فهرس الكتاب

الصفحة 3762 من 11127

2408 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) هو ابن أبي شَيبة، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المُعتَمِر (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شُراحيل (عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) ورجال الإسناد كلهم كوفيُّون، لكن سكن جرير الرَّيَّ، وفيهم ثلاثة من التَّابعين على نسقٍ واحدٍ وهم منصور والشَّعبي وورَّاد.

(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ) أصل العقوق القطع، كأنَّ العاقَّ لأمِّه يقطع ما بينهما من الحقوق، وإنَّما خصَّ الأمَّهات بالذِّكر وإن كان عقوق الآباء أيضًا حرامًا؛ لأن العقوق إليهنَّ أسرع من الآباء؛ لضعف النِّساء، وللتنبيه على أنَّ برَّ الأمِّ مقدَّم على برِّ الأب في التلطُّف والحنوِّ ونحو ذلك، ولأنَّ ذكر أحدهما يدلُّ على أنَّ الآخر مثله بالضَّرورة بطريق الدَّلالة؛ لأنَّ حقوق الأب مقدَّمة في الطَّاعة وحسن المتابعة لرأيه والنُّفوذ لأمره، فافهم.

(وَوَأْدَ الْبَنَاتِ) الوأد مصدر وأدتِ الوائدة ابنتها تئدها، إذا دفنتها حيَّة. وقال ابن التِّين هو بإسكان الهمزة، وضبطه ابن فارس بفتحها. وقال أبو عُبَيد كان أحدهم في الجاهليَّة إذا جاءته البنت يدفنها حين تولد، ويقولون القبر صهرٌ ونعم الصِّهر، وكانوا يفعلونه غيرة وأَنَفة، وبعضُهم

ج 11 ص 251

كان يفعله تخفيفًا للمؤنة.

(وَمَنَعَ) أي وحرَّم عليكم منع ما عليكم إعطاؤه من الحقوق (وَهَات) أي وحرَّم عليكم طلب ما ليس لكم أخذُه، وحاصله يمنع النَّاس خيره ورِفْده، ويأخذ رفدهم، وقيل نهى عن منع الواجب من ماله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللَّازمة فيها، ونهى عن استدعاء ما لا يجبُ عليهم من الحقوق، وتكليفه إيَّاهم بالقيام بما لا يجب عليهم، فكأنَّه ينتصفُ ولا يُنصِف، وهذا من أسمجِ الخلال.

وقال إسحاق بن منصور قلت لأحمد بن حنبل ما معنى منعٍ وهات؟ قال أن تمنعَ ما عندك فلا تتصدَّق ولا تعطي، فتمدَّ يدك فتأخذ من النَّاس.

وقال ابن التِّين وضبط منعَ بغير ألف، وصوابه منعًا بالألف؛ لأنَّه مفعول حرَّم. وقد صرَّح الِكَرْماني بقوله منعًا بالألف حيث قال فإن قلتَ كيف صحَّ عطفه؟ أي عطف هات على منعًا قلت تقديره هات وهات، إذ هو باعتبار لازم معناه وهو الأخذ، انتهى.

وذلك لأنَّ معنى هات أعطني، ومن لازم العطاء الأخذ، تقول هاتِ يا رجل _ بكسر التاء _ وللاثنين هاتيا، مثل آئتيا، وللجمع هاتوا، وللمرأة هاتي بالياء، وللنِّساء هاتين، مثل آتين.

(وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ) إمَّا فعلان، وإمَّا مصدران، فإذا كانا فعلين يكون قيل مجهول قال الذي هو ماضٍ، والمعنى على هذا نهى عن فضول ما يتحدَّث به المجالسون من قولهم قيل كذا، وقال كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيِّين متضمِّنين للضَّمير، والإعراب على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضَّمير. ومنه قولهم الدُّنيا قيل وقال، وإدخال حرف التَّعريف عليهما لذلك في قولهم لا تعرف القال من القيل، وإذا كانا مصدرين يكون معناه نهى عن قِيلٍ وقَولٍ، يقال قلت قَوْلًا وقَالًا وقِيلًا، وأصل قالا قَوَلًا، قلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأصل قيلًا قِوْلًا، قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وقيل هذا النَّهي في قَوْلٍ لا يصحُّ ولا يُعلَم حقيقته، فأمَّا مَنْ حكى ما صحَّ وعرف حقيقته، وأسنده إلى ثقة صادق فلا يُنهَى عنه ولا يُذّمُّ. وقيل هذا الكلام يتضمَّن بعمومه النَّميمة والغيبة، فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال، والإصغاء إليه أقبح وأفحش.

(وَكَثْرَةَ السُّؤَالَ) فيه وجوه

أحدها أنَّ المراد السُّؤال عن أمور النَّاس، وكثرة البحث عنها.

والثَّاني مسألة النَّاس من أموالهم. وقال التُّورَبَشْتي

ج 11 ص 252

ولا أرى حمله على هذا، فإنَّ ذلك مكروه وإن لم يبلغْ حدَّ الكثرة.

والثَّالث كثرة السُّؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء.

والرَّابع كثرة سؤال النَّبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة 101] والله تعالى أعلم.

(وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) وقد مرَّ تفسيره في أوَّل الباب، وقد قيل إنَّ المراد السَّرف في إنفاقه، وعن سعيد بن جُبير إنفاقه في الحرام. وقال الطِّيبي التَّقسيم الحاصر فيه الحاوي لجميع الأقسام أن يُقالَ الذي يصرف إليه المال، إمَّا أن يكون واجبًا كالنَّفقة والزكاة ونحوهما، وهذا لا ضَيَاع فيه، وكذا إذا كان مندوبًا إليه، وإمَّا أن يكون حرامًا أو مكروهًا، وهذا قليله وكثيره إِضَاعة وسرفٌ، وإمَّا أن يكون مباحًا ولا إشكال إلَّا في هذا القسم، إذ كثير من الأموال يعدُّه بعض النَّاس من المباحات وعند التَّحقيق ليس كذلك كتشييد الأبنية وتزيينها، والإسراف في النَّفقة، والتوسُّع في لبس الثِّياب والأطعمة الشهيَّة اللَّذيذة، وأنت تعلم أنَّ القسوة وغلظ الطَّبع تتولَّد من لبس الرِّقاق وأكل الرِّقاق. ويدخل فيه تمويه الأواني والسُّقوف بالذَّهب والفضَّة، وسوء القيام على ما يملكه من الرَّقيق والدَّواب حتَّى يضيع فيهلك، وقسمة ما لا ينتفع الشَّريك به كاللؤلؤ والسَّيف يكسران، وكذا احتمال الغبن الفاحش في البياعات، وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر. والحديث قد مرَّ في كتاب «الزَّكاة» ، في باب «قول الله تعالى {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} » [البقرة 273] [خ¦1477] بأخص منه.

ومطابقته للتَّرجمة في قوله وإضاعة المال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت