216 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) هو ابن أبي شيبة الكوفي (قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد الضَّبِّي (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعْتَمِر، وقد تقدم ذكرهم في باب من جعل لأهل العلم أيامًا [خ¦70] (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابن جَبْر بفتح الجيم وسكون الموحدة، أبو الحجاج الإمام في التفسير، وقد تقدم في أول كتاب الإيمان ذكره معلقًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد
ج 2 ص 257
ما بين كوفي ورازِيٍّ ومكي، وقد روى هذا الحديث الأعمش عن مجاهد أيضًا، لكن أدخل بينه وبين ابن عباس طاؤسًَا، وسيأتي عن قريب [خ¦218] ، وإخراج البخاري بهذين الوجهين يقتضي أن يكون كلاهما صحيحين عنده فيحمل على أن مجاهدًا سمعه من طاوس عن ابن عباس، وسمعه أيضًا من ابن عباس بلا واسطة.
وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معًا، وقال الترمذي رواية الأعمش أصح، وقد رواه شعبة بن الحجاج، عن الأعمش كما رواه منصور لم يذكر طاؤسًَا، وقد أخرج متنه الأئمة الستة وغيرهم فالبخاري أخرجه في الطهارة في موضعين [خ¦218] ، وفي «الجنائز» [خ¦1361] [خ¦1378] ، و «الأدب» [خ¦6052] [خ¦6055] ، و «الحج» وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في «الطهارة» ، وأخرجه النسائي فيه أيضًا، وفي «التفسير» ، و «الجنائز» .
(قَالَ) أي إنَّه قال (مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَائِطٍ) أي بستان من النخل عليه جدار، ويجمع على حيطان وحوائط من الحوط وهو الحفظ والحراسة، والبستان إذا عُمِلَ حواليه جدار يحفظ من الداخل ولا يسمى البستان حائطًا إلا إذا كان عليه جدار (مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ) من حيطان (مَكَّةَ) شَكٌ من جرير بن عبد الحميد، وقد أخرجه المؤلِّف في الأدب [خ¦6055] (( من بعض حيطان المدينة ) )من غير شك، ويؤيده رواية الدارقطني من حديث جابر أن الحائط كان لأم مُبشِّر الأنصارية، وكان بالمدينة، فإن قيل قد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في الأدب ولفظُهُ «خَرَجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيطان المدينة» وهنا «مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بحائط» وبينهما تَنَافٍ.
أُجِيبَ بأن الحائط الذي خرج منه غير الحائط الذي مرَّ به. وإنما عرَّفَ المدينة ولم يُعرِّف مكة؛ لأن مكة علم فلا يحتاج إلى التعريف، والمدينة اسمُ جِنْس فعُرِّفت باللام للإشارة إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم.
(فَسَمِعَ) وفي رواية الأعمش ، وزاد ابن ماجه (صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ) أي بَشَرَين، قال الجوهري الإنسُ البَشَر، الواحدُ إنسي، والجمع أناسي، وإن شئت جعلته إنسانًا ثمَّ جمعته أناسي فتكون الياء عوضًا عن النون، وقال جماعة أصل إنسان إنسيان على وزن إفعلال فحذفت الياء استخفافًا لكثرة ما يجري على ألسنتهم وإذا صغَّروها ردوها، وقال ابن عباس رضي الله عنهما «إنما سُمي البشر إنسانًا؛ لأنه عُهِدَ إليه فنَسِيَ» ، ويقال هو من الأُنْسِ خِلاف الوَحْشة، ويقال للمرأة أيضًا إنسان، ولا يقال إنسانة وإن كانت العامة تقوله (يُعَذَّبَانِ) على صيغة المجهول
ج 2 ص 258
صفة إنسانين لا حال منهما، فافهم.
(فِي قُبُورِهِمَا) هو حال من فاعل (يعذبان) ، وإنما قال صوت إنسانين مع أن لهما صوتين، وقال أيضًا في قبورهما مع أن لهما قبرين؛ لأن الأصل فيه أن المضاف إلى المثنى إذا كان جُزء ما أضيف إليه يجوز فيه الإفراد والجمع، ولكن الجمع أجود، قال تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} ، ويقال أيضًا أكلتُ رأس شاتين، وإن كان غيرَ جُزْئِه فالأكثر مَجيئه بلفظ التثنية نحو سلَّ الزيدان سيفيهما، وإن أُمِنَ اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع كما في قوله (( في قبورهما ) )، وقد يجتمع التتثنية والجمع كما في قوله
ظهراهما مثل ظهور الترسين، قاله ابن مالك [1] ، ولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم لم يسمهما قصدًا للستر عليهما، وخوفًا من الافتضاح على عادته من الستر والشفقة على أمته، أو سماهما ليحترز غيرهما عن مباشرة ما باشراه، وأبهمهما الراوي عمدًا لما مر، وسيأتي التفصيل في ذلك.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَذَّبَانِ) أي صاحبا القبرين (وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) كلمة ما نافية، والمعنى وليس تعذيبهما بذنب كبير تركه عليهما (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (بَلَى) إنه كبير، وقد صرح بذلك في رواية أخرى للبخاري من طريق عبيدة بن حميد عن منصور فقال (( وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير ) ) [خ¦6055] ، وهذا من زيادة رواية منصور على الأعمش، ومسلم لم يذكر الروايتين، ومعناه إنَّه لكبير من حيث المعصية، وقيل [2] يحمل كبير على أكبر، وتقديره ليس هو أكبر الذنوب؛ إذ الكبائر متفاوتة، وقال القاضي عياض معناه أنه غير كبير عندكم أو عند المقبورين، وهو عند الله كبير كقوله تعالى {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور 15] .
وفي (( شرح السُّنَّة ) )للبغوي، ورجَّحه ابن دقيق العبد أن معنى (( وما يعذبان في كبير ) )أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر ويشق الاحتراز منه، إذ لا مشقة في الاستتار عند البول وترك النميمة، ولم يرد أنهما غير كبيرين في أمر الدين كما مرت الإشارة إليه.
قال المَازَري الذنوب تنقسم إلى ما يَشُقُ تركه طبعًا كالمَلَاذِّ المحرمة، وإلى ما يُنْفَر عنه طبعًا كتناول السموم، وإلى ما لا يشق تركه طبعًا كالغيبة والبول، وقيل إن معناه ليس بكبير بمجرده، وإنما صار كبيرًا بالمواظبة عليه، فرُبَّ صغير يكون بالإصرار عليه كبيرًا، ويرشد إلى ذلك سياق الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم وصف كلًا منهما بما يدل على تجدد ذلك منه واستمراره؛ حيث أتى بصيغة المضارع بعد كان.
وقال أبو عبد الملك البُوْني يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم ظن أن ذلك غير كبير فأُوحى إليه في الحال بأنه كبير فاستدرك، وتُعُقِّب ذلك بأنه يستلزم أن يكون نسخًا، والنسخ لا يدخل
ج 2 ص 259
الخبر.
وأجيب نعم، لكنه إخبار بالحُكْم، فإذا أوحي إليه أنه كبير فأخبر به كان نسخًا لذلك الحكم، وقيل يحتمل أن يعود الضمير في قوله إنَّه إلى العذاب؛ لما ورد في (( صحيح ابن حبان ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( يعذبان عذابًا شديدًا في ذنب هين ) ).
وقد أغرب من قال إنَّه يعود إلى أحد الذنبين وهو النميمة التي هي من الكبائر بخلاف كشف العورة، فهذا مع ضعفه لا يستقيم؛ لأن الاستتار المنفي ليس المراد به كشف العورة فقط، كما سيأتي.
(كَانَ أَحَدُهُمَا لاَ يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ) هكذا في أكثر الروايات بمثناتين فوقيتين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة من الاستتار؛ أي لا يجعل بينه وبين بوله سترة وحجابًا ولا يتحفظ منه، فعلى هذا تُوافق هذه الرواية رواية مسلم وأبي داود من حديث الأعمش (( لا يستنْزِه ) )بنون ساكنة فزاي مكسورة ثمَّ هاء، من التنزه وهو الإبعاد، وفي رواية أبي نعيم في (( المستخرج ) )من طريق وكيع، عن الأعمش (كان لا يَتَوقَّى) ، وهي مُفَسِّرةٌ للمراد، وأجراه بعضهم على ظاهره فقال معناه لا يستر عورته.
وقال ابن دقيق العيد وفيه أنه يلزم منه أن مجرَّد الكشف كان سبب العذاب المذكور، وسياق الحديث يدلُّ على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، وذلك لأن لفظة مِنْ في هذا الحديث لمَّا أضيفت إلى البول وهي لابتداء الغاية حقيقة اقتضى ذلك نسبة الاستتار الذي عدمه سبب العذاب إلى البول بمعنى أن ابتداء سبب عذابه من البول، وإذا حُمِل على كشف العورة زال ذلك المعنى.
وقد روى ابن خزيمة وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا (( أكثر عذاب القبر من البول ) )أي بسبب ترك التحرز منه على أن في رواية ابن عساكر من الاستبراء، وهو طلب البراءة، وفي رواية من الاستنثار وهو طلب النثر؛ أي نثر البول عن المحل، فتعين حمل الاستتار على معنى التوقي والتحفظ من البول مجازًا بعلاقة أن المستتر عن الشيء بعد عنه واحتجب وتوقى ليتفق ألفاظ الحديث على معنى واحد ولا تختلف، ويؤيد ذلك أن في حديث أبي بكرة رضي الله عنه عند أحمد وابن ماجه «أما أحدهما فيُعذَّب في البول» ، ومثله عند الطبراني، عن أنس رضي الله عنه.
(وَكَانَ) لفظ (كان) هذا جيء به تأكيدًا لكان الأول (الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ) فعيلة من نَمَّ الحديث يَنُمُّه إذا نقله عن المتكلِّم به إلى غيره، بقصد الإفساد [3] بين المسلمين، وسبب كونهما كبيرتين أن عدم التنزه من البول يلزم منه
ج 2 ص 260
بطلان الصلاة، وتركها كبيرة، وأما المشي بالنميمة فهو من السعي بالفساد وهو من أقبح القبائح.
وقال الكِرماني هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء، فإنهم يقولون الكبيرة هي الموجبة للحد، ولا حد على الماشي بالنميمة إلا أن يقال الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة؛ لأن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو المراد بالكبيرة، غير معناها الاصطلاحي. انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني وما نقله عن الفقهاء ليس هو قول جميعهم، لكن كلام الرافعي يشعر بترجيحه حيث حَكَى في تعريف الكبيرة وجهين أحدهما هذا، والثاني ما فيه وعيد شديد، قال وهم إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر، ولا بد من حمل القول الأول على أن المراد به غير ما نص عليه في الأحاديث الصحيحة وإلا لَزِم أن لا يعد عقوق الوالدين وشهادة الزور من الكبائر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّهما في أكبر الكبائر. انتهى.
وقال بعض العلماء السر في تخصيص البول والنميمة بعذاب القبر أن القبر أول منازل الآخرة، وفيه أنموذج ما يقع في القيامة من العقاب والثواب. والمعاصي التي يُعاقب عليها يوم القيامة نوعان حق الله وحق العباد، وأول ما يُقْضَي فيه من حقوق الله الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء، وأما البرزخ فيُقْضَى فيه مقدمات هذين الحقين، ووسائلهما، فمقدمة الصلاة الطهارة من الحدث والخَبَث، ومقدمة الدماء النميمة فيبدأ في البرزخ بالعقاب عليهما.
(ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِجَرِيدَةٍ) وفي رواية الأعمش وهو بمهملتين بوزن فعيل نحو كريم هي الجريدة التي لم ينبت فيها خُوْص فإن نبت فهي السَّعَفة، وعُلِمَ من هذا أن الجريدة هي الغصن من النخل بدون الورق، وقيل إنه خصَّ الجريد بذلك؛ لأنه بطيء الجفاف.
(فَكَسَرَهَا) أي فأتى بها فكسرها، وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني (( أنه الذي أتى بها ) )، (كِسْرَتَيْنِ) بكسر الكاف تثنية كسرة وهي القطعة من الشيء المكسور، وقد تبيَّن من رواية الأعمش الآتية أنها كانت نصفًا، وفي رواية جرير عنه باثنتين، قال النووي الباء زائدة للتوكيد والنصب على الحال.
(فَوَضَعَ) وفي رواية الأعمش الآتية وهي أخص من الأولى (عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً) ووقع في سند عَبْد بن حُمَيد من طريق عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش (( ثمَّ غرز عند رأس كل واحد منهما قطعة ) ) (فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ)
ج 2 ص 261
وفي رواية ابن عساكر بدون له، وفي رواية أي الصحابة رضي الله عنهم، ولم يُعرَف القائل مَن هو (لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ) صلى الله عليه وسلم.
(لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ) بضم الياء وفتح الفاء، شبَّه (لعل) بعسى فأتى بـ «أنْ» في خبره (عَنْهُمَا) أي عن المقبورين المعذبين؛ أي يخفف عنهما العذاب، وقال المالكي الرواية «عنها» بالإفراد والتأنيث فيكون الضمير للنفس، ويجوز إعادة الضميرين في (لعله) ، و (عنها) إلى الميت باعتبار كونه إنسانًا وباعتبار كونه نفسًا، ويجوز أن يكون الضمير في (لعله) ضمير الشأن وفي (عنها) للنفس، وجاز تفسير الشأن بأن وصِلَتِهَا مع كونها في تقدير المصدر؛ لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مُسْنَد ومسند إليه، ولذلك سدَّت مَسدَّ مفعولي حسبت وعسى في نحو قوله تعالى {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} [البقرة 214] ، وقوله تعالى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} [البقرة 216] ، ويجوز في قول الأخفش أن تكون كلمة إن زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء ومِنْ، مَع كونهما جارتَّين، وقد ثبت في الرواية الآتية حذف أن فَقَوِيَ الاحتمالُ الثاني.
وقال الطِّيبي لعل الظاهر أن يكون الضمير مبهمًا يفسره ما بعده كما في قوله تعالى {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} [الأنعام 29] ، قال الزمخشري هذا ضمير لا يُعْلَم ما يُعْنَى به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله إنِ الحياة {إلا حياتنا الدنيا} ، ثمَّ وضع هي موضع الحياة؛ لأن الخبر يدلُّ عليها ويبينها، ومنه
هي النفس ما حملتها تتحمل
(مَا لَمْ تَيْبَسَا) بفتح الباء الموحدة، من يَبِسَ يَيْبَسُ من باب عَلِمَ يَعْلَم، وفيه لغة يبِس ييِبس بالكسر فيهما، وهي لغة شاذةٌ؛ أي مدة دوامهما إلى زمن اليُبس، وفي رواية الكشميهني بحرف الاستثناء، وفي رواية المستملي بكلمة إلى التي للغاية، ويجوز فيه التأنيث والتذكير أما التأنيث فباعتبار رجوع الضمير فيه إلى الكسرتين، وأما التذكير فباعتبار رجوعه إلى العودين؛ لأن الكسرتين هما العودان.
قال المازري يحتمل أن يكون أوحى الله أن العذاب يُخَفف عنهما هذه المدة. انتهى.
وعلى هذا، فلعلَّ هنا للتعليل، فلا يَرِد عليه ما قاله القرطبي إنَّه لو كان بالوحي لما أتى بحرف الترجي، وقيل إنه شفع أو دعا لهما هذه المدة كما صرح به في حديث جابر؛ لأن الظاهر على ما قاله النووي إنَّ القصة واحدة، وفيه نظر، وسيأتي تحقيقه.
وقال الخطابي ذلك من ناحية التبرك بأثر
ج 2 ص 262
النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنهما، فكأنه عليه السلام جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لِمَا وقعت له المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنى ليس في اليابس، ولا أن في الجريد معنى يخصه، وقيل لأنهما يسبِّحان ما داما رطبين وليس لليابس تسبيح قالوا في قوله تعالى {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء 44] ومعناه وإن من شيء حَيٍّ، وحياة كل شيء بحسبه فحياة الخشبة ما لم تيبس، وحياة الحجر ما لم يُقْطع، وعلى هذا فيطَّرِدُ في كل ما فيه رطوبة من الأشجار والنبات، وذهب المحققون إلى أنه على عمومه، ثمَّ اختلفوا هل يُسبِّح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحًا منزِّهًا بصورة حاله؟ وأهل التحقيق على أنه يسبِّح حقيقة، ولكن لا نَفْقَه تَسْبِيْحَه، وإذا كان العقل لا يُحِيلُ جعل التمييز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه، واستحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث؛ لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريدة فتلاوة القرآن أولى، وسيأتي ما يتعلق به إن شاء الله [خ¦367] تعالى.
وقال الطِّيبي الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب بعد دعوى العموم في تسبيح كل شيء يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزبانية، بل يستأثر الله تعالى بعلمه، وقد استنكر الخطابي ومن تبعه وضعَ الجريد اليابس.
وقال الطرطوشي وكذلك ما يفعله أكثر الناس من وضع ما فيه الرطوبة من الرياحين والبقول ونحوهما على القبور؛ لأن ذلك خاص ببركة يده صلى الله عليه وسلم.
وقال القاضي عياض لأنه علل غرزهما على القبر بأمر مُغيَّب، وهو قوله (( ليُعذَّبان ) )ونحن لا نعلم ذلك، وفيه أنه لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا أن نترك ما يكون سببًا لتخفيف العذاب عنه أنْ لو عذب، ألا ترى أنا ندعو للميت بالرحمة ولا نعلم أنه يُرْحَم أم لا، وليس في السياق ما يقطع على أنه باشر الوضع بيده الكريمة، بل يحتمل أن يكون أمر به وإن كان الظاهر أنه باشر بيده، وقد تأسى بُريدة بن الحصيب رضي الله عنه بذلك فأوصى أن يُوضع على قبره جريدتان كما سيأتي في الجنائز من هذا الكتاب، وهو أولى أن يُتَّبع من غيره، وفي الحديث أن عذاب القبر حق حتى يجب الإيمان به والتسليم له، وعلى ذلك أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة، على المشهور.
ولكن ذكر القاضي عبد الجبار رئيس المعتزلة في كتاب (( الطبقات ) )إنْ قيل مذهبكم
ج 2 ص 263
أداكم إلى إنكار عذاب القبر، وهو مما أطبقت عليه الأمة، قيل إن هذا الأمر إنما أنكره أولًا ضرار بن عمرو، ولما كان من أصحاب وَاصِل ظنوا أن ذلك مما أنكرته المعتزلة، وليس الأمر كذلك بل المعتزلة رجلان أحدهما يجوِّز ذلك كما وردت به الأخبار، والثاني يقطع بذلك، وأكثر شيوخنا يقطعون بذلك، وإنما ينكرون قول جماعة من الجهلة أنهم يعذبون وهم موتى، ودليل العقل يمنع ذلك، وذكر نحوه أبو عبيد الله المرزباني في كتاب (( الطبقات ) )له.
وقال القرطبي إن الملاحدةَ ومن يذهب مذهب الفلاسفة أنكروه أيضًا، والإيمان به واجبٌ لازمٌ حسب ما أخبر به المخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أن الله يحيي العبد ويَرُد إليه الحياة والعقل، وبهذا نطقت الأخبار وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وكذلك يكمل العقل للصغار ليعلموا منزلتهم وسعادتهم، وقد جاء أن القبر ينضم عليه كالكبير، وصار أبو الهُذّيل وبِشْر إلى أن من خرج عن سِمَة الإيمان فإنه يُعذَّب بين النفختين، وأن المسألة إنما تقع في تلك الأوقات، وأثبت البلخي والجُبَّائي وابنه عذاب القبر، ولكنهم نفوه عن المؤمنين وأثبتوه للكافرين والفاسقين، وقال بعضهم عذاب القبر جائز وأنه يجري على الموتى من غير ردِّ روحهم إلى الجسد، وأن الميت يجوز أن يألم ويحس، وهذا مذهب جماعة من الكَرَّامية.
وقال بعض المعتزلة إن الله تعالى يعذب الموتى في قبورهم ويحدث الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حُشروا وجدوا تلك الآلام كالسكران والمغشي عليه إن ضُرِبوا لم يجدوا ألمًا، فإذا عاد عقلهم إليهم وجدوا تلك الآلام [4] ، وأما باقي المعتزلة مثل ضرار بن عمرو، وبِشر المريسي، ويحيى بن كامل وغيرهم فإنهم أنكروا عذاب القبر أصلًا، وهذه الأقوال كلُّها فاسدة تَرُدها الأحاديث الثابتة، وإلى الإنكار أيضًا ذهب الخوارج وبعض المُرجئة، ثمَّ المُعذَّب عند أهل السنة الجسد بعينه أو بعضه بعد إعادة الروح إلى جسده أو إلى جزئه.
وخالف في ذلك محمد بن جرير وطائفة قالوا لا يشترط إعادة الروح إلى بدنه، ولا يستلزم ذلك أن يتحرك الميت ويضطرب في قبره، وأن يُرى أثر العذاب عليه، حتى إن الغريق في الماء والمأكول في بطون الحيوانات والمصلوبَ في الهواء يُعذَّب، وإن لم نطلع عليه، وفيه أيضًا نجاسة الأبوال مطلقًا قليلها وكثيرها، وهو مذهب عامة الفقهاء، وسهَّلَ فيه القاسم بن محمد ومحمد بن علي والشعبي، وصار إمامنا الأعظم أبو حنيفة وصاحباه رحمهم الله إلى العفو عن قدر الدرهم
ج 2 ص 264
الكبير اعتبارًا للمشقة، وقال الشافعي إزالتها فرض مطلقًا.
وقال مالك ليس إزالتها بفرض، والوعيد عليه بأنه يعذب في القبر؛ لأنه يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهور؛ لأن الوضوء لا يصح مع وجوده، ويحتمل أنه يفعله على عمد بغير عذر، ومن ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم بغير عذر فهو يستحق الوعيد، وقال الثوري كانوا يُرخصون في القليل من البول، ورخَّص الكوفيون في مثل رؤوس الإبر من البول.
وفي (( الجواهر ) )للمالكية أن البول والعذرة من بني آدم الآكلين الطعام نجسان، وطاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله، وقيل بل نجسان، وعامة الفقهاء لم يخففوا في شيء من الدم إلا في اليسير من دم الحيض، واختلف أصحاب مالك في مقدار اليسير فقيل قدر الدرهم الكبير، وقيل غير ذلك، وفيه أيضًا على ما قال الحطاب دليل على استحباب تلاوة القرآن الكريم على القبور؛ لأنه إذا كان يرجى عن الميت التخفيف بتسبيح الشجر فتلاوة القرآن العظيم أعظم رجاء وبركة، وقد اختلف الناس في هذه المسألة فذهب إمامنا الأعظم أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله إلى وصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت لما روى أبو بكر النجار في كتاب «السنن» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( من مرَّ بين المقابر فقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أحد عشر مرة ثمَّ وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات ) ) [5] ، وفيه أيضًا عن أنس رضي الله عنه يرفعه (( من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ ) )، وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من زار قبر والديه أو أحدهما فقرأ عنده أو عندهما يس غفر له ) ).
وروى أبو حفص بن شاهين عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من قال الحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض رب العالمين وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، هو الملك رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله النور في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم مرة واحدة، ثمَّ قال اللهم اجعل ثوابها لوالدي لم يكن لوالديه عليه حق إلا أداه إليهما ) ).
وقال النووي المشهور من مذهب الشافعي وجماعة أن قراءة القرآن لا تَصِلُ إلى الميت، والأخبار المذكورة حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء ينفعهم ويصلهم ثوابه لقول الله تعالى {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر 10] وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة منها قوله صلى الله عليه وسلم
ج 2 ص 265
(( اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) )، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم (( اللهم اغفر لحَيِّنا وميتنا ) )وغير ذلك.
وأما ثواب الصوم والصدقة هل يبلغه أو لا فقد روى أبو بكر النجار في كتاب (( السنن ) )من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن العاصي بن وائل كان نَذَر في الجاهلية أن ينحر مائة بَدَنة، وإن هشام بن العاص نحر حصته خمسين أفيجزئ عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت عنه أو تصدقت عنه أو أعتقت عنه بلغه ذلك ) )، وروى الدارقطني قال رجل يا رسول الله كيف أَبَرُ أبويَّ بعد موتهما؟ فقال (( إن من البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدق عنهما مع صدقتك ) ).
وفي كتاب القاضي الإمام أبي الحسين بن الفَرَّاء عن أنس رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنَّا نتصدق عن موتانا ونَحُجُّ عنهم وندعو لهم فهل يصل ذلك إليهم؟ قال (( نعم، ويفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدي إليه ) )، وعن سعد أنه قال يا رسول الله إن أبي قد مات أفأُعْتِق عنه؟ قال (( نعم ) ).
وعن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يُعتقان عن علي رضي الله عنه، وفي الصحيح قال رجل يا رسول الله أن أمي تُوفيت أينفعها أن أتصدق عنها؟ قال (( نعم ) ). فإن قيل قال تعالى {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم 39] وهو يدل على عدم وصول ثواب القرآن وغيره إلى الميت. فالجواب منع دلالة الآية عليه، فإن العلماء قد اختلفوا في هذه الآية على ثمانية أقوال أحدها إنها منسوخة بقوله تعالى {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} [الطور 21] الآية حيث أدخل الأبناء الجَنَّة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.
الثاني إنها خاصة بقوم إبراهيم وموسى عليهما السلام، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سَعَىَ لهم غيرُهم، قاله عكرمة.
الثالث إنّ المراد بالإنسان الكافر، قاله الربيع بن أنس.
الرابع إنّ معناها ليس للإنسان بطريق العدل إلا ما سعى، وأما بطريق الفضل فجائز أن يزيده الله تعالى ما شاء، قاله الحسين بن الفضل.
الخامس إنّ معنى ما سعى ما نوى، قاله أبو بكر الورَّاق.
السادس إنَّ معناها ليس للكافر من الخير
ج 2 ص 266
إلا ما عمله في الدنيا فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة شيء، ذكره الثعلبي.
السابع إنَّ اللام في (للإنسان) بمعنى (على) تقديره ليس على الإنسان إلا ما سعى.
الثامن إنَّ معناه ليس له إلا سعيه في تحصيل سببه مثل سعيه في تحصيل قراءته، وولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارة يسعى في خدمة الدِّين والعبادة فيكتسب محبة أهل الدين فيكون ذلك سببًا حَصَل بسعيه، حكاه أبو الفرج عن شيخه ابن الزاغوني.
وفي الحديث أيضًا وجوب الاستنجاء إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول. قال ابن بطال معناه لا يستر جسده ولا ثوبه من مماسة البول، ولما عُذِّب على استخفافه بغسله وبالتحرز منه دل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يستنج منه حقيقٌ بالعذاب، وقال البغوي وفيه وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة عن أعين الناس عند القضاء، فافهم.
تنبيه هذا الحديث رواه ابن عباس رضي الله عنه، فعلى تقدير كون هذه القصة بمكة، على ما دلَّ عليه قول الراوي (أو مكة) كيف يُتَصوَّر هذا، وكان ابنُ عباس رضي الله عنهما عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ابنَ ثلاث سنين، فكيف ضبط ما وقع بمكة؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه
الأول أنه يحتمل أن تقع هذه القصة بعد مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة سنة الفتح أو سنة الحج.
الثاني أنه يحتمل أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
الثالث أنه يجوز أن يكون من مراسيل الصحابة، ثمَّ إن في متن هذا الحديث «ثمَّ دعى بجريدة فكسرها كسرتين» ، وفي حديث جابر رضي الله عنه عند مسلم أنه الذي قطع الغصنين فهل هذه قصة واحدة أو قصتان؟ فالجواب أنهما قصتان والمغايرة بينهما من أوجه
الأول أن هذه كانت في المدينة، وكان معه صلى الله عليه وسلم جماعة، وقصة جابر كانت في السفر، وكان خرج لحاجته فتبعه جابر وحده.
الثاني أن في هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم غرس الجريدة بعد أن شقها نصفين كما في رواية الأعمش الآتية، وفي حديث جابر أَمَر صلى الله عليه وسلم جابرًا فقطع غصنين من شجرتين كان النبي صلى الله عليه وسلم استتر بهما عند قضاء حاجته، ثمَّ أمر جابرًا فألقى الغصنين عن يمينه وعن يساره حيث كان جالسًا، وأن جابرًا سأله عن ذلك فقال إني
ج 2 ص 267
مررت بقبرين يعذَّبان فأحببت بشفاعتي أن يُرَفَّه عنهما ما دام الغصنان رطبين.
الثالث أنه لم يذكر قصة جابر ما كان السبب في عذابهما.
الرابع أنه لم يذكر فيه كلمة الترجي، فدل ذلك كله على أنهما قصتان مختلفتان، ولا يبعد تعدد ذلك، وقد روى ابن حبان في (( صحيحه ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم مر بقبر فوقف عليه فقال (( ائتوني بجريدتين فجعل إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه ) )فهذا بظاهره يدل على أنها قصة ثالثة، فسقط بهذا كلام من ادعى أن القصة واحدة كما مال إليه النووي والقرطبي رحمهما الله تعالى، ثمَّ إنه لم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك قصدًا للتستر عليهما خوفًا من الافتضاح، وهو عمل مستحسن ولا سيما من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي من شأنه الرحمة والرأفة على عباد الله، أو هو قد بينه ليحترز غيره عن مباشرة ما باشره صاحب القبرين، ولكنْ أبهمه الراوي عمدًا لذلك كما تقدم، ويستفاد منه أنه ينبغي أن لا يُبَالَغ في الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يُذَم به.
وأما ما حكاه القرطبي في (( التذكرة ) )عن بعضهم وضعَّفه من أن أحدهما كان سعد بن معاذ رضي الله عنه فهو قول باطل لا ينبغي ذكره إلا مقرونًا ببيانه، ومما يدل على بطلانه أن النبي صلى الله عليه وسلم حضر دفن سعد بن معاذ كما ثبت في الصحيح، وأما قصة المقبورين ففي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم من دفنتم اليوم هاهنا، فدل على أنه لم يحضرهما، وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيدًا حيث قال لأصحابه (( قوموا إلى سيدكم ) )وقال إن حُكْمَه وافق حُكْمَ الله، وقال (( إن عرش الرحمن اهتز لموته ) )إلى غير ذلك من مناقبه الجليلة.
وقد اختلف في المقبورين فقيل كانا كافرين، وبه جزم أبو موسى المديني في كتابه (( الترغيب والترهيب ) )، واحتج في ذلك بما رواه من حديث ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال (( مر نبي الله صلى الله عليه وسلم على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول والنميمة ) ).
قال أبو موسى هذا، وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح؛ لأنهما لو [6] كانا مسلمين لما كان لشفاعته عليه السلام لهما إلى أن ييبسا معنى، ولكنه لما رآهما يعذبان لم يَستضجِز من لُطْفِه
ج 2 ص 268
وعطفه حرمانهما من إحسانه فشفع لهما إلى المدة المذكورة، ولما رواه الطبراني في (( الأوسط ) )بما لفظه (( مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبور نساء من بني النجار هلكن في الجاهلية فسمعهن يعذبن في النميمة ) )قال لم يَرْوِه عن أسامة إلا ابن لهيعة، وقيل كانا مسلمين.
وجزم به ابن العطار في (( شرح العمدة ) )لأنهما لو كانا كافرين لم يَدْعُ عليه السلام لهما بتخفيف العذاب ولا ترجَّاه لهما، ويقوي هذا ما في بعض طرق حديث ابن عباس رضي الله عنهما «مر بقبرين من قبور الأنصار جديدين» وهو لقب إسلامي لُقِبُوا به لنصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يُعْرَف به مسمى في الجاهلية، ويقويه أيضًا ما في رواية مسلم (( فأحببت بشفاعتي ) )والشفاعة لا تكون إلا للمؤمن.
وما في رواية أحمد المذكورة آنفًا أنه صلى الله عليه وسلم مَرَّ بالبقيع فقال (( من دفنتم اليوم هاهنا ) )يدل عليه أيضًا؛ لأن البقيع مقبرة المسلمين، والخطاب لهم فإن جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم، ويقوي كونهما مسلمين أيضًا رواية أبي بَكْرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح (( يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول ) )فهذا الحصر ينفي كونهما كافرين؛ لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف، والله اعلم.
[1] في هامش الأصل وقد استدل ابن بطال برواية الأعمش على أن التعذيب لا يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال لأن الاحتراز من البول لم يَرِدْ فيه وعيد، وتعقب لهذه الزيادة وقد ورد مثلها من حديث أبي بكرة عند أحمد والطبراني. منه.
[2] في هامش الأصل القائل هو الداودي وابن العربي. منه.
[3] في هامش الأصل وأما بقصد فعل مصلحة أو ترك مفسدة فهو مطلوب فلا يكون نميمة، أو لا يكون نميمة مذمومة شرعًا على تقدير تفسير النميمة بنقل كلام الناس مطلقًا. منه.
[4] في هامش الأصل أي التأثير بالألم وكذا اللذة بالنعم لا يستلزم الاضطراب فإن النائم يتلذذ بالاحتلام ويتألم بالأحلام ولا ينشأ هذا الاضطراب والحركة منه. منه.
[5] ينبغي التنبيه في الحاشية إلى أن هذا الحديث والذي بعده غير صحيحين.
[6] (( لو ) )ليست في (خ) .