2355 - (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ) هو ابنُ غَيلان _ بفتح الغين المعجمة _ [خ¦604] قال (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) أي ابن موسى، وعبيد الله هذا شيخ البخاريِّ أيضًا، وروى عنه بدون واسطة في أوَّل «الإيمان» [خ¦8] ، وهنا بواسطة محمود، ثمَّ في بعض النسخ بالإفراد فيهما (عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي [خ¦126] (عَنْ أَبِي حَصِينٍ) بفتح المهملة الأولى وكسر الثانية، عثمان بن عاصم [خ¦110] (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمان الزَّيات، وقد مرَّ ذكر كلِّهم [خ¦110] .
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَعْدِنُ) بكسر الدال كمجلس، منبت الجواهر والذَّهب والفضَّة والحديد والنُّحاس والرصاص والكبريت وغير ذلك، من عدن بالمكان، إذا أقام به، يَعدِن _ بالكسر _ عُدُونًا، سُمِّيَ بذلك لعُدُون ما أنبتَه الله فيه، قاله الأزهريُّ. وقال في «القاموس» لإقامة أهله فيه دائمًا.
(جُبَارٌ) بضم الجيم وتخفيف الموحدة؛ أي هدرٌ ليس فيه شيءٌ؛ يعني إذا حفر رجلٌ معدنًا في ملكه، أو في موات فوقع فيه شخصٌ فمات، أو أستأجره ليعمل في المعدنِ فهلك لا يضمنه، بل يكون دمه هدرًا.
وقيل ليس المراد أنَّه لا زكاة فيه، بل يجبُ فيه ربع العشر لا الخمس؛ لأنَّه يحتاج إلى عملٍ ومعالجة واستخراج بخلاف الرِّكاز، وقد جرت السُّنة أنَّ ما غلظتْ مؤنته خُفِّفَ عنه في مقدار الزَّكاة وما خفَّت زِيْدَ فيه.
أقول هذا عند مالكٍ والشَّافعي، وأمَّا عندنا فيجبُ فيه الخمس، كما في الرِّكاز، كما سيجيء.
(وَالْبِئْرُ جُبَارٌ) يعني أنَّه إذا حفرها
ج 11 ص 138
في موضعٍ يسوغ له حفرها فسقط فيها أحدٌ فلا ضمان عليه.
وقيل معناه أن يستأجرَ مَنْ يحفر له بئرًا فانهارتْ عليه البئر، فلا ضمان عليه، وأمَّا إذا حفرَها في طريق المسلمين، أو في مِلك غيره بغيرِ إذنه فتلفَ فيها إنسانٌ وجبَ ديته على عاقلة حافرها، والكفَّارة في ماله، وإن تلف غير الآدميِّ وجب ضمانه في مال الحافر، كما فُصِّل في موضعه.
(وَالْعَجْمَاءُ) بفتح العين المهملة وسكون الجيم وبالمد؛ أي البهيمة سمِّيت بها؛ لأنَّها لا تتكلَّم (جُبَارٌ) يعني إذا أتلفت شيئًا بالنَّهار أو بالليل من غير تفريطٍ من مالكها، أو أتلفت ولم يكن معها أحدٌ فليس فيه ضمانٌ، وفيه خلافٌ وتفصيل بين الأئمة [1] .
وقد مرَّ الكلام فيه مستوفىً في باب «الركاز الخمس» ، في كتاب «الزكاة» [خ¦1499] .
(وَفِي الرِّكَازِ) وهي قطعٌ من الذَّهب تخرج من المعادن، وهذا قول صاحب «العين» وأبي عُبيدة، وفي «مجمع الغرائب» الرِّكاز المعادن، وفي «النهاية» لابن الأثير المعدن والرِّكاز واحدٌ.
وقال صدر الشَّريعة الرِّكاز هو المال المركوزُ في الأرض مخلوقًا كان أو موضوعًا والمعدن ما كان مخلوقًا والكنز ما كان موضوعًا.
(الْخُمُسُ) فإذا وُجِدَ في أرضِ خراجٍ أو عُشْرٍ معدنُ ذهبٍ أو فضَّةٍ أو حديدٍ أو رصاصٍ أو صُفْرٍ ففيه الخمس عندنا وأربعة أخماسه لمن وجده، وقال مالكٌ والشَّافعي لا شيء عليه؛ لأنَّه مباحٌ سبقت يده إليه، كالصَّيد إلَّا إذا كان المستخرج ذهبًا أو فضةً فتجب فيه الزَّكاة ولا يشترط الحول في قولٍ؛ لأنَّه نماء كلُّه والحول للتَّنمية. ولنا قوله صلى الله عليه وسلم (( وفي الركاز الخمس ) )وهو من الركز فانطلق على المعدن؛ ولأنَّها كانت في أيدي الكفرة وحوته أيدينا غلبةً فكانت غنيمةً، وفي الغنائم الخمس بخلاف الصَّيد؛ لأنَّه لم يكن في يد أحدٍ، إلَّا أنَّ للغانمين يدٌ حكميَّةٌ؛ لثبوتها على الظَّاهر، وأمَّا الحقيقيَّة فللواجد فاعتبرنا الحكميَّة في حقِّ الخمس والحقيقيَّة في حقِّ أربعة الأخماس حتَّى كان للواجد.
ولو وجد في داره معدنًا فليس فيه شيءٌ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمَّد فيه الخمس،
ج 11 ص 139
وإن وجد في أرضه فعن أبي حنيفة روايتان، ووجوه الاختلاف مذكورةٌ في كتب الفروع كـ «الهداية» ونحوها.
وإن وجد ركازًا _ أي كنزًا _ فإن كان على ضرب أهل الإسلام كالمكتوبِ عليه كلمة الشَّهادة، فهو بمنزلة اللُّقطة، وقد عُرف حكمها في موضعها، وإن كان على ضربِ أهل الجاهليَّة كالمنقوش عليه الصَّنم، ففيه الخمس على كلِّ حالٍ عندهم جميعًا، ثمَّ إن وجدهُ في أرضٍ مباحة فأربعة أخماسهِ للواجدِ وإن وجدَه في أرضٍ مملوكةٍ، فكذا الحكم عند أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمَّد هو للمُخِتَطِّ له، وهو الذي ملَّكه الإمام هذه البقعة أوَّل الفتح؛ لأنَّه سبقت يده إليه، وهي يد الخصوص، فيملك بها ما في الباطن وإن كانت على الظَّاهر، ثُمَّ بالبيع لم يخرج عن ملكه؛ لأنَّه مودع فيها بخلاف المعدن؛ لأنَّه من أجزائها فينتقل إلى المشتري، وإن لم يُعرَف المُختَطُّ له يصرف إلى أقصى مالكٍ يُعرَف له في الإسلام على ما قالوا.
ولو اشتبه الضَّرب يُجعَل جُاهليًّا في ظاهر المذهب؛ لأنَّه الأصل، وقيل يجعل إسلاميًّا في زماننا؛ لتقادم العهد، والله أعلم.
وقد مرَّ الحديث في كتاب «الزَّكاة» في باب «الركاز الخمس» [خ¦1499] ، ومطابقته للتَّرجمة في قوله (( والبئر جبار ) )؛ أي هدر لا ضمان فيه.
قال ابن المُنَيِّر والحديث مطلقٌ والتَّرجمة مقيَّدة بالمِلك، وهي إحدى صور المطلق وأقعدها بسقوط الزَّمان؛ لأنَّه إذا لم يضمنْ إذا حفر في غير ملكه، فالذي يحفر في ملكه أحرى بعدم الضَّمان، انتهى.
وإلى عدم التَّفرقة بين الحفر في ملكه وغيره ذهب الجمهور، وخالف الكوفيُّون.
وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب «الدِّيات» [خ¦6912] [خ¦6913] إن شاء الله تعالى.
[1] في هامش الأصل وعند أبي حنيفة رحمه الله لا ضمان فيما رمحت برجلها دون يدها؛ لإمكان التحفظ من اليد دون الرجل، وإذا أتلفت بالنهار وكانت معروفةً بالإفساد ولم يكن معها أحدٌ فإنَّ مالكها يضمن؛ لأن عليه ربطها، وقال بعض الحنفية إنَّ الرَّاكب والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابة برجلها أو ذنبها إلا إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق فقال القدوري وآخرون إنه ضامنٌ لما أصابت بيدها ورجلها؛ لأن النَّفحة بمرأى من عينه، فأمكنه الاحتراز عنها، وقال أكثرهم لا يضمن النفحة أيضًا وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التَّحرز عنه بخلاف الكدم؛ لإمكان التَّحرز بكبحها بلجامهِ، وصححه صاحب «الهداية» .