فهرس الكتاب

الصفحة 3676 من 11127

2353 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز

ج 11 ص 133

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يُمْنَعُ) على البناء للمفعول (فَضْلُ الْمَاءِ) والمراد بالفضل كما عرفت آنفًا ما زاد على الحاجة. وفي رواية أحمد من طريق عُبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لا يمنع فضل ماءٍ بعد أن يستغنى عنه ) ).

(لِيُمْنَعَ) على البناء للمفعول أيضًا (بِهِ الْكَلأُ) بفتح الكاف واللام بعدها همز مقصور، العشب والنَّبات سواءٌ كان رطبًا أو يابسًا.

وفي «المحكم» هو اسمٌ للنَّوع ولا واحدَ له، قال الخطَّابي هذا في الرَّجل يحفرُ البئر في الموات فيملكها بالإحياء وبقرب البئر موات فيه كلأٌ ترعاه الماشية، ولا يكون لهم مقامٌ إذا مُنعوا الماء، فأُمِرَ صاحبُ الماء أن لا يمنعَ الماشية فضلَ ماءه؛ لئلا يكون مانعًا للكلأ.

وتوضيح ذلك أن يكون حول بئر رجل كلأ ليس عنده ماء غيره، ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلَّا إذا مُكِّنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر؛ لئلا تتضرَّر بالعطش بعد الرَّعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرَّعي.

وإلى هذا التَّفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختصُّ البذل بمَنْ له ماشيةٌ ويلتحق به الرُّعاة إذا احتاجوا إلى الشُّرب؛ لأنَّهم إذا مُنعوا منه مُنعوا من الرَّعي هناك.

ويُحتَمل أن يُقالَ يمكنهم حمل الماء لأنفسهم لقلَّة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم، والصَّحيح هو الأوَّل، وقال ابن بزيزة منع الماء بعد الرِّيِّ من الكبائر، ذكره يَحيَى في «خِراجه» .

وقد اختلف العلماء في أنَّ هذا النَّهي للتَّحريم، أو للتَّنزيه، فقال الطِّيبي وبنوا ذلك على أنَّ الماء يُملَك أم لا؟ فالأَولى حمله على الكراهة، وفي «التوضيح» والنَّهي فيه على التَّحريم عند مالكٍ والأَوْزاعيِّ، ونقله الخطَّابي وابن التِّين عن الشَّافعي واستحبَّه بعضُهم، وحمله على النَّدب، قيل ويلتحق بذلك الزَّرع عند مالك والصَّحيح عند الشَّافعية الاختصاص بالماشية.

وكذلك مذهب الحنفيَّة الاختصاص بالماشية وفرق الشَّافعي، فيما حكاه المُزَني عنه بين المواشي والزَّرع بأنَّ المواشي ذات أرواحٍ يخشى من عطشها موتها بخلاف الزَّرع، وبهذا أجاب النَّووي وغيره.

واستُدلَّ لمالكٍ بحديث جابرٍ رضي الله عنه عند مسلمٍ (( نهى عن بيع فضل الماء ) )لكنَّه مطلقٌ، فيحمل على المقيَّد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلأٌ يُرعَى فلا منع من المنع لانتفاء العلَّة.

ولا خلاف بين العلماء أنَّ صاحب الماء أحقُّ به حتَّى يَروَى؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع فضل الماء، كما في حديث جابرٍ رضي الله عنه عند مسلمٍ فأمَّا مَنْ لا يفضل له فلا يدخل في هذا النَّهي؛ لأنَّ صاحب الشَّيء أولى به.

وقال مالكٌ في «المدونة» وغيرِه

ج 11 ص 134

إنَّ الحديث المذكور في الآبار التي يحفرها المرء وبقربها كلأٌ مباح فإذا منع الماء اختصَّ بالكلأ، فأُمِرَ أن لا يمنع فضل الماء؛ لئلَّا يكون مانعًا للكلأ.

وقال القاضي في «إشرافه» في حافر البئر في الموات لا يجوز له منع ما زاد على قدر حاجته لغيره بغير عوضٍ. وقال قومٌ يلزمه بالعوض، أمَّا حافرها في ملكه فله المنع من ذلك، ويكون أحقَّ بمائها حتَّى يَروَى، ولا يكون للنَّاس ما فَضُلَ إلَّا مَنْ مرَّ بهم لشفاههم ودوابهم، فإنَّهم لا يُمنَعون كما يُمنَع مَنْ سواهم.

وقال الكوفيُّون له أن يمنعَ من دخول أرضه وأخذ مائه إلَّا أن لا يكون لشفاههم ودوابهم ماءٌ، فيسقيهم وليس عليه سقي زرعهم.

هذا وقال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وهو محمولٌ عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة، وكذلك في الموات إذا كان بقصد التَّملك والصَّحيح عند الشَّافعية ونصَّ عليه في القديم أنَّ الحافر يملك ماءها.

وأمَّا البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق لا التَّملك، فإنَّ الحافر لا يملك ماءها، بل يكون أحقُّ به إلى أن يرتحلَ.

وفي الصُّورتين يجب عليه بذل ما يفضلُ عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصَّحيح عند الشَّافعية، وخصَّ المالكيَّة هذا الحكم بالموات، وقالوا في البئر التي في الملك لا يجب عليه بذل فضلها، وأمَّا الماء المُحرَز في الإناء، فلا يجبُ بذل فضله لغير المضطر على الصَّحيح، كما تقدَّم، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ منعَ فضل الماء يدل على أنَّ صاحب الماء أحقُّ به عند عدم الفضل.

والحديث أخرجه البخاريُّ في «ترك الحيل» أيضًا [خ¦6962] ، وأخرجه مسلمٌ في «البيوع» ، والنَّسائي في «إحياء الموات» ، وكذا أبو داود والتِّرمذي وابن ماجه.

ولفظ ابن ماجه (( لا يمنعُ أحدكُم فضلَ الماء يمنع به الكلأ ) )، وفي لفظ له (( ثلاثٌ لا يُمنَعْنَ الماء والكلأ والنَّار ) )وأخرج ابن ماجه أيضًا من رواية حارثة عن عَمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يمنع فضل الماء ولا يمنع نقعَ البئر ) ).

وأخرج أحمد في «مسنده» حدَّثنا عفان ثنا حمَّاد بن سلمة، عن عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ منعَ فضلَ مائه أو فضلَ كلأه

ج 11 ص 135

منعه الله عزَّ وجلَّ فضله )) . وأخرج أبو يَعلَى في «مسنده» من حديث سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( مَنْ منعَ فضل ماء منعه الله فضلَه يوم القيامة ) ). وروى ابن مَردُويَه في «تفسيره» من رواية مَكْحول عن واثِلَةَ بن الأَسْقَع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تمنعُوا عبادَ الله فضلَ الماء ولا كلأً ولا نارًا، فإنَّ الله جعلها متاعًا للمُقْوينَ وقوَّةً للمستضعفين [1] ) ).

[1] في هامش الأصل قوله للمقوين أي متاعًا ومنفعة للذين ينزلون القِواء، وهي _ بالمد والقصر_ القَفْرُ والمنزلُ الذي لا أنيسَ به، يُقالُ أقوى؛ أي دخل القِواء نحو أصحر، أو للذين خلتْ بطونهم، أو مراودهم من الطَّعام، من أقواتْ الدار. إذا خلت من ساكنيها، وتخصيصهم بالذَّكر مع أنَّ الانتفاع بها لا يخصهم للدَّلالة على كماله في حقهم، فكان انتفاع غيرهم بالنسبة إليهم كلا انتفاع. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت