2362 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سَلَام، وفي رواية أبي الوقت صرَّح به، حيث قيل هو ابنُ سَلَام، قال (أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام وبالمهملة، هو ابنُ يزيد، وقد مرَّ في «الجمعة» [خ¦911] (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج المَكِّي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريُّ المدنيُّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ) وقد سقطَ في هذه الرواية عبد الله بن الزبير وأبوه كما تقدَّم الإشارة إليه (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ) بن العوام رضي الله عنه (فِي شِرَاجٍ) أي مسيل ماءٍ
ج 11 ص 164
كما تقدم (مِنَ الْحَرَّةِ) تقدم ضبطه ومعناه (يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ) على البناء للفاعل، والضمير للزبير رضي الله عنه، أو لهذا الرَّجل ويُحتَمل أن يكون على البناء للمفعول.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْقِ يَا زُبَيْرُ) بكسر همزة الوصل، أو بفتح همزة القطع (فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ) في جميع الرِّوايات على أنَّه فعل ماضٍ من الأمر، وهي جملةٌ معترضةٌ بالفاء من كلام الراوي. وحكى الِكَرْمانيُّ أنَّه بلفظ فعل الأمر من الإمرار، وقد تقدَّم ما يتعلَّق به في حديث اللَّيث، قال الخَطَّابيُّ يعني أمره بالعادة المعروفة التي جرت بينهم في مقدار الشُّرب انتهى. ويُحتَمل أن يكون المراد أمره بالقصد، والأمر الوسط مراعاةً للجوار.
ويدلُّ عليه رواية شُعَيب المذكورة [خ¦2708] ، ومثلها لمَعمر في «التفسير» [خ¦4585] أمره أولًا أن يسامحَ ببعض حقِّه على سبيل المصلحة وبهذا ترجم البخاريُّ في «الصلح» إذا أشار بالمصلحة فلم يرضَ الأنصاريُّ بذلك استقصى الحكم وحكم به، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، قَالَ الأَنْصَارِيُّ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ) بفتح الهمزة؛ أي حكمت بذلك لأن كان ابن عمتك، ويُروَى بكسر إن، على أنها شرطيَّة والجواب محذوفٌ، كما تقدَّم.
(فَتَلَوَّنَ) أي تغيَّر (وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ اسْقِ ثُمَّ احْبِسْ) أي الماء (حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ) قد سبق ضبطه واختلاف الرِّوايات فيه ومعانيه (وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ) أي استوفى للزبير رضي الله عنه حقَّه، وهو من الوعاء على ما تقدَّم. وأبعد مَنْ قال أمره ثانيًا أن يستوفي أكثر من حقِّه عقوبةً للأنصاري، حكاه ابن الصبَّاغ وتفصيله أنَّ الحكم كان ما أمر به أوَّلًا، فلمَّا لم يقبل الخصم ذلك عاقبه بما حكم به ثانيًا على ما بدر منه، وكان ذلك حين كانت العقوبة بالأموال، وسياق الحديث يأبى عن ذلك كما ترى لا سيَّما قوله واستوعى للزبير حقَّه، في صريح الحكم، كما في رواية شُعَيب في «الصلح» [خ¦2708] ، ومَعمر في «التفسير» [خ¦4585] فالأشبه أنَّه أمره أولًا أن يترك بعض حقِّه، وثانيًا أن يستوفي حقَّه ويستقصي فيه تغليظًا على الأنصاري.
وحكى الخَطَّابيُّ عن بعضهم أنَّ فيه دليلًا على جواز فسخ الحاكم حكمه الأول بحكمه الآخر، وقد كان له في الأصل أن يحكمَ بأيِّهما شاء، فقدَّم الأخف الأسهل مسامحةً وإيثارًا لحسن الجوار، فلمَّا رأى الأنصاري يجهل موضع حقِّه رجع عن حكمه الأول، وحكم بالثَّاني؛ ليكون ذلك أبلغ في زجره.
ج 11 ص 165
وتُعُقِّب بأنه لم يثبتِ الحكم أولًا، بل كان القول الأوَّل من رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه المشورة للزُّبير على سبيل المسامحة لجاره ببعض حقِّه، لا على وجه الحكم عليه، فلمَّا خالفه الأنصاريُّ استقصى للزبير حقَّه في صريح الحكم وأمره باستيفائه منه.
وقد مرَّ ما قال الخَطَّابيُّ أنَّ هذه الزِّيادة يعني قوله «واستوعى له حقَّه» تشبه أن تكون من كلام الزهريِّ، وكانت عادته أن يصلَ بالحديث من كلامه ما يظهر له من البيان.
وقد تعقَّبه الحافظُ العَسْقَلانيُّ بأن الأصل في الحديث أن يكون كلُّه كلمة واحدةً حتى يرد ما يبيِّن ذلك، ولا يثبت الإدراج بالاحتمال، والله أعلمُ بحقيقة الحال.
(فَقَالَ الزُّبَيْرُ) رضي الله عنه (وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلاَ وَرَبِّكِ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء 65] ) قال ابنُ جُرَيج راوي الحديث (فَقَالَ) ويُروَى بدون الفاء، (لِي ابْنُ شِهَابٍ) الزهريُّ الراوي عن عُروة، فهذا إلى آخره من كلامِ ابن شهاب، حكى عنه ابن جُريج (فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ) هو من باب عطف العام على الخاص، ومعهود غير الأنصار، والله تعالى أعلم.
(قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ) أي كان قوله صلى الله عليه وسلم (( اسقِ ثمَّ احبس حتَّى يرجع إلى الجَدْر ) ).
(إِلَى الْكَعْبَيْنِ) أي واصلًا إلى الكعبين، يعني كان مقدار الماء الَّذي يرجع إلى الجَدْر يبلغ الكعبين، وذلك لأنَّهم لَمَّا وجدوا الجَدْر يختلف بالطُّول والقصر أثبتوا ما وقعت فيه القصَّة، فوجدوه يبلغ الكعبين، وجعلوا ذلك معيارًا لاستحقاق الأوَّل فالأول، قال ابنُ التين الجمهورُ على أنَّ الحكم أنْ يمسك إلى الكعبين، وخصَّه ابن كنانة بالنَّخل والشَّجر، قال وأمَّا الزَّرع فإلى الشِّراك، وقال الطبريُّ الأراضي مختلفةٌ فيمسك لكلِّ أرضٍ ما يكفيها؛ لأنَّ الذي في قصَّة الزبير واقعةُ عينٍ.
واختلف أصحاب مالك هل يرسل الأول بعد استيفائه جميع الماء، أو يرسل منه ما زاد على الكعبين؟ والأوَّل أظهر، ومحله إذا لم يبق له به حاجة، وقد تقدَّم الكلام فيه فيما سبق على التفصيل.
ج 11 ص 166
وقد وقع في مرسل عبد الله بن أبي بكر في «الموطأ» (( أنَّ رسول الله صلى عليه وسلم قضى في مسيلِ مهزورٍ ومُذَيْنِبٍ أن يمسك حتَّى الكعبين، ثمَّ يرسل الأعلى إلى الأسفل ) )، ومَهْزُوْر _ بفتح أوله وسكون الهاء وضم الزاي وسكون الواو بعدها راء _، ومُذَيْنِب _ بذال معجمة ونون _ بالتَّصغير، واديان معروفان بالمدينة، وله إسنادٌ موصولٌ في «غرائب مالك» للدارقطنيِّ من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه.
وأخرجه الحاكم وأخرجه أبو داود وابن ماجه والطبريُّ من حديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، وإسناد كلٍّ منهما حسنٌ.
وأخرج عبد الرَّزَّاق هذا المرسل بإسنادٍ آخر موصول، ثمَّ روى عن مَعمر عن الزُّهري، قال نظرنا في قوله «احبس الماء حتَّى يبلغ الجَدْر» ، فكان ذلك إلى الكعبين، انتهى.
وقد روى البيهقيُّ من رواية ابن المُبارك عن مَعمر قال فسمعت غير الزُّهريِّ يقول فنظروا في قوله «حتَّى يرجعَ إلى الجدر» فكان ذلك إلى الكعبين، وكان مَعمرًا سمع ذلك من ابن جُريج، فأرسله في رواية عبد الرَّزَّاق، وقد بيَّن ابن جُرَيج أنَّه سمعه من الزُّهريِّ، ووقع في رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق (( احبس الماءَ إلى الجَدْر، أو إلى الكعبينِ ) )وهو شكٌّ منه، والصَّواب ما رواه ابن جُرَيج.
وذكر الشَّاشي من الشافعيَّة أن معنى قوله (( إلى الجدر ) )؛ أي إلى الكعبين، وكأنَّه أشار إلى هذا التَّقدير، وإلَّا فليس الجدر مرادفًا للكعبين، والله تعالى أعلم.
(الجَدْر هُوَ الأَصْل) هذا تفسير لفظ الجَدْر من البخاري، وقد مرَّ الكلام فيه، وهذا إنَّما وقع هنا في رواية المُستَملي وحده.
ويستدلُّ بالحديث على أنَّ للإمام أن يعفوَ عن التَّعزير المتعلِّق به، لكن محلُّ ذلك ما لم يؤدِّ إلى هتك حرمة الشَّرع، وإنما لم يعاقب النَّبي صلى الله عليه وسلم صاحب القصَّة؛ لِمَا كان عليه من تأليف الناس، كما قال في حقِّ كبير المنافقين لا يتحدَّث الناس أنَّ محمدًا يقتل أصحابه.
قال القرطبيُّ فلو صدرَ مثل هذا من أحدٍ في حقِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم، أو في حقِّ شريعته لقُتِلَ قِتْلةَ زنديقٍ، ونقل النوويُّ نحوه عن العلماء، كما تقدم.
وقد تقدَّم أيضًا أن نسبة
ج 11 ص 167
الرَّجل الذي خاصم الزُّبير رضي الله عنه إلى النِّفاق غير مستحسنٍ؛ إذ كونه أنصاريًّا _ لا سيَّما وقد شهد بدرًا كما في بعض طُرُق الحديث _ وصف مدحٍ، والسَّلف احترزوا أن يطلقوا على مَنْ اتُّهمَ بالنِّفاق لفظ الأنصاري، فالأَولى أن يُقالَ قد أزلَّه الشَّيطان فيه بتمكُّنه عند الغضب، ولا يستبدع من البشر الابتلاء بأمثال ذلك على ما قاله التُّوربشتي في «شرح المصابيح» ، والله المستعان.