219 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي البصري، وقد مر في الوحي [خ¦5] (قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم، هو ابن يحيى بن دينار العَوْذي بفتح المهملة وسكون الواو وبالذال المعجمة، كان قويًا في الحديث ثبتًا في كل المشايخ،
ج 2 ص 272
مات سنة ثلاث وستين ومئة (قَالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية حدثنا (إِسْحَاقُ) هو ابن عبد الله بن أبي طلحة بن سهل الأنصاري، وقد تقدم في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس [خ¦66] .
(عَنْ أَنَسِ) هو ابن مالك رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين بصري ومدني، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الباب التالي [خ¦221] ، في الأدب أيضًا [خ¦6025] ، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه أيضًا.
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى) أي أبصر (أَعْرَابِيًّا يَبُولُ) في محل النصب على أنه صفة (أعرابيًا(فِي الْمَسْجِدِ) النبوي يدل عليه رواية أبي هريرة الآتية فتناوله الناس (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (دَعُوهُ) أي اتركوه وهو أمر بصيغة الجمع مِنْ (يَدَع) ، وفي رواية مسلم وهو بتقديم الزاي على الراء المهملة؛ بمعنى لا تقطعوا عليه بوله، يقال زرم الدمع والدم؛ أي انقطعا وأَزْرَمْتُه أنا.
وعن عبد الله بن نافع المدني أن هذا الأعرابي كان الأقرعَ بن حَابس كما حكاه أبو بكر التاريخي، أو هو ذو الخُويْصِرة اليماني حيث أخرج أبو موسى المديني هذا الحديث من طريق محمد بن عطاء، عن سليمان بن يسار قال اطلع ذو الخويصرة اليماني وكان رجلًا جافيًا فذكر الحديث تامًا بمعناه، لكنه مرسل، وفي إسناده مبهم، ونقل عن أبي الحسن بن فارس أنه عيينة بن حصن، والعلم عند الله تعالى.
(حَتَّى إِذَا فَرَغَ) أي فتركوه إلى أن فرغ من بوله، وإنما تركوه؛ لأنه كان شرع في المفسدة فلو مُنِعَ لزادت المفسدة؛ إذ قد حصل تلويث جزء من المسجد، فلو منع لدار بين أمرين إما أن يقطعه فيتضرر، وإما أن لا يقطعه فلا يأمن تنجيس بدنه أو ثوبه أو مواضع أخرى من المسجد، وقال ابن بطال إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك استئلافًا للأعرابي، وتحقيقًا لمقتضى قوله تعالى {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم 4] فلما فرغ. (دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِمَاءٍ) أي طلبه (فَصَبَّهُ) أي أمر بصبه (عَلَيْهِ) يقال صببت الماء فانصب أي سكبته فانسكب، والماء ينصب من الجبل أي ينحدر، ويقال ماء صب وهو كقولك ماء سكب، ويروى بدون ضمير المفعول، وفي رواية للبخاري على ما يأتي [خ¦221] (( فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذَنُوب من ماء فأهريق عليه ) )، وفي رواية مسلم (( فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلو فسنه عليه ) )، وفي رواية النسائي (( فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه ) )، وفي رواية ابن ماجه (( دعا بدلو من ماء فصب عليه ) )، وفي رواية له (( ثمَّ أمر بسجل من ماء فأفرغ على بوله ) ).
وفي رواية ابن صاعد، عن عبد الجبار بن العلاء، عن ابن عيينة،
ج 2 ص 273
عن يحيى بن سعيد، عن أنس رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( احفروا مكانه ثمَّ صبوا عليه ذنوبًا من ماء ) )، وفي رواية أبي داود عن عبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن (( خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء ) ).
فقوله فَسَنَّه عليه بالسين المهملة، ويروى بالمعجمة وهي رواية الطحاوي أيضًا، والفرق بينهما أن السَنَّ بالمهملة الصبُ المتصل، وبالمعجمة الصبُّ المنقطع، قاله ابن الأثير، والذَّنوب والسجل سيأتي في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦221] ، وقد استنبط من هذا الحديث وما سيأتي من جميع ألفاظه والروايات المختلفة فيه وجوه
الأول أنه استنبط منه الشافعي رحمه الله أن الأرض إذا أصابتها نجاسة وصب عليها الماء تطهر، وقال النووي ولا يشترط حفرها.
وقال الرافعي إذا أصابت الأرض نجاسة فصب عليها من الماء ما يغمرها وتستهلك فيها النجاسة طهرت بعد نضوب الماء، وقبله فيه وجهان إن قلنا إنَّ الغسالة طاهرة والعصر لا يجب فنعم، وإن قلنا إنها نجسة والعصر واجب فلا، وعلى هذا فلا يتوقف الحكم بالطهارة على الجفاف، بل يكفي أن يفاض الماء كالثوب فلا يشترط الجفاف والنضوب كالعصر، وفيه وجه آخر وهو أن يكون الماء المصبوب سبعة أضعاف البول.
ووجه آخر وهو أن يُصب على بول الواحد ذنوب وعلى بول الاثنين ذنوبان، وهكذا. انتهى.
وقال أصحابنا معاشر الحنفية إذا أصابت الأرض نجاسة رطبة فإن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، فإذا لم يبق على وجهها شيء من النجاسة وتسفل الماء يحكم بطهارتها ولا يعتبر فيه العدد، وإنما هو على اجتهاده، وما هو في غالب ظنه أنها طهرت ويقوم في الأرض مقام العصر فيما يحتمل العصر.
وعلى قياس ظاهر الرواية يصب عليها الماء ثلاثًا ويتسفل في كل مرة وإن كانت الأرض صلبة، فإن كانت صعودًا يحفر في أسفلها حفيرة ويصب عليها الماء ثلاث مرات ويتسفل إلى الحفيرة، وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا تغسل لعدم الفائدة في الغسل بل تحفر.
وعن أبي حنيفة رحمه الله لا تطهر الأرض
ج 2 ص 274
حتى تحفر إلى الموضع الذي وصلت إليه النداوة وينقل التراب، والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله عنه، وحديث عبد الله بن معقل بن مُقَرِّن وقد ذكرا عن قريب [1] ، وكذا يدلُّ عليه ما رواه عبد الرزاق في (( مصنفه ) )عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال بال أعرابي في المسجد فأرادوا أن يضربوه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( احفروا مكانه واطرحوا عليه دلوًا من ماء، علِّموا ويَسِّروا ولا تعسِّروا ) ).
والقياس أيضًا يقتضي هذا الحكم؛ لأن الغسالة نجسة فلا تطهر الأرض ما لم تحفر وينقل التراب، لا يُقال قد تركتم الحديث الصحيح، واستدللتم بحديث أنس رضي الله عنه، وهو ضعيف، وبحديث عبد الله بن معقل وهو مرسل؛ لأن ابن معقل لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنا نقول قد عملنا بالحديث الصحيح فيما إذا كانت الأرض رخوة، وعملنا بالضعيف على تقدير ضعفه فيما إذا كانت الأرض صلبة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمالِ البعض، وأما المُرْسَل فهو معمول به عندنا، ومن يترك العمل بالمرسلات يترك العمل بأكثر الأحاديث.
وقد تقرر عند المحدثين أنَّ المُرْسَلين صحيحين إذا عارضا حديثًا صحيحًا مسندًا كان العملُ بالمرسَلين أولى فكيف مع عدم المعارضة؟ هذا وسيأتي أن ذلك حين المبادرة إلى تطهير الأرض، وإلا فزكاة الأرض يُبْسُها عندنا كما في (( الهداية ) )وغيره.
الثاني أنه استدل به بعض الشافعية على أن الماء يتعين في إزالة النجاسة ومنعوا غيره من المائعات المزيلة، وهذا استدلال فاسد؛ لأن ذكر الماء هنا لا يدل على نفي غيره؛ لأن الواجب هو الإزالة والماء مزيل بطبعه فيقاس عليه كل ما كان مزيلًا لوجود الجامع على أن هذا الاستدلال يشبه مفهوم المخالفة وهو ليس بحجة.
الثالث أنه استدل به جماعة من الشافعية وغيرهم أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة وذلك؛ لأن الماء المصبوب لا بد أن يتدافع عند وقوعه على الأرض ويصل إلى محل لم يصبه البول مما يجاوره، فلولا أن الغسالة طاهرة لكان الصب ناشرًا للنجاسة، وذلك خلاف مقصود التطهير، ولا فرق في ذلك بين كون النجاسة في الأرض وبين كونها في غيرها، نعم، فَرَّق الحنابلة بين الأرض وغيرها.
الرابع أنه استدل به بعض الشافعية أن العصر في الثوب النجس إذا غسل لا يجب، وهذا استدلال فاسد وقياس مع الفارق؛
ج 2 ص 275
لأن الثوب ينعصر بالعصر بخلاف الأرض.
الخامس أنه استدل به البعض أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء لا تطهر؛ لأنه لو كان يكفي ذلك لما حصل التكليف بطلب الدلو، ولأنه لم يوجد المزيل، ولهذا لا يجوز التيمم بها، وهو محكي عن أبي قِلابة، وهذا أيضًا فاسد؛ لأن ذكر الماء في الحديث لوجوب المبادرة إلى تطهير المسجد، وتركُه إلى الجفاف تأخيرٌ لهذا الواجب، وإذا تردَّدَ الحال بين الأمرين لا يكون دليلًا على أحدهما بعينه.
وقد سبق أن الواجب هو الإزالة، والماءُ مزيلٌ بطبعه، فيقاس عليه كلُّ ما كان مزيلًا لوجود الجامع، وإنما لا يجوز التيمم بها؛ لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطًا بنص الكتاب فلا تتأدى بما ثبت بالحديث.
السادس أن فيه دليلًا على صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، ألا ترى إلى تمام الحديث في رواية مسلم ثمَّ إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعاه أي الأعرابي فقال له (( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ) ).
وقوله (وإنما هي لذكر الله) من قصر الموصوف على الصفة، ولفظ الذكر عام يتناول قراءة القرآن وقراءة العلم، ووعظ الناس و (الصلاةُ) أيضًا عام يتناول المكتوبة والنافلة، ولكن النافلة في المنزل أفضل إلا سنن الرواتب على الأصح فإنها صارت من قبيل شعائر الإسلام التي تؤدى على سبيل الاشتهار، ثمَّ غير هذه الأشياء ككلام الدنيا والضحك واللبث فيه بغير نية الاعتكاف مشتغلًا بأمر من أمور الدنيا ينبغي أن لا يُبَاح، وهو قول بعض الشافعية.
والصحيح أن الجلوس فيه لعبادة أو قراءة علم أو درس أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك مستحب ويثاب على ذلك
ج 2 ص 276
وإن لم يكن لشيء من ذلك كان مباحًا وتركه أولى، وأما النوم فيه فقد نص الشافعي في (( الأم ) )أنه يجوز، وعنه وعن ابن المسيب والحسن وعطاء أنه لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا تتخذوه مرقدًا ) ) [2] .
وروي عن الشافعي أيضًا أنه إن كان ينام فيه لصلاة فلا بأس، وقال الأوزاعي يكره النوم في المسجد، وقال مالك لا بأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر، وقال أحمد إن كان مسافرًا أو شبهه فلا بأس وإن اتخذه مقيلًا أو مبيتًا فلا، وهو قول إسحاق.
وقال اليعمري وحجة من أجازه نوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأهل الصُّفَّة رضوان الله عليهم، وكذا المرأة صاحبة الوشاح، والعُرَنيون، وصفوان بن أمية وغيرهم وهي أخبار صحاح مشهورة، وأما الوضوء فيه فقد أباحه كل من يحفظ عنه العلم إلا أن يتوضأ في مكان يَبُلُه ويتأذى الناس به.
قال ابن بطال هذا منقول عن ابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس والنخعي وابن القاسم، وذكر عن ابن سيرين وسحنون أنهما كرهاه تنزيهًا للمسجد، وقال بعض أصحابنا الحنيفة إن كان فيه
ج 2 ص 277
موضع مُعَدٌ للوضوء فلا بأس، وإلا فلا يجوز.
وفي (( شرح الترمذي ) )لليعمري إذا افتصد في المسجد فإن كان في غير الإناء فحرام، وإن كان في الإناء فمكروه، وإن بال في المسجد في إناء فوجهان
أصحهما أنه حرام.
والثاني أنه مكروه، وأما الاستلقاء فيه فيجوز، وكذا مدُّ الرِجْلِ وتشبيك الأصابع، للأحاديث الثابتة في ذلك.
السابع أن فيه المبادرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثامن أن فيه مبادرة الصحابة إلى الإنكار بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، من غير مراجعة له واستئذان منه؛ لمَّا كان الاحتراز من النجاسة متقررًا في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، وليس هذا من باب التقدُّم بين يدي الله ورسوله؛ لأنه تقرر عندهم أيضًا طلب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإنْ لم يكن في هذه الواقعة الخاصة إذن، إلا أنه اكتُفي فيها بالإذن العام، فكأنهم استأذنوا في ذلك.
التاسع أن فيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما؛ فإن البول فيه مفسدة، وقَطْعُهُ على البائل مفسدةٌ أعظم منها، فدفع أعظمهما باحتمال أيسرهما، وتنزيه المسجد عنه مصلحة، وترك البائل إلى الفراغ مصلحةٌ أعظم منها، فحصل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما.
العاشر مراعاة التيسير على الجاهل والتآلف للقلوب.
الحادي عشر أن فيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأن الأعرابي حين فرغ أمر بصبِّ الماء.
والثاني عشر رأفة النبي صلى الله عليه وسلم وحُسْنُ خُلُقه، قال ابن ماجه وابن حبان في حديث أبي هريرة «فقال الأعرابي بعد أن فقه في الإسلام، فقام إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي فلم يُؤنِّب ولم يَسب» .
[1] في هامش الأصل وقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أيضًا أنها بعد صب الماء عليها لا تطهر حتى تدلك وتنشف بصوف أو خرقة فعل ذلك ثلاث مرات، وإن لم يفعل ذلك لكن صب عليها ماء كثيرًا حتى عرف أنه أزال النجاسة ولم يوجد فيه لون ولا ريح ثم ترك حتى نشفت كانت طاهرة. منه.
[2] في عمد القاري قال ابن المنذر رخص في النوم في المسجد ابن المسيب والحسن وعطاء والشافعي وقال ابن عباس «لا تتخذوه مرقدًا»