20 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام، وهو الصَّحيح الَّذي عليه الاعتماد، ولم يذكر جمهورُ المحقِّقين غيره، وذكر بعضهم أنَّ التشديد لحن. وأمَّا صاحب (( المطالع ) )فادَّعى أن التشديد رواية الأكثرين، ولعلَّه أراد أكثر شيوخ بلده.
وقال النَّووي لا يُوافَق على هذه الدَّعوى فإنَّها مخالفة للمشهور، هو أبو عبد الله البخاري البِيكَندي _ بكسر الموحدة وفتح الكاف _ نسبة إلى بِيكَند بلدة على مرحلة من بخارى، السلمي مولاهم، سمع ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما من الأعلام.
وعنه الأعلام الحفَّاظ كالبخاري وغيره، أنفق في العلم أربعين ألفًا، ومثلها في نشره. ويقال إنَّ الجنَّ كانت تحضر مجلسه. وقال أدركت مالكًا ولم أسمع منه وكان أحمد يعظِّمه.
وروي عنه أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب. وله رحلة ومصنفات في أبواب العلم، توفي سنة خمس وعشرين ومائتين. وانفرد البخاري به من أصحاب الكتب الستة.
(قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي نسخة (عَبْدَةُ) بسكون الموحدة وبالدال المهملة، أبو محمد بن سليمان بن الحاجب الكلابي الكوفي، هكذا ذكره محمد بن سعد في (( الطبقات ) )، وقيل اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقبه، سمع جماعة من التابعين
ج 1 ص 218
منهم هشام والأعمش، وعنه الأعلام أحمد وغيره.
قال أحمد ثقة، ثقةٌ، ثقة مع زيادة وصلاح. وقال العجلي ثقة رجل صالح صاحب قرآن، توفي بالكوفة في جمادى أو رجب سنة سبع، أو ثمان وثمانين ومائة.
روى له الجماعة.
(عَنْ هِشَامٍ) أي ابن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مرَّ ذِكرُهم.
ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه تحديثًا وإخبارًا وعنعنة. ومنها أنه مشتمل على بخاري وكوفي ومدني. ومنها أنَّ رواته أئمة أجلَّاء، وهذا الحديث كما قاله الحافظ العسقلاني من أفراد المؤلف.
(قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم إِذَا أَمَرَهُمْ) أي أمر الناس بعمل (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا) وفي رواية بدون الباء (يُطِيقُونَ) أي كان يكلِّفُهم بما يطيقون فِعله كما هو ظاهره، لكن السياق يدلُّ على أن المراد أنَّه يكلفهم بما يطيقون الدَّوام على فعله، وذلك لأنَّ خير العمل ما دام عليه صاحبه وإن قل، والكثرة تؤدي إلى القطع كُلًَّا أو بعضًا، وهو في صورة نقض العهد.
واللائق بطالب الآخرة الترقي في الأعمال، فإن لم يكن فالبقاء على حاله، ولأنه إذا اعتاد من الطاعات ما يمكنه الدَّوام عليه فعلها بانشراح واستلذاذ ونشاط، ولا يلحقه ملل ولا سآمة. وفي معناه قوله صلَّى الله عليه وسلم (( إنَّ المُنبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى ) ).
هكذا وقع في معظم الرِّوايات بتكرار (( أمرهم ) )، على أن يكون الثاني جوابًا للشرط، فيكون قالوا جوابًا ثانيًا له على ما قيل، ووقع في بعضها أمرهم، مرة واحدة، فيكون جواب الشرط قولها
(قَالُوا إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ) أي ليس حالنا كحالك، إذ ليس المراد نفي تشبيه ذواتهم بحالته عليه السلام فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل لسنا، أو المراد من قولهم كهيئتك كمثلك؛ أي كذاتك وزِيد لفظ الهيئة؛ للتَّأكيد كما في قولك مثلك لا يبخل.
(يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ) تعالى (قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ) أي وجد قبل البعثة (مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) منه؛ أي عن البعثة، هذا اقتباس من قوله تعالى {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح 2] .
قال القسطلاني والمعنى والله أعلم؛ أي حال بينك وبين الذنوب فلا تأتيها؛ لأنَّ الغفر الستر وهو إمَّا بين العبد والذَّنب، وإمَّا بين الذَّنب وعقوبته، فاللَّائق بالأنبياء الأول، وبأممهم الثاني، قاله البرماوي.
هذا وقيل المراد منه ترك الأَوْلى والأفضل بالعدول إلى الفاضل، وترك الأفضل كأنَّه ذنب بالنسبة إلى جلالة قدر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسلام.
وقيل المراد منه ذنب أمته. وقيل المراد بما تقدَّم ذنب آدم عليه الصلاة والسلام، وبما تأخر ذنب أمته. وقيل المراد بما تقدَّم ما صدر عنه من الأفعال التي تركها أفضل وأولى، وبما تأخر ما سهى عنه ونسي من الأفعال التي إصدارها أفضل وأولى، والله أعلم وأعلى.
(فَيَغْضَبُ) بلفظ المضارع من باب علم
ج 1 ص 219
والمراد منه حكاية الحال الماضية واستحضار تلك الصورة الواقعة للحاضرين، وفي أكثر النسخ بلفظ الماضي (حَتَّى يُعْرَفَ) بلفظ المجهول منصوب بتقدير أن كما هو الرِّواية، ويجوز فيه الرَّفع دراية على أن يكون عطفًا فينصب.
(الْغَضَبُ) بالرفع. قال ابن عرفة الغضب من المخلوقين شيء يُداخل قلوبهم ويكون منه محمود ومذموم وهو ما كان في غير الحقِّ، وأما غضب الله تعالى فهو إنكاره على من عصاه وإرادة عقابه.
وقال الطحاوي إنَّ الله تعالى يغضب ويرضى لا كأحد من الورى.
(فِي وَجْهِهِ) الشريف (ثُمَّ يَقُولُ) بالرفع عطفًا على قوله فيغضب (إِنَّ أَتْقَاكُمْ) أيها المؤمنون جميعًا؛ إشارة إلى كمال القوة العملية (وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ) عزَّ وجلَّ؛ إشارة إلى كمال القوَّة العلميَّة.
(أَنَا) أراد وأطلب الإذن في الزيادة من العبادة وما يشق عليهم منها حين أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق؛ خشية أن يعجزوا عن الدوام؛ لاعتقادهم أنهم يحتاجون إلى المبالغة في العمل؛ لحصول الدرجات ومحو السيئات، فقالوا أنت مغفور لك لا تحتاج إلى عمل، ومع هذا أنت مواظب على الأعمال، فكيف بنا وذنوبنا كثيرة؟.
فردَّ عليهم بقوله أنا أَوْلى بالعمل؛ لأني أتقاكم وأعلمكم وكمال التقوى والعلم يوجب الاجتهاد في العمل، لكن على طريق الدوام لا على طريق الانقطاع، فكأنه قال صلَّى الله عليه وسلم إنَّ حصول الدَّرجات لا يوجب التقصير في العمل، بل يوجب الازدياد شكرًا للمنعم الوهاب، كما قال في الحديث الآخر (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ) ).
ثم التقوى على مراتب وقاية النفس عن الكفر وهي للعامة، وعن المعاصي وهي للخاصة، وعمَّا سوى الله تعالى وهي للأخص.
والعلم بالله يتناول ما بصفاته وهو المسمى بأصول الدين، وما بأحكامه وهو المسمَّى بالفروع، وما بكلامه وهو علم القرآن وما يتعلَّق به، وما بأفعاله وهو معرفة حقائق الأشياء، ولا شك أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم جامع لأنواع التقوى وحاوٍ لأقسام العلوم، وذلك يُوجب ازديادًا في العمل شكرًا لتلك النِّعم الجليلة.
وفي الحديث فوائد
منها أنَّ الأعمال الصَّالحة تُرقِّي صاحبها إلى المراتب السنية من رفع الدرجات ومَحْوِ الخطيئات؛ لأنَّه عليه السلام لم ينكر عليهم استدلالهم من هذه الجهة، بل من جهة أخرى كما بيَّنَّا.
ومنها أنَّ الأَوْلى في العبادة القصد فيها، وملازمة ما يمكن الدَّوام عليه. ومنها أنَّ الرجل الصالح ينبغي أن لا يترك الاجتهاد في العمل اعتمادًا على صلاحه.
ومنها أنَّ
ج 1 ص 220
الرجل يجوز أن يخبر بفضيلته إذا دعت إلى ذلك حاجة، كما بين الأستاذ والتلميذ؛ ليثق به. ومنها أنَّه ينبغي أن يحرصَ على كتمانها فإنَّه يخاف من إشاعتها زوالها كذا قيل، وفيه تأمل. ومنها جوازُ الغضب عند ردِّ أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال الغضب والتَّغيُّر، لكن لِمن يأمن بوائق الغضب. ومنها أن الصَّحابة كانوا من الرغبة التامة في طاعة الله والازدياد من الخير في مقامٍ. ومنها رفق النبي صلَّى الله عليه وسلم بأمته، وأن الدّين يسر، وأنَّ الشريعة حنيفيَّة سمحة.