فهرس الكتاب

الصفحة 3670 من 11127

2350 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) بن أبي سَلَمة المُنقرَيُّ البصريُّ المدنيُّ، يقال له التَّبوذَكي قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف أبي إسحاق الزُّهري القرشي المديني، كان على قضاء بغداد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ) أي رواية الحديث (وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ) بفتح الميم، وهو إمَّا مصدر ميمي، أو اسم زمان، أو اسم مكان، وعلى كلِّ تقدير لا يصحُّ أن يخبر به عن الله تعالى فلابدَّ من تأويلٍ. فمعناه في كونه مصدرًا والله هو الواعد، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة؛ يعني هو الواعد بالخير والشَّر، والواعد مستعملٌ في الخير والشَّر، يقال وعدته خيرًا ووعدته شرًّا، فإذا سقط الخير والشَّر، يقال في الخير الوعد والعدة، وفي الشَّر الإيعاد والوعيد. كذا قال العينيُّ، فتأمَّل في قوله تعالى

ج 11 ص 119

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج 47] ، وأمَّا في كونه اسم زمان، فالتَّقدير وعند الله الموعد يوم القيامة، وفي كونه اسم مكان تقديره وعند الله الموعد في المحشر، وحاصل المعنى على كلِّ تقديرٍ فالله تعالى يحاسبني إن تعمَّدت كذبًا، ويحاسب من ظنَّ بي ظنَّ السُّوء.

(وَيَقُولُونَ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لاَ يُحَدِّثُونَ بمِثْلِ أَحَادِيثِهِ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي) وفي نسخة (مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ) أي الزَّرع والغرس (وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي) بكسر الميم (فَأَحْضُرُ) أي مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم (حِينَ يَغِيبُونَ) عنه (وَأَعِي) أي أحفظُ من وَعَى يَعِي وَعْيًا، إذا حفظ وفهم، وأنا واعٍ، والأمر عِ؛ أي أحفظ [منه] (حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ) بالنصب عطفًا على قوله لن يبسط (إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى) هو منصوبٌ أيضًا عطفًا عليه (مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا) والمعنى أنَّ البسط المذكور مع الجمع المذكور والنِّسيان لا يجتمعان؛ لأنَّ البسط الذي بعده الجمع المتعقِّب للنِّسيان منفيٌّ فعند وجود البسط ينعدمُ النِّسيان وبالعكس.

(فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ) بفتح النون وكسر الميم، هي بردةٌ من صوفٍ يلبسها الأعراب (لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا) والمراد بسط بعضها؛ لئلا يلزم كشف العورة.

(حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللَّهِ) أي قال أو حلف أبو هريرة رضي الله عنه (لَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا) وهما قوله تعالى في سورة البقرة ( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى} إِلَى قَوْلِهِ {الرَّحِيمُ} ) وتفسيرهما على ما فسَّره المفسِّرون

ج 11 ص 120

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} كأحبار اليهود {مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} كالآيات الشَّاهدة على أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم {وَالْهُدَى} وما يهدي إلى وجوب اتِّباعه والإيمان به {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ} ولخَّصناه {لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ} في التَّوراة لم ندع فيه موضع إشكالٍ، ولا اشتباهٍ على أحدٍ منهم، فعمدوا إلى ذلك المُبيَّن المُلخَّص فكتموه ولبَّسوا على النَّاس.

قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما نزلتْ في رؤساء اليهود كعب بن الأشرف، وكعب بن أُسَيْد، ومالك بن حنيف وغيرهم كانوا يتمنَّون أن يكون النَّبي منهم فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم خافوا أن تذهبَ مآكلهم من السَّفلة فعمدوا إلى صفة النَّبي صلى الله عليه وسلم فغيَّروها في كتابهم ثمَّ أخرجوها إليهم فقالوا هذا نعت النَّبي الذي يبعث في آخر الزَّمان، وهو لا يشبه نعت النَّبي الذي بمكَّة، فلمَّا تطرَّق السَّفلة إلى صفة النَّبي من التي غيَّروها جحدوه؛ لأنَّهم وجدوه مخالفًا فأنزل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} [البقرة 159] .

وقال أبو العالية نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم.

{أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ} ولعنة الله على عباده عبارةٌ عن طرده إيَّاهم عن رحمتهِ وجنته وإبعادهم عنها {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} أي الذين يتأتى منهم اللَّعن عليهم من الملائكة، والثَّقلين، أو دوابِّ الأرض، قاله البراءُ بن عازب رضي الله عنه.

وقال عطاءُ بن أبي رَباح اللَّاعنون كلُّ دابَّة والجنُّ والإنس، وقال مُجاهد إذا أجدبت الأرض قالت البهائم هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم.

وقال قَتادة وأبو العالية والربيع بن أنس {يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} يعني تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.

وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن كتم ما جاءت به الرُّسل من الدَّلالات البيِّنة الصَّحيحة، والهدى النَّافع للقلوب من بعد ما بيَّنه الله لعباده في كتبه التي أنزلها على رسلهِ عليهم الصلاة والسلام.

ثمَّ إنَّ قوله تعالى يتناول كلَّ من كتم شيئًا في الدِّين، كما يدلُّ عليه ظاهر اللَّفظ فإنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فإنَّ مدلول الآية أنَّ ما يحتاج المكلف إلى بيانه من أمر الدِّين لا يجوز كتمانه، ولهذا تحرَّج أبو هريرة رضي الله عنه

ج 11 ص 121

عن كتمان ما سمعَه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ إنَّه تعالى استثنى من هؤلاء من تاب إليه بقوله {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتابَ عنه {وَأَصْلَحُوا} ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم من أعمالهم.

{وَبَيَّنُوا} ما بيَّنه الله في كتابهم فكتموه؛ لتتمَّ توبتهم، كما بيَّن عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأضرابه، وقيل بيَّنوا للنَّاس ما أحدثوه من التَّوبة؛ ليمحوا سمةَ الكفر عنهم ويُعرَفوا بغير ما كانوا يُعرَفون به ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} بالقَبول والمغفرة {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} المبالغ في قَبول التَّوبةُ وإفاضة الرَّحمة، وقد ورد أنَّ الأمم السَّالفة لم يكن تُقبَل التَّوبةُ من مثل هؤلاء، ولكن هذا من شريعة نبيِّ التَّوبة ونبي الرَّحمة عليه أكمل التَّحيات وأمثل الصَّلوات وأفضل التَّسليمات.

وفي الآية دلالةٌ على أنَّ الدَّاعي إلى كفرٍ أو بدعة إذا تاب تابَ الله عليه.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله وإنَّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم فإنَّ المراد من ذلك عملهم في الأراضي بالزِّراعة والغرس.

وقد مضى هذا الحديث في كتاب «العلم» ، في باب «حفظ العلم» [خ¦118] بأخصَّ من ذلك، فيه تقديمٌ وتأخير.

خاتمة قد اشتمل كتاب المزارعة وما أضيف إليه من إحياء الموات وغيره من الأحاديث المرفوعة على أربعين حديثًا المُعلَّق منها تسعة، والبقيَّة موصولة، المُكرَّر منها فيه وفيما مضى اثنان وعشرون حديثًا، والخالص ثمانية عشر حديثًا، وافقه مسلمٌ على جميعها سوى حديث أبي أمامة رضي الله عنه في آلة الحرث، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في سؤال الأنصار القسمة، وحديث عمر رضي الله عنه (( لولا آخر المسلمين ) ). وحديث عَمرو بن عوف وجابر وعائشة رضي الله عنهم في إحياء الموات، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (( أنَّ رجلًا من أهل الجنَّة استأذن ربَّه في الزَّرع ) ).

وفيه من الآثار عن الصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعين سبعة وثلاثون أثرًا، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت