2359 - 2360 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سَعْد (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) أي ابن الزبير بن العوَّام
ج 11 ص 149
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ) قال الشيخ زين الدِّين العراقي لم تقعْ تسمية هذا الرجل في شيءٍ من طُرُق الحديث فيما وقفتُ عليه، وحكى الدَّاودي فيما نقله القاضي عياضٌ عنه أنَّ هذا الرَّجل كان منافقًا، وكذا قال أبو إسحاق والزَّجاج.
وأمَّا ما ذكر من قوله من الأنصار فلا ينافي كونه منافقًا؛ لأنه يكون من قبيلتهم لا من الأنصار المسلمين، كما قال النَّووي، لكن يعكِّر عليه قول البخاري في كتاب «الصُّلح» [خ¦2708] أنَّه من الأنصار قد شهدَ بدرًا، ويدلُّ عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث في رواية الترمذي وغيره فغضبَ الأنصاري فقال يا رسول الله ولم يكن غير المسلمين يخاطبونه صلى الله عليه وسلم بقولهم يا رسول الله، وإنما كانوا يقولون يا محمد. لكن أجاب الدَّاودي عن ذلك بعد أن جزم بأنه كان منافقًا فقال وقيل كان بدريًا، فإن صحَّ فقد وقع ذلك منه قبل شهوده بدرًا؛ لانتفاء النِّفاق عمَّن شهد بدرًا.
وأمَّا قوله من الأنصار، فيُحمل على المعنى اللُّغوي لا أنَّه كان من الأنصار المشهورين، وقد وجهه القرطبي أيضًا بأنَّه كان من الأنصار نسبًا لا دينًا، كما قال النَّووي، قال وهذا هو الظَّاهر من حاله، ويُحتَمل أن يكون أنَّه لم يكن منافقًا، لكن صدر ذلك منه بادرة النَّفْس، كما وقع لغيرهِ ممَّن صحَّت توبته، وقوَّى هذا شارح المصابيح التُّوربشتي بقوله قد اجترأ جمعٌ بنسبة هذا الرَّجل إلى النِّفاق وهو باطلٌ إذ كونه أنصاريًا صفة مدحٍ، ولم تجر عادة السَّلف بوصف المنافقين بصفة النَّصرة التي هي صفة مدح، فلم يطلقوا على مَنْ اتُهمَ بالنِّفاق الأنصاري ولو شاركهم في النَّسب قال هي زلَّةٌ من الشَّيطان تمكن به منها عند الغضب، وليس بمُستَنكَرٍ ولا مُستَبدَعٍ من غير المعصوم الابتلاء بأمثال ذلك في تلك الحالة، انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنه لا ملازمة بين صدور هذه القصة منه وبين النِّفاق، وقد زاد في رواية شُعَيب في كتاب «الصلح» [خ¦2708] (( قد شهد بدرًا ) )كما مرَّ، فعلى تقدير كونه أنصاريًا بدريًا، فمعنى قوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} [النساء 65] لا يستكملون الإيمان، والله تعالى أعلم.
ثم إنَّه قد وقع في رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهريِّ عند الطَّبري في هذا الحديث أنه من بني أميَّة بن زيد، وهم بطنٌ من الأَوْسِ.
ج 11 ص 150
ووقع في رواية يزيد بن خالد عن اللَّيث عن الزُّهري عن عروة. عند ابن المقرئ في «معجمه» في هذا الحديث أنَّ اسمه حُمَيد، وقال أبو موسى المديني في «ذيل الصحابة» لهذا الحديث طُرُق لا أعلم في شيءٍ منها ذكر حميدٍ إلَّا في هذه الطَّريق. انتهى.
قال الحافظُ العَسْقَلاني وليس في البدريين من الأنصار من اسمه حُمَيد، وحكى ابنُ بشكوال في «مبهماته» عن شيخه أبي الحسن ابن مغيث أنَّه ثابت بن قيس بن شمَّاس، قال ولم يأت على ذلك بشاهدٍ، وليس ثابت بدريًا.
وقد سمَّاه الواحديُّ في «أسباب النزول» وقال إنَّه حاطب بن أبي بلتعةَ، وكذا سمَّاه شيخه الثَّعلبي ومحمد بن الحسن النَّقاش ومكي والمهدوي أنَّه حاطب بن أبي بلتعةَ.
وتُعُقِّب بأنَّ حاطبًا وإن كان بدريًا لكنَّه مُهاجري، لكن مستند ذلك ما أخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق سعيد بن عبد العزيز عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية نزلت في الزبير بن العوَّام، وحاطب بن أبي بلتعةَ اختصما في ماء، الحديث.
وإسناده قويٌّ لكنه مرسلٌ، وإن كان سعيد بن المسيِّب سمعه من الزُّبير فيكون موصولًا وعلى هذا فيُؤَوَّلُ قوله من الأنصار، على إرادة المعنى الأعم، وهو من ينصر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، كما وقع ذلك في حقِّ غير واحدٍ، كعبد الله بن حذافةَ.
وأما قول الِكَرْماني بأن حاطبًا كان حليفًا للأنصار ففيه نظرٌ، وأمَّا رواية أنَّه من بني أميَّة بن زيد فلعلَّه كان مسكنه هناك كعمر رضي الله عنه، كما تقدَّم في «العلم» [خ¦89] ، ويترشَّح بأن حاطبًا كان حليفًا لآل الزُّبير بن العوَّام من بني أسد، فكأنَّه كان مجاورًا للزُّبير، والله تعالى أعلم.
وقال الواحديُّ وقيل إنَّه ثعلبة بن حاطبٍ الأنصاري الذي نزل فيه قوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ} [التوبة 75] ، ولم يذكر مستنده، وليس بدريًا أيضًا.
نعم ذكر ابنُ إسحاق في البدريين ثعلبة بن حاطب، وهو من بني أميَّة بن زيد.
قال الحافظُ العَسْقَلاني وهو عندي غير الذي قبله؛ لأنَّ هذا ذكر ابن الكلبيِّ أنَّه استشهد بأُحُد، وذاك عاش إلى خلافة عثمان رضي الله عنه، وذكر الدَّميري في «حياة الحيوان» في حرف الحاء حرقوص، وهو ذو الخُوَيصرة، وهو الذي خاصم الزُّبير وبال في المسجد، وقال للنَّبي صلى الله عليه وسلم (( اعدل ) ).
قال النَّووي قال العلماء لو صدر مثل هذا الكلام اليوم من إنسانٍ جرت على قائله أحكام المرتدِّين فيجبُ قتله بشرطه، وقالوا وأما ترك النَّبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان في أوَّل الإسلام يتألَّف الناس ويدفعُ بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين الذين في قلوبهم مرضٌ.
وقال الثَّعلبي فلمَّا خرجا _ يعني الزُّبير وحاطبًا _ مرَّا على المقداد
ج 11 ص 151
فقال لمن كان القضاء يا أبا بلتعةَ؟ فقال قضى لابنِ عمَّته ولوى شِدْقه ففطن له يهوديٌّ كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يتَّهمونه في قضاءٍ يقضي بينهم، وايم الله لقد أذنبنا مرَّة في حياة موسى عليه السلام فدعانا موسى عليه السلام إلى التَّوبة منه فقال اقتلوا أنفسكم فقتلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في ربِّنا حتى رضيَ عنا، والله أعلم.
(خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) أحد العشرة المبشَّرة بالجنَّة، وفي رواية معمر والمخاصمة مُفاعلة من الجانبين، فكلٌّ منهما مُخاصِمٌ للآخر.
(عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ) الشِّرَاج بكسر المعجمة وتخفيف الراء وفي آخره جيم، قيل هو واحد. وقيل جمع شَرْج _ بفتح أوله وسكون الراء _ مثل بَحْر وبِحار، ورَهْن ورِهَانٌ، ويجمع على شُرُوج وشُرُج، بضمتين أيضًا، وقيل الشَّرْج جمع شِرَاج، والشِّرَاج جمع شَرْج، وحكى ابنُ دريد شرَج، بفتح الراء، وحكى القرطبيُّ شرجة، وفي «المحكم» ويجمع على أَشْراج، وفي «المنتهى» لأبي المعالي الشَّرج مسيل الماء من الحزن إلى السَّهل، وفي روايةٍ للبخاري (( شريج الحرَّة ) ) [خ¦4585] ، وإنما أضيف إلى الحرَّة لكونه فيها.
وقال الدَّاودي الشِّراج نهرٌ عند الحرَّة بالمدينة. وهذا غريبٌ، وليس بالمدينةِ نهرٌ.
قال أبو عُبيد كان بالمدينة واديان يسيلان بماءِ المطر فتنافسَ النَّاس فيه فقضَى رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعلى فالأعلى.
والحَرَّة _ بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء _ الأرض الصَّلبة الغليظةِ ذات حجارةٍ سود نخرة، والجمع حرَّات وحرار.
وفي «مثلث ابن سِيْده» ويجمع أيضًا على حرون، وبالمدينة حرَّتان حرَّة واقم، وبها كانت وقعة الحرَّة أيَّام يزيد، وحرَّة ليلى.
وزاد ابنُ عُدَيس في (( المثنى والمثلث ) )وحرَّة الحوض بين المدينة والعقيق، وحرَّة قباء في قبلة المدينة.
وزاد ياقوت وحرَّة الوَبَرة _ بالتحريك وأوله واو بعدها باء موحدة _ على أميالٍ من المدينة، وحرَّة النار قرب المدينة. والمشهور بذلك الاسم هو حرَّة واقمٍ، قيل وهو المراد هنا.
(الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ) وفي رواية شُعَيب (( كانا يسقيان به كلاهما ) ) [خ¦2708] (فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) أي للزُّبير رضي الله عنه (سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ) أمرٌ من التَّسريح؛ أي سيِّبه وأرسله وأطلقهُ، ومنه سرَّحوا الماء في الخندقِ،
ج 11 ص 152
وقوله (( يمر ) )جملة وقعت حالًا من الماء. قال العينيُّ قال بعضُهم _ يريد به الحافظَ العَسْقَلاني _ وضبطَ الِكَرْمانيُّ فأمِرَّه _ بكسر الميم وتشديد الراء _ على أنَّه فعل أمرٍ من الإمرار، قال وهو مُحتمِلٌ. قلت لم أر ذلك في شرح الِكَرْمانيِّ فإن كانت النسخ مختلفة فلا يبعد، انتهى.
أقول فسبحان الذي لا يسهو، فإن الحافظَ العَسْقَلاني لم يقل ذلك في قوله (( يمر ) )، بل قال في سياق قوله صلى الله عليه وسلم (( اسقْ يا زبيرُ ) )حيث قال زاد ابنُ جُريج في روايته _ كما سيأتي بعد باب _ (( فأَمِرَّه بالمعروف ) ) [خ¦2362] ، وهي جملة معترضةٌ من كلام الرَّاوي، وقد أوضحها شعيبٌ في روايته [خ¦2708] حيث قال في آخره وكان قد أشار على الزُّبير رضي الله عنه برأي فيه سعةٌ له وللأنصاري. وضبط الِكَرْماني فأمِرَّه _ بكسر الميم وتشديد الراء _ على أنه فعل أمرٍ من الإمرار، انتهى. وهذا موجودٌ في «شرح الكرماني» عند شرح قوله فأَمِرَّه بالمعروف، في الحديث الآتي في الباب الذي يلي الباب الذي يلي هذا الباب [خ¦2362] ، والله أعلم بالصَّواب.
وليت شعري كيف سها في مثل هذا مع بسطةِ علمهِ الزَّاخر وغزارته، وليس هذا والله تعالى أعلم إلَّا لتعصبه على الحافظِ العَسْقَلاني على ما هو مقتضى المعاصرة، عفا الله عنا وعنهم.
هذا وإنما قال الأنصاري للزبير رضي الله عنه ذلك؛ لأن الماء كان يمر بأرض الزبير قبل أرض الأنصاري فيحبسه لإكمال سقي أرضه، ثم يرسله إلى أرض جاره فالتمس منه الأنصاري تعجيل ذلك.
(فَأَبَى عَلَيْهِ) أي امتنع الزبير على الذي خاصمه من إرسال الماء (فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ) رضي الله عنه (اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بكسر همزة الوصل، من سَقَى يَسْقِي من باب ضَرَب يَضْرِب، وحكى ابن التِّين بفتح همزة القطع من الثَّلاثي المزيد فيه، وعبَّر الحافظُ العَسْقَلاني هنا بقوله من الرُّباعي، وتعقَّبه العَينيُّ بأنَّ هذا ليس بمصطلحٍ فلا يقال رُباعي إلَّا لكلمةٍ أصولُ حروفها أربعةٌ.
وأنت خبيرٌ بسقوط هذا الكلام، ولا يخفى تخافته على من يفهم المقصود من أُولى الإفهام.
(ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاء إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ) بفتح همزة أن، وأصله لأن كان، فحذف اللام التَّعليلية، ومثل هذا كثير، كأنه قال حكمتُ له
ج 11 ص 153
بالتَّقديم لأجل أنَّه ابن عمَّتك، وكانت أمُّ الزُّبير صفيةُ بنت عبد المطلب؛ وهي عمَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البيضاويُّ بحذف حرف الجرِّ من أن كثيرًا تخفيفًا، والتَّقدير لأن كان، أو بأن كان، ونحوه {إن كان ذا مالٍ وبنين} ؛ أي لا تُطعه لأجل ذلك، وحكى القرطبيُّ أنَّ همزة أنْ ممدودة، قال لأنَّه استفهام على الإنكار، قال الحافظُ العَسْقَلاني ولم يقع لنا في الرواية به، لكن يجوز الاستفهام الإنكاري في مثل هذا المقام، ثمَّ قال الحافظُ العَسْقَلاني وحكى الِكَرْماني إِن كان _ بكسر الهمزة _ على أنها شرطيَّة والجواب محذوفٌ ولا أعرفُ هذه الرواية.
نعم، وقع في رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق، فقال اعدلْ يا رسول الله، وإن كان ابنَ عمَّتك. والظاهر أنَّ (( إن ) )هذه بالكسر، وابنَ بالنَّصب على الخبرية، انتهى.
وتعقَّبه العَينيُّ بأنَّه لم يذكر الِكَرْماني هذا في «شرحه» ، وإن ذكره فله وجه موجَّه يدلُّ عليه رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق؛ لأنَّ إن فيها بالكسر جزمًا، فلا وجه لأنْ يُقالَ والظَّاهر أنَّ هذه بالكسر، وأيضًا عدم معرفته بهذه الرواية لا يستلزم العدم مطلقًا.
هذا أقول وفيه أيضًا سهو، أو تعصُّب فإنَّ الِكَرْماني قد حكى الكسر في شرح قوله إن كان ابن عمَّتك حيث قال وفي بعضها بالكسر، كما لا يخفى على مَنْ نظر فيه.
وأمَّا قوله على أنها شرطيَّة فهو من كلام الحافظ العَسْقَلاني توجيهًا لِمَا حكى الِكَرْمانيُّ من الكسر، لا من تتمَّة ما حكى الكرمانيُّ كما توهَّم مولانا العَيِنيُّ إن كان مدار إنكاره ذلك القول، وأيضًا لم يدَّعِ ذلك الحافظُ _عدم الرِّواية بالكسر_ مطلقًا، وإنما نفى معرفته بها.
وأمَّا قوله فلا وجه لأن يُقالَ والظَّاهر أنَّ (( إن ) )هذه بالكسر، فهو كما قال. والله أعلم بحقيقة الحال.
(فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي تغيَّر، وهذا كنايةٌ عن الغضبِ، وزاد عبد الرحمن بن إسحاق حتَّى عرفنا أنْ قد ساءه ما قال (ثُمَّ قَالَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ) أي يصير إليه، والجَدْر بفتح الجيم وسكون الدال المهملة، هو المسناة، وهو ما وضع بين شربات النَّخل كالجدار، وقيل المرادُ الحواجر التي تحبس الماء، وقيل الحائط، وقيل أصلُ الحائط
ج 11 ص 154
وجانبه، وقال أبو موسى المديني ورواه بعضهم بضم الجيم والدال، جمع جدار.
وقال ابن التِّين ضبط في أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالسكون، وهو الذي في اللُّغة وهو أصل الحائط، وقال القرطبيُّ لم يقع في الرواية إلَّا بالسكون، والمعنى أن يصل الماءُ إلى أصول النَّخل. قال ويروى بكسر الجيم وهو الجِدار، والمراد جدران الشَّرَبات التي في أصول النَّخل، فإنَّها ترفع حتَّى تصير تشبه الجِدار. والشَّرَبَات _ بالمعجمة وفتحات _ هي الحُفَر التي تحفر في أصول النَّخل، وهي جمع شَرَبَة _ بفتحات _ أيضًا.
وقال ابن الأثير هي حوضٌ يكون في أصل [1] النَّخلة وحولها يملأ بماء لتشربه، وحكى الخطَّابي الجذْر _ بسكون الذال المعجمة _ وهو جذْر الحساب، والمعنى حتى يبلغَ تمام الشُّرب.
(فَقَالَ الزُّبَيْرُ) رضي الله عنه (وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ) الشأن؛ أي فيما ذكره من أمره مع خصمه ( {فَلاَ وَرَبِّكَ} ) أي فوربِّك، كقوله تعالى {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ} ، ولا مزيدة لتأكيد القسم، كما زيدت في لئلَّا يعلم؛ لتأكيد وجوب العلم، لا لتأكيدِ النَّفي في قوله تعالى ( {لاَ يُؤْمِنُونَ} ) لأنَّها تزاد أيضًا في الإثبات، كقوله تعالى {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد 1] ، وقوله {لَا يُؤْمِنُونَ} جواب القسم. وقيل معنى قوله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ} أي ليس الأمر كما يزعمون أنَّهم آمنوا وهم يخالِفون حكمك، ثمَّ استأنف فقال {لَا يُؤْمِنُونَ} .
( {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ) أي فيما اختُلِفَ بينهم واختُلِطَ من أمرهم والتبسَ عليهم حكمه، ومنه الشَّجر لتداخل أغصانه واختلافها.
وزاد شعيبٌ في روايته [خ¦2708] {ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} أي ضِيقًا ممَّا حكمتَ به، أو من حكمك؛ أي لا تضيق صدورهم منه، وقيل شكًا لأنَّ الشَّاكَّ في ضيقٍ من أمره حتَّى يلوح له اليقين.
{وَيُسَلِّمُوا} أي وينقادوا لك فيما أمرتهم به، ويُذْعنوا لِمَا تأتي به من قضائك لا يعارضونه بشيءٍ، من قولك سلَّمَ لأمر الله وأسلَمَ له، وحقيقته سلَّم نفسه له، وأسلمها إذا جعلها سالمةً له خالصة.
{تَسْلِيمًا} تأكيد للفعل
ج 11 ص 155
بمنزلة تكريره، كأنَّه قيل وينقادوا لحكمك انقيادًا لا شبهةَ فيه بظاهرهم وباطنهم.
ووقع في رواية ابن جُرَيج الآتية [خ¦2362] قال الزبير والله إنَّ هذه الآية أنزلت في ذلك. وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق ونزلت {فَلَا وَرَبِّكَ} الآية.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ والرَّاجح رواية الأكثر وأنَّ الزبير كان لا يجزم بذلك، لكن وقع في رواية أمِّ سلمة عند الطبريِّ والطَّبراني الجزمُ بذلك، وأنها نزلت في قصَّة الزُّبير وخصمه.
هذا وقد رواه الواحديُّ في «أسباب النزول» من طريق سفيان بن عُيينة، عن عَمرو بن دينار، عن أبي سلمة، عن أمِّ سلمة رضي الله عنهما أنَّ الزُّبَير بن العَوَّام رضي الله عنه خاصم رجلًا فقضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للزُّبير، وقال الرجل إنَّما قضى له أنَّه ابن عمَّته، فأنزل الله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية.
هذا وقال العَينيُّ معترضًا على الحافظِ العَسْقَلانيِّ في قوله الزُّبير كان لا يجزم بذلك، أن قوله والله، يقتضي الجزم، ويَرُدُّ معنى الظنِّ في قوله لأحسب؛ لأنَّه يجوز أن يكون معناه لأعدُّ هذه الآية أنزلت في ذلك. فانظر كيف أكَّد كلامه بالقسم وبأنَّ وبالجملة الاسميَّة، وكيف لا يكون الجزم بهذه المؤكَّدات، انتهى.
ولا يذهب عليك أنَّ ما ذكره لا يقتضي أن يكون الزُّبير جازمًا بذلك فتأمَّل.
وجزم مجاهد والشَعْبيُّ بأن الآية إنَّما نزلت فيمَنْ نزلت فيه الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} [النساء 60] الآية، فروى إسحاق بن راهويه في «تفسيره» بإسنادٍ صحيحٍ عن الشَّعْبيِّ قال كان بين رجلٍ من اليهودِ ورجلٍ من المنافقين خصومةٌ، فدعا اليهوديُّ المنافقَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه علم أنَّه لا يقبل الرَّشوة، ودعا المنافقُ اليهوديَّ إلى حكَّامهم؛ لأنَّه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله تعالى هذه الآيات إلى قوله {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، وأخرجه ابنُ أبي حاتم من طريق ابنِ أبي نُجَيح عن مجاهدٍ نحوه.
وروى الطبرانيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما حاكمُ اليهود يومئذٍ كان أبا برزة الأسلمي قبل أن يُسلِم
ج 11 ص 156
ويصحب.
وروى بإسنادٍ آخر صحيحٍ إلى مجاهد أنَّه كعب بن الأشرف.
وقد روى الكَلْبيُّ في «تفسيره» عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآية في رجلٍ من المنافقين كان بينه وبين يهوديٍّ خصومة، فقال اليهوديُّ انطلق بنا إلى محمَّد، وقال المنافق بل نأتي كعب بن الأشرف فذكر القصَّة، وفيه أنَّ عمر رضي الله عنه قتل المنافق، وأنَّ ذلك سبب نزول هذه الآيات وتسمية عمر رضي الله عنه الفاروق، وهذا الإسناد وإن كان ضعيفًا لكنَّه يُقَوَّى بطريق مجاهد، ولا يضرُّه الاختلاف لإمكان التعدُّد.
وروى الواحديُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد، عن قتادة أنَّ اسم الأنصاري المذكور قيس.
ورجَّح الطَّبري في «تفسيره» ، وعزاه إلى أهل التأويل في «تهذيبه» أنَّ سبب نزول هذه الآيات القصَّة الواحدة ليتَّسق نظام الآيات كلها في سببٍ واحد، قال ولم يعرض بينها ما يقتضي خلاف ذلك، ثمَّ قال ولا مانع أن تكون قصَّة الزَّبير وخصمه وقعت في أثناء ذلك فيتناولها عمومُ الآية، والله تعالى أعلم.
وقد ذكر في نزولها سببٌ آخر غريبٌ جدًّا. قال ابنُ أبي حاتم ثنا يونس بن عبد [2] الأعلى قراءة عليه أنا ابنُ وهب أخبرنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسودِ قال اختصمَ رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه ردَّنا إلى عمر بن الخطَّاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( انطلقا إليه ) )قال الرَّجل يا ابن الخطَّاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال رُدَّنا إلى عمر فَرَدَّنا إليك، فقال أكذلكَ، فقال نعم، فقال عمر رضي الله عنه مكانكمَا حتى أخرج إليكما فأقضِي بينكما، فخرج بينهما مشتملًا على سيفهِ، فضربَ الذي قال رُدَّنا إلى عمر فقتلَه، وأدبرَ الآخر فارًّا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسولَ الله قتل عمر والله صاحبي، ولو لا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما كنتُ أظنُّ أنْ يجترِئَ عُمر على قتل رجلٍ مُؤمن ) )فأنزل الله {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية، فهُدِرَ دمُ الرجل وبَرِئَ عمر رضي الله عنه من قتله، فكره الله أن يسنَّ ذلك بَعْدُ فقال {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} إلى قوله {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًَا} [النساء 66] ،
ج 11 ص 157
وكذا رواهُ ابنُ مردُويَه من طريق ابن لَهِيعة عن أبي الأسود.
به قال ابنُ كثير وهو أثرٌ غريبٌ ومرسل وابن لهيعة ضعيفٌ، وهنا طريقٌ آخر، قال الحافظُ أبو إسحاق _ إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دُحَيم _ في «تفسيره» حدَّثنا شُعَيبُ بن شُعَيب ثنا أبو المغيرة ثنا عتبة بن ضَمرة حدَّثني أبي أنَّ رجلين اختصما إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحقِّ على المبطل، فقال المقضيُّ عليه لا أرضى، فقال صاحبه فما تريد؟ قال أن نذهبَ إلى أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه فذهبا إليه، فقال الذي قضى له قد اختصمنا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه فأنتما على ما قضى به النَّبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى، قال فأتيا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فأتياه، فقال المقضيُّ له قد اختصمنا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي عليه فأبى أن يرضى، ثمَّ أتينا أبا بكرٍ فقال أنتما على ما قضى به النَّبي صلى الله عليه وسلم فأبى أن يرضى، فسأله عمر رضي الله عنه فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سلَّه فضرب به رأس الذي أبى أن يرضَى فقتله، فأنزل الله تعالى {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية، ودلَّت الآية على أنَّ مَنْ لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فهو غيرُ مؤمنٍ.
وفي الحديث أنَّ مياه الأودية التي لم تستنبط بعملٍ فيها مباح، ومن سبقَ إليه فهو أحقُّ به.
وفيه أنَّ أهل الشرب الأعلى يقدَّم على مَنْ هو أسفلُ منه، ويحبس الأول الماء حتى يبلغَ إلى جَدْر حائطه، ثمَّ يرسل الماء إلى مَنْ هو أسفل منه فيسقي كذلك ويحبس الماء كذلك، ثم يرسله إلى مَنْ هو أسفل منه وهكذا، ثمَّ إنَّ في حديث الباب (( احبسِ الماءَ حتَّى يرجعَ إلى الجَدْر ) )، وفي حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه من رواية عَمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في مسيل المهزور أن يمسكَ حتى يبلغَ الكعبين، ثمَّ يرسل الأعلى إلى الأسفل» .
والمهزور _ بالزاي ثم بالراء _ وادٍ بقريظة، قاله ابن الأَثير، وفي حديث عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه الذي أخرجه ابن ماجه عنه (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 11 ص 158
قضى في شربِ النَّخل من السيل أنَّ الأعلى فالأعلى يشرب قبلَ الأسفل ويترك الماء فيه إلى الكعبين، ثمَّ يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتَّى تنقضي الحوائط )) .
وفي حديث ثعلبة بن أبي مالك القرظيِّ الذي أخرجه ابن ماجه أيضًا عنه، قال «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيل المهزور للأعلى قبل الأسفل فيسقي الأعلى إلى الكعبين، ثمُّ يرسل إلى مَنْ هو أسفل منه» ، وقال الرافعيُّ لا مخالفة بين التَّقديرين؛ لأنَّ الماء إذا بلغَ الكعب بلغ أصل الجدار.
وقال ابنُ شهاب فقدرت الأنصار والنَّاس قول النَّبي صلى الله عليه وسلم «اسقِ يا زبير، ثمَّ احبس الماء حتَّى يرجع إلى الجَدْر» ، وكان ذلك إلى الكعبين على ما يجيءُ إن شاء الله تعالى.
وقال أبو الحسن الماورديُّ ليس التقدير بالبلوغِ إلى الكعبين على عمومِ الأزمان والبلدان؛ لأنَّه يدور بالحاجة، والحاجة تختلفُ باختلاف الأرض وباختلاف ما فيها من زرعٍ وشجرٍ وبوقت المزارعة ووقت السَّقي.
وحمل بعضُ الفقهاء المتأخِّرين قول الفقهاء في أنَّه يسقي الأوَّل أرضه، ثمَّ يرسله إلى الثاني، ثمَّ يرسله إلى الثالث، أنَّ المراد بالأول مَنْ تقدَّم إحياؤه، وبالثاني الذي أحيا بعد الأول وهكذا.
قال صاحب «المُبهمات» وحُمِلَ كلامُ الرافعيِّ عليه قال وليس المراد الأقربُ إلى أصل النَّهر فالأقرب؛ لأنَّه بالسبق فلذلك اعتبرناه.
قال العَينيُّ هذا ليس بشيءٍ وليس مراد الرَّافعي وغيره من الفقهاء بالأول إلَّا الذي هو أقرب إلى أصل الماء؛ لأنَّه إذا اعتبرنا هذا يضيع حقُّ الأول، وذلك لأنَّ الماء إذا نزل من عُلْوٍ فلم يسق الأول حتَّى نزل الماء إلى الأسفل وسقى به الأسفل، فبعد ذلك كيف يعودُ الماء إلى الأوَّل، ولاسيَّما إذا كان الماء قليلًا وانقطع بعد سقي الثاني.
وقد صرَّح النَّوويُّ في «شرح مسلم» بأنَّ المراد بالأوَّل الذي يلي الماء لا المحيي الأول، فقال عند ذكر حديث الزُّبير فلصاحب الأرضِ الأولى التي تلي الماء المباح أن يحبسَ الماء ويسقي أرضه إلى هذا الحدِّ،
ج 11 ص 159
ثمَّ يرسله إلى جاره الذي وراءه.
فإن قيل ما المراد بقوله ثمَّ أرسل الماء إلى جارك، فهل هو ما فضُل عن الماء الذي حبسه، أو إرسال جميع الماء المحبوسِ وغيره بعد أن يصلَ في أرضه إلى الكعبين؟.
فالجواب أنَّه قال الشيخ زين الدِّين العراقيُّ الصَّحيحُ الذي ذكره أصحاب الشافعيِّ هو الأول، وهو قول مطرِّف وابن الماجِشون من المالكيَّة، واختاره ابن وَهْبٍ.
وقد كان ابنُ القاسم يقول إذا انتهى الماءُ في الحائط إلى مقدار الكعبين من القائم أرسله كله إلى مَنْ تحته، ولا يحبس منه شيئًا في حائطه.
قال ابنُ وهب وقول مطرِّف وابن الماجشون أحب إليَّ في ذلك وهما أعلم بذلك؛ لأنَّ المدينة دارهما وبها كانت القضية وفيها جرى العمل بالحديث، وفيه حجَّةٌ على ما حُكِيَ عن أبي حنيفة من أنَّ الأعلى لا يُقَدَّمُ على الأسفل، وإنَّما يسقون بقدر حصصهم، قاله بعض الشافعيَّة.
قال العَينيُّ وهذا وجهٌ حكاه الرافعيُّ عن الدَّارَكي، وليس مراد أبي حنيفة رحمه الله من قوله أنَّ الأعلى لا يُقَدَّمُ على الأسفل أنَّه يختصُّ بالماء ويحرم الأسفل، بل كلهم سواءٌ في الاستحقاق. غير أنَّ الأوَّل يسقي، ثمَّ الثاني، ثمَّ الثالث وهلمَّ جرًّا، والانتفاع في حقِّ كلِّ واحدٍ بقدر أرضه وقدر حاجتهِ فيكون بالحصص.
وفي «المغني» لابن قُدامة ولو كان نُهَرًا صغيرًا، أو سيلٌ فتشاح أهل الأرضين الشاربة عنه، فإنه يبدأ بالأعلى ويسقي حتى يبلغَ الكعب، ثمَّ يرسل إلى الذي يليه، وكذلك إلى انتهاء الأراضي فإن لم يفضل عن الأوَّل شيءٌ، أو الثاني والثَّالث لا شيءَ للباقين؛ لأنَّه ليس لهم إلَّا ما فضل منهم كالعصبةِ في الميراث، وهذا قولُ فقهاء المدينة ومالك والشَّافعي ولا نعلم فيه مخالفًا، والأصل فيه حديث الزُّبير رضي الله عنه.
وقال القرطبيُّ في حديث الباب أنَّ الأولى بالماء الجاري الأول فالأوَّل حتَّى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به، فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشربَ منه شيئًا وإن كان يمرُّ عليه.
وفي الحديث أيضًا
ج 11 ص 160
الاكتفاء من الخصوم بما يفهم به مقصودهم، وأن لا يكلفوا النصَّ على الدَّعاوى، ولا تحرير المدَّعى، ولا حصره بجميع صفاته.
وفيه إرشاد الحاكم إلى الإصلاح، وقال ابنُ التين مذهب الجمهور أنَّ القاضي يشير بالصُّلح إذا رآه مصلحةً ومنع ذلك مالك، وعن الشافعي في ذلك خلاف، والصَّحيح جوازه.
وفيه أنَّ للحاكم أن يستوفي لكلِّ واحدٍ من المتخاصمين حقَّه إذا لم ير قبولًا منهما للصُّلح، ولا رضي بما أشار به كما فعل صلى الله عليه وسلم، وأن يحكمَ بالحقِّ لمَنْ توجَّه إليه ولو لم يسألْه صاحبُ الحقِّ.
وفيه توبيخ مَنْ جفا على الإمام والحاكم ومعاقبته؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم عاقبه عليه بما قال بأن استوفى للزُّبير حقَّه، ووبَّخه تعالى في كتابه بأن نفى عنهم الإيمان حتَّى يرضوا الحُكم، فقال {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ} الآية، وقيل وقعت عقوبته في ماله، وقد كانت تقعُ العقوبات في الأموال؛ كأمره بشقِّ الزقاق، وكسر الجرار عند تحريم الخمر تغليظًا للتَّحريم.
وفيه أنَّه صلى الله عليه وسلم حكم على الأنصاريِّ في حال غضبه مع نهيه أن يحكمَ الحاكم وهو غضبان؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم يفارق غيره من البشر، إذ العصمة قائمةٌ في حقِّه في حال الرِّضا والسُّخط أن ولا يقول إلا حقًّا، والنَّهي معلَّلٌ بما يخاف على الحاكم من الخطأ والغلط، والنَّبي صلى الله عليه وسلم بريءٌ من ذلك، والله أعلم.
وفيه أنَّ للإمام أن يعفو عن التَّعزير كما أنَّ له أن يقيمه ما لم يؤدِّ إلى هتك حرمة الشَّرع.
ومطابقة الحديث للترجمة تظهرُ من قوله سرِّحِ الماء يمرُّ فأبى عليه؛ أي امتنع ولم يسرح بل سكره، والحديث صورته صورةُ الإرسال لكنه متَّصلٌ في المعنى.
وأخرجهُ مسلم في «قضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم» ، وأخرجه أبو داود في «القضايا» والترمذيُّ في «الأحكام» و «التفسير» ، والنسائيُّ في «القضايا» و «التفسير» ، وابن ماجه في «السنة» و «الأحكام» .
(قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبَّاسِ) السُّلَميُّ الأصبهانيُّ، وهو من أقران البخاري وتأخَّر بعده مات سنة ست وستين ومائتين، وهذا إلى آخره وقع في رواية أبي ذرٍّ عن الحمُّويَيِّ وحده عن الفِرَبريِّ، ولم يقع هذا في رواية غيره.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) هو البخاريُّ نفسه (لَيسَ أحَدٌ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ إِلَّا اللَّيثُ فَقَطْ) فقد صرَّح بتفرد اللَّيث بذكر عبد الله بن الزُّبير في إسناده، فإنْ أراد مطلقًا ورد عليه ما أخرجه النسائي وغيره من طريق ابنِ وَهْب، عن اللَّيث ويونس جميعًا عن الزُّهري أنَّ عُروة حدَّثه، عن أخيه عبد الله بن الزبير،
ج 11 ص 161
عن الزُّبير بن العوام. وإنْ أراد بقيد أنَّه لم يقلْ فيه عن أبيه، بل جعله من مسند عبد الله بن الزبير فمُسَلَّمٌ، فإنَّ رواية ابن وَهْب فيها عن عبد الله، عن أبيه، وكأنَّ ابن وَهْب حمل رواية اللَّيث على رواية يونس، وإلَّا فرواية اللَّيث ليس فيها ذكر الزُّبير، والله أعلم.
وأخرجه البخاريُّ في «الصلح» [خ¦2708] من طريق شُعَيب، عن ابن شِهاب، عن عُروة بن الزبير، عن الزُّبير. بغير ذكر عبد الله، وقد أخرجه في الباب الذي يليه [خ¦2361] من طريق مَعمر عن ابن شِهابٍ، عن عُروة مرسلًا.
وأعاده في «التفسير» [خ¦4585] من وجهٍ آخر عن مُعمر، وكذا أخرجه الطَّبريُّ من طريق عبد الرَّحمن بن إسحاق، عن ابن شهاب، وأخرجه البخاريُّ بعد باب [خ¦2362] من رواية ابن جُرَيح كذلك بالإرسال، لكن أخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر، عن ابن جُرَيج كرواية شُعَيب التي ليس فيها عن عبد الله.
وذكر الدارقطنيُّ في «العلل» أنَّ ابنَ أبي عَتِيق، وعمر بن سَعْد وافقا شُعَيبًا وابنَ جُرَيج على قولهما عُروة عن الزُّبير، قال فكذلك قال أحمد بن صالح وحَرْملة عن ابن وَهْب قال وكذلك قال شَبيب بن سعيد عن يونس، قال وهو المحفوظ.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وإنَّما صحَّحه البخاريُّ مع هذا الاختلاف اعتمادًا على صحَّة سماع عُروة من أبيه، وعلى صحَّة سماع عبد الله بن الزُّبير من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكيف والحديث ورد في شيءٍ يتعلَّق بالزُّبير فداعية ولده متوفِّرة على ضبطه، وقد وافقه مسلمٌ على تصحيح طريق اللَّيث التي ليس فيها ذكر الزُّبير رضي الله عنه.
وزعم الحُمَيديُّ في «جمعه» أنَّ الشيخين أخرجاه من طريق عُروة عن أخيه عبد الله عن أبيه، وليس كما قال فإنه بهذا السِّياق في رواية يونس المذكورة، ولم يخرِّجْها من أصحاب الكتب الستة إلَّا النسائي وأشار إليها الترمذيُّ خاصة.
وقد جاءت هذه القصَّة من وجهٍ آخر أخرجها الطبريُّ والطَّبراني من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها، وهي عند الزُّهري أيضًا من مرسل سعيد بن المسيِّب، والله أعلم.
[1] في (خ) (( أسفل ) ).
[2] في (خ) (( بن عبد ) ). وكذا في العمدة