2376 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشِحيُّ، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادٌ) هو ابنُ زيد بن دِرهَم، وفي بعض النسخ ذُكِرَ منسوبًا (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطِعَ) من الإقطاع (مِنَ الْبَحْرَيْنِ) بصيغة مثنى البحر، ناحيةٌ مشهورةٌ في بلاد نَجْد على شَطِّ بحرِ فارسَ، وهي ديار القَرامِطَة وفيها قرىً كثيرةٌ وهي كثيرة التمور، والمعنى أن يقطع من البحرين للأنصار. وفي رواية البيهقيِّ (( دعا الأنصار؛ ليقطع لهم البحرين ) )، وفي حديث الإسماعيليِّ (( ليقطع لهم البحرين أو طائفةٌ منها ) )، وكأنَّ الشكُّ فيه من حمَّاد. والظاهر أنَّه أراد أن يُقطِع لهم قطعةً منها؛ لأنَّ كلمة من في قوله (( من البحرين ) )للتبعيض، ويُحتَمل أن تكون للبيان. وسيأتي في «الجزية» [خ¦3163] من طريق زُهَير عن يَحيَى بلفظ (( دعا الأنصار ليكتب لهم بالبحرين ) )، والظاهر أنَّ معناه ليُكتَب لهم طائفةٌ بالبحرين، ويُحتَمل أن يُكتَب لهم البحرينُ كلُّها، ويؤيِّد هذا ما رواه في «مناقب الأنصار» [خ¦3794] ، من رواية سفيانَ عن يَحيَى «إلى أن يقطع لهم البحرين» ، وظاهره أنَّه أراد أن يجعلَها لهم أقطاعًا.
وقال الخَطَّابيُّ يُحتَمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد العامر من البحرين، لكن في حقِّه من الخمس؛ لأنَّه كان ترك أرضها فلم يقسمها، ويُحتَمل أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد الموات منها؛ ليتملَّكوه بالإحياء.
هذا وتُعُقِّب بأنَّها فُتحَت صلحًا كما سيأتي في كتاب «الجزية» ، فيحُتَمل أن يكون المراد أنَّه أراد
ج 11 ص 196
أن يُخصَّهم بتناول جزيتها، وبه جزم إسماعيلُ القاضي، وكذا مال إليه ابن قرقول حيث قال والَّذي في هذا الحديث ليس منها؛ أي من الإقطاعات فإنَّ البحرين كانت صلحًا فلم يكن لهم في أرضها شيءٌ، وإنَّما هم أهل جزيةٍ، وإنَّما معناه عند علمائنا إقطاع مالٍ من جزيتهم. يقال منه أقطع _ بالألف_، وأصله من القطع كأنَّه قطعه له من جملة المال، ووجَّهه ابن بَطَّال بأنَّ أرض الصلح لا تُقسَم فلا تُملَك.
وقد جاء في حديث بلال بن الحارث أخرجه أحمدُ من رواية كثير بن عبد الله، عن عَمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدِّه، ومن حديث عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه أقطع معادن القَبَلِيَّةِ، والقبَلية _ بفتح الباء الموحدة _ نسبةً إلى قَبَل _ بفتح القاف والباء _ وهي ناحيةٌ من سواحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل هي من ناحية الفرع، وهو موضعٌ بين نخلة والمدينة هذا هو المحفوظ. وفي كتاب «الأمكنة» معادن القِلَبِيَّة _ بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء _.
وقال ابن التِّين إنَّما يُسمَّى إقطاعًا إذا كان من أرضٍ، أو عقار، وإنَّما يُقْطَعُ من الفيء ولا يُقْطَعُ من حقِّ مسلمٍ ولا معاهد، قال وقد يكون الإقطاع تمليكًا وغيرَ تمليك، وعلى الثاني يُحمَل إقطاعُه صلى الله عليه وسلم الدُّور بالمدينة، كأنَّه يشير إلى ما أخرجه الشَّافعي مرسلًا، ووصله الطبراني أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قدم المدينة أقطعَ الدور؛ يعني أنزل المهاجرين في دور الأنصار برضاهم، انتهى.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في أواخر «الخمس» [خ¦3151] حديثُ أسماء رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير؛ يعني بعد أن أجلاهم.
والظَّاهر أنَّه ملكه إيَّاها، وأطلق عليها إقطاعًا على سبيل المجاز، كذا قال الحافظ العسقلاني فافهم، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَتِ الأَنْصَارُ حَتَّى تُقْطِعَ) غايةٌ لفعل مُقَدَّر؛ أي لا تقطع لنا حتى تقطع (لإِخْوَانِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِثْلَ الَّذِي تُقْطِعُ لَنَا) وزاد في رواية البيهقيِّ (( فلم يكن ذلك عنده ) )يعني بسبب قلَّة الفتوح يومئذٍ، وكما في رواية الليث التي في الباب الذي يلي هذا [خ¦2377] .
وأغرب ابن بطَّال فقال معناه أنَّه لم يرد
ج 11 ص 197
فعل ذلك؛ لأنَّه كان أقطع المهاجرين أرض بني النَّضير.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً) وفي رواية الإسماعيلي (( ستلقون بعدي أثرة للأنصار ) ). والأَثَرة _ بفتح الهمزة والمثلثة _ على المشهور، ويُروَى بضم الهمزة وإسكان المثلثة.
وقال ابن قُرْقُول وبالوجهين قيَّده الجياني، والوجهان صحيحان قال ويقال أيضًا إِثْرة _ بكسر الهمزة وسكون الثاء _، قال الأزهريُّ وهو الاستئثار؛ أي ترون استئثارًا عليكم واستبدادًا بالحظ دونكم.
قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ وأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى ما وقع من استئثار الملوك من قريشٍ عن الأنصار بالأموال والتَّفضيل في الإعطاء، وغير ذلك فهو من أعلام نبوَّته صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي عليٍّ القالي الأثرة الشدَّة، وفي «الواعي» عن ثعلب الأُثرة _ بالضم خاصة _ الجدب والحال غير المرضية، وعن غيره التفضيل في العطاء.
(فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه بزيادة (( أثرةٍ شديدةٍ فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض ) )، وقالوا هذا يدلُّ على أنَّ الخلافةَ لا تكون فيهم، ألا ترى أنَّه جعلهم تحت الصبر إلى يوم القيامة، والصَّبر لا يكون إلَّا من مغلوبٍ محكومٍ عليه.
وفي الحديث فضيلةٌ ظاهرةٌ للأنصار؛ لتوقُّفهم عن الاستئثار بشيءٍ من الدُّنيا دون المهاجرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنَّهم كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فكم بين من يؤثر على نفسه عند الخصاصة، وبين من يستأثر بحق غيره فحصلوا في الفضل على ثلاث مراتب إيثارهم على أنفسهم، ومواساتهم لغيرهم، والاستئثار عليهم مع الصَّبر منهم رضي الله عنهم وعن المهاجرين أجمعين.
وفي الحديث أيضًا جواز إقطاع الإمام من الأراضي التي تحت يدهِ لمن شاء ممَّن يراه أهلًا لذلك.
وأمَّا المياه التي في العيون والمعادن الظَّاهرة كالملح والقير والنَّفط ونحوها لا يجوزُ إقطاعها، وذلك أنَّ الناس كلُّهم شركاء في الماء والملح وما في معناهما ممَّا يستحقُّ به بالسَّبق إليه والأخذ منه فليس لأحدٍ أن يحتجرَها لنفسه، أو يحتظرَ منافعها على أحدٍ من شركائه المسلمين.
وأمَّا المعادن التي لا يتوصَّل إلى نيلها ونفعِهَا إلَّا بكدحٍ واعتمالٍ واستخراجٍ لِمَا في بطونها، فإن ذلك لا يُوجب الملك الباتَّ، ومَنْ أُقطعَ شيئًا منها كان له ما دامَ يعملُ فيه فإذا قطع
ج 11 ص 198
العمل عادَ إلى أصلهِ فكان للإمام إقطاعه لغيره.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة، والحديثُ أخرجه المؤلِّف في «الجزية» [خ¦3163] و «فضل الأنصار» أيضًا [خ¦3794] .