر قال الكلاباذي
ج 11 ص 114
لم أقف على اسمه، وقيل اسمه مُظَهر بضم الميم وفتح الظاء المعجمة، وقيل بالمهملة وتشديد الهاء المكسورة، كذا ضبطه عبد الغني وابنُ ماكولا، هكذا زعم بعض مَنْ صنَّف في المبهمات.
وفي «معجم الصَّحابة» لأبي قاسم البَغَويِّ ولأبي علي بن السَّكْن من طريق سعيد بنِ أبي عروبة عن يَعْلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديجٍ أنَّ بعض عمومته قال سعيد زعم قَتادة أنَّ اسمه مُهَير. فذكر الحديث.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ فهذا أولى أن يُعتمَد، وهو بوزن أخيه ظُهَير كلاهما بالتَّصغير.
(أَنَّهُمْ) أي أنَّ عمَّيه وغيرهما (كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ) قد مرَّ عن قريبٍ أنَّه جمع الرَّبيع؛ وهو النَّهر الصَّغير، وقد تقدَّم أنَّ المراد بذلك _ والله أعلم _ أطراف الأنهار الصَّغيرة ومجاريها، كما فسَّره ابن التِّين بذلك.
(أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ) من الاستثناء (صَاحِبُ الأَرْضِ) لأجله كاستثناء الثُّلث أو الرُّبع من المزروع ليوافق الرِّواية الأخرى (فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ) قال حَنْظلة بن قَيْس (فَقُلْتُ لِرَافِعٍ فَكَيْفَ) ويُروَى بدون الفاء. (هِيَ) أي كيف المزارعة وما حكمها (بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَقَالَ رَافِعٌ لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ) يحتمل أن يكون رافع رضي الله عنه علم ذلك بطريق التَّنصيص على جوازه، أو علم أنَّ النَّهي عن كراء الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيءٍ مجهولٍ، أو بجزء ما يخرج منها، فاستنبط من ذلك جواز الكراء بالذَّهب والفضَّة وأنَّه غير داخلٍ في النَّهي، ويُرجِّح كونه مرفوعًا ما رواه أبو داود والنَّسائي بإسنادٍ صحيحٍ من طريق سعيد بن المسيَّب عن رافع بن خديجٍ رضي الله عنه قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلةِ والمزابنةِ وقال إنَّما يزرع ثلاثة رجلٌ له أرض، ورجلٌ مُنِحَ أرضًا، ورجلٌ اكترى أرضًا بذهبٍ أو فضَّة ) ).
لكن قال النَّسائي بعد أن رواه من وجهٍ آخر أنَّ المرفوع منه هو النَّهي عن المحاقلةِ والمزابنةِ، وأنَّ بقيَّته مدرجةٌ من كلام سعيد بن المسيَّب.
وقد رواه مالكٌ في «الموطأ» والشَّافعي عنه عن ابن شهابٍ عن سعيد بن المسيَّب على أنَّه قوله.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله فقال رافعٌ ليس بها بأسٌ ... إلى آخره.
(وَقَالَ اللَّيْثُ) هو موصولٌ بالإسناد السَّابق إلى اللَّيث؛ أي قال اللَّيث بنُ سَعْد
ج 11 ص 115
(وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ) كذا في رواية الأكثر عن اللَّيث، ووقع عند أبي ذرٍّ هنا هو البخاريُّ نفسه بضم الهمزة، والضمير راجعٌ إلى شيخ اللَّيث ربيعةَ المذكورِ في الإسناد ومعناه؛ أي أظنُّه قال، ولم يجزم برواية شيخه له قوله وكأنَّ الذي نهى عنه من ذلك.
(مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ) وفي رواية النَّسفي وابن شَبُّويَه بالإفراد لإرادة الجنس، وقالا بالإفراد أيضًا (بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ) أي الإشراف على الهلاك، وقد سقط هذا النَّقل عن اللَّيث عند النَّسفي وابن شَبُّويَه ووقع قوله وكان الذي ... إلى آخره متَّصلًا بقول رافعٍ ليس بها بأسٌ ... إلى آخره.
وكذا وقع في «مصابيح البغوي» فصار مدرجًا في نفس الحديث عندهما، والمعتمد في ذلك على رواية الأكثر. ولم يذكر النَّسائي والإسماعيليُّ في روايتهما لهذا الحديث من طريق الليث هذه الزِّيادة، وقال التُّوريشتيُّ شارح (( المصابيح ) )لم يتبيَّن لي هل هذه الزِّيادة من الرُّواة أم من قول البخاريِّ، وقال البيضاويُّ الظَّاهر أنَّها من كلام رافع، انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد تبيَّن برواية أكثر الطُّرق في البخاريِّ أنَّها من كلام الليث، ثمَّ كلام الليث موافقٌ لِمَا عليه الجمهور من حمل النَّهي على كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا على كرائها مطلقًا حتَّى بالذَّهب والفضَّة، ثمَّ اختلف الجمهور في كرائها بجزءٍ ممَّا يخرج منها، فمَنْ قال بالجواز حمل أحاديث النَّهي على التَّنزيه كما يدلُّ عليه قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما، كما مضى في الباب الذي قبله [خ¦2342] .
ومَنْ لم يجز إجارتها بجزءٍ ممَّا يخرج منها قال النَّهي عن كرائها محمولٌ على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحيةً منها، أو شرط ما ينبت على النَّهر لصاحب الأرض؛ لِمَا في كلِّ ذلك من الغَرَر والجهالة.
وقال مالكٌ النَّهي محمولٌ على ما إذا وقع كراؤها بالطَّعام أو التَّمر؛ لئلا يصير من بيع الطَّعام بالطَّعام، وقال ابنُ المنذر ينبغي أن يُحمَل ما قاله مالكٌ على إذا كان المكرى به من الطَّعام جزءًا ممَّا يخرج منها، فأمَّا إذا اكتراها بطعامٍ معلوم في ذمَّة المكتري، أو بطعامٍ حاضرٍ يقبضه المالك، فلا مانع من الجواز، والله تعالى أعلم.