2426 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياسٍ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) وهذا الطَّريق أنزل من الطَّريق الأوَّل كما ترى، والسِّياق للطَّريق الأنزل.
ج 11 ص 283
(عَنْ سَلَمَةَ) بفتح اللام، هو ابن كُهيل _ بضم الكاف _ على صيغة التَّصغير، أنَّه قال (سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ) سُويد بضم السين المهملة، وغَفَلَة بالغين المعجمة والفاء واللام المفتوحات، الجعفي الكوفي، أدرك الجاهليَّة، ثمَّ أسلم ولم يهاجر، مات سنة ثمانين، وله مئة وعشرون سنة، وقيل إنَّه صحابي، والأوَّل أصح.
ورُوِي عنه أنَّه قال أنا لِدَة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت عام الفيل، قدم المدينة حين نُفِضَت الأيدي من دفنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رُوِي أنَّه صلى مع النَّبي صلى عليه وسلم، والأوَّل أثبتُ.
(قَالَ لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ أَخَذْتُ) هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي ، وفي رواية الكشميهني (صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ) فنصب على أنَّه بدل من «صرَّة» ، ويجوز الرفع على تقديرِ فيها مائة دينار، كما في رواية مسلم.
(فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي فأخبرته به (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (عَرِّفْهَا) بالتَّشديد، أمر من التَّعريف، وهو أن ينادى في الموضع الذي لقيها فيه وفي الأسواق والشَّوارع والمساجد، ويقول من ضاعَ له شيءٌ فليطلبْه عندي (حَوْلًا) نصب على الظَّرف (فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَهَا) بالتشديد من التَّعريف أيضًا (فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا) بالتخفيف، من عرف يعرف معرفة وعرفًا (ثُمَّ أَتَيْتُهُ) صلى الله عليه وسلم؛ أي فأخبرته (فَقَالَ عَرِّفْهَا حَوْلًا فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ) أي من يُعرِّفها (ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلاثًَا) أي ثلاث مرَّات، والمعنى أنَّه أتى ثلاث مرَّات، وليس معناه أنَّه أتى بعد المرَّتين الأوليين ثلاث مرَّات، وإن كان ظاهر اللَّفظ يقتضِي ذلك، وذلك لأنَّ ثمَّ إذا تخلَّفت عن معنى التَّشريك في الحكم والتَّرتيب والمهلة تكون زائدة، فلا تكون عاطفة البتَّة، قاله الأخفش والكوفيُّون، وحملوا على ذلك قوله تعالى {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة 118] .
ويوضِّح ذلك رواية مسلم فقال _ أي أبيُّ بن كعب رضي الله عنه _ إنِّي وجدت صرَّة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال (( عرِّفها حولًا ) )، قال فعرَّفتها فلم أجدْ من يعرفها، ثمَّ أتيته فقال (( عرفها حولًا ) )فعرَّفتها فلم أجد من يعرفها، ثمَّ أتيته فقال (( عرِّفها حولًا ) )فلم أجد من يعرفها فقال (( احفظ عددها ... ) )الحديث.
وقد اختلفت الرِّوايات في ذلك، ففي رواية (( عرِّفها ثلاثًا ) )، وفي أخرى (( حولًا واحدًا ) )، وفي أخرى (( في سنة أو في ثلاث سنين ) )، وفي أخرى (( عامين أو ثلاثة ) ). وروى مسلم عن جماعة هذا الحديث،
ج 11 ص 284
ثمَّ قال وفي حديثهم جميعًا ثلاثة أحوال إلَّا حمَّاد بن سلمة، فإنَّ في حديثه عامين أو ثلاثة.
وقال المنذريُّ لم يقلْ أحدٌ من أئمَّة الفتوى بظاهره من أنَّ اللُّقطة تعرف ثلاثة أعوام، إلَّا رواية شاذَّة جاءت عن عمر رضي الله عنه، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنَّها تعرَّف سنة مثل قول الجماعة. وقد حكاهُ الماوردي في «الحاوي» عن شواذٍّ من الفقهاء أنها تعرَّف ثلاث أشهر.
وحكى ابنُ المنذر عن عمر رضي الله عنه ثلاثة أقوال يعرفها ثلاثة أحوال، عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيَّام، ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها. وزاد ابن حزم، عن عمر رضي الله عنه أربعة أيَّام. وجزم ابن حزم وابن الجوزي بأنَّ هذه الزِّيادة غلط.
قال ابن حزم والذي يظهر أنَّ سلمة أخطأ فيها، ثمَّ تبيَّن واستذكر واستمرَّ على عامٍ واحدٍ. وقال ابنُ الجوزي ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عرف أن تعريفَها لم يكن على الوجه الذي ينبغي، فأمر ثانيًا بإعادة التَّعريف كما قال للمسيءِ صلاته (( ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصلِّ ) )انتهى.
ولا يخفى بُعْد هذا على مثل أُبيٍّ مع كونه من فقهاء الصَّحابة وفضلائهم رضي الله عنهم، وجمع بعضهم بين حديث أبيٍّ هذا، وحديث زيد بن خالد الآتي في الباب الذي يليه [خ¦2427] ، فإنَّه لم يختلف عليه في الاقتصار على سنة واحدةٍ، فقال يحملُ حديث أبيٍّ رضي الله عنه على مزيد التورُّع عن التَّصرف في اللُّقطة، والمبالغة في التعفُّف عنها.
وحديث زيد رضي الله عنه على ما لا بدَّ منه، أو لاحتياج الأعرابي واستغناء أبيٍّ رضي الله عنه، والله أعلم.
والذي يظهر لي أنَّ التردد الذي في آخر الحديث؛ أعني قوله فقال لا أدري ثلاثة أحوال، أو حولًا واحدًا، يوجب سقوط المشكوك وهو الثَّلاثة.
وقال صاحب «الهداية» إن كانت أقل من عشرة دراهم يعرِّفها أربعة، وإن كانت عشرة فصاعدًا يعرِّفها حولًا، وهذه رواية أبي حنيفة، وقدَّر محمَّد الحول من غير تفصيلٍ بين القليل والكثير، وهو ظاهرُ المذهب، والمذهبُ الفرق، فالكثير يعرَّف سنة، والقليل يعرَّف مدَّة يغلب على الظَّن قلَّة أسف صاحبه عليه.
وممَّن رُوِي عنه تعريف سنة علي وابن عبَّاس وسعيد بن المسيَّب والشَّعبي، وإليه ذهب مالك والكوفيُّون والشَّافعي وأحمد، ونقل الخطَّابي إجماع العلماء فيه.
وقال ابن الجوزي ابتداء الحول من يوم التَّعريف لا من الأخذ.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (احْفَظْ وِعَاءَهَا) بكسر الواو وقد تضم وبالمدِّ، وقرأ الحسن بالضم في قوله تعالى {وِعَاءِ أَخِيهِ} [يوسف 76] . وقرأ سعيدُ بن جُبير {إعاء أخيه} ، بقلب الواو همزة مكسورة، والوعاء ما يجعل فيه الشَّيء سواء كان
ج 11 ص 285
من جلدٍ، أو من خرقٍ، أو من خشبٍ، أو غير ذلك، ويُقال الوعاء هو الذي تكون فيه النَّفقة، وقال أبو القاسم هو الخرقة.
(وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا) بكسر الواو وبالمد، هو الخيطُ الذي يشدُّ به رأس الكيس أو الصرَّة أو غيرهما، يقال أوكيته إيكاء، فهو موكًى، بلا همز. وجاء في حديث زيد بن خالد العفاص أيضًا، كما سيجيء إن شاء الله تعالى [خ¦2427] .
(فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا) جزاؤه محذوف، نحو فاردد إليه، وفي رواية أحمد والتِّرمذي والنَّسائي من طريق الثَّوري وأبو داود من طريق حمَّاد كلهم عن سلمة بن كهيل في هذا الحديث (( فإن جاء أحدٌ يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إيَّاه ) ). ويروى (( فأدِّها إليه ) ).
واختلفوا في أنَّه إذا جاء صاحبها فعرف علامتها هل تردُّ إليه أو يكلَّف إقامة البيِّنة، فقال مالك وأحمد بالردِّ لهذا الحديث. وقال أبو حنيفة والشَّافعي لا يأخذ إلَّا بالبيِّنة لقوله صلى الله عليه وسلم (( البيِّنة على المدَّعي ) )، وسيجيء تفصيله.
(وَإِلاَّ) أي وإن لم يجيء صاحبها؛ أي عن قريب (فَاسْتَمْتِعْ بِهَا، فَاسْتَمْتَعْتُ) استدلَّ به قوم، وكذا بقوله «فشأنك بها» في حديث سويد الذي مضى على أنَّ بعد السَّنة يِملك الملتقط اللُّقطة، وهذا خرق لإجماع أئمَّة الفتوى في أنَّه يردُّها بعد الحول أيضًا إذا جاء صاحبها؛ لأنها وديعة عنده، ولقوله صلى الله عليه وسلم (( فأدِّها إليه ) ).
(فَلَقِيتُهُ) أي قال سويد فلقيت أبيِّ بن كعب رضي الله عنه (بَعْدُ) بالضم؛ أي بعد ذلك (بِمَكَّةَ فَقَالَ لَا أَدْرِي ثَلاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا) هكذا قال الكرماني تبعًا لابن بطَّال أعني أن الشَّاك هو أُبيُّ بنُ كعب، والسَّائل هو سويد بن غفلة، ولكن قال الحافظ العسقلاني وتبعه العيني أنَّ القائل «فلقيته» هو شعبة، والذي قال لا أدري هو شيخه سلمة بن كُهيل. وقد بيَّنه مسلم من رواية بَهْز بن أسد عن شعبة قال قال شعبة فسمعته بعد عشر سنين يقول عرِّفها عامًا واحدًا.
وكذلك صرَّح بذلك أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» فقال في آخر الحديث قال شعبة فلقيتُ سلمة بعد ذلك فقال لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا، فهذا يدلُّ على أنَّ الشَّك من سلمة لمَّا استثبته فيه شعبة، وقد رواه غير شعبة عن سلمة بن كُهيل وجماعة بغير شكٍّ، والله أعلم.
وفي الحديث التَّعريفُ ثلاثة أحوال، ولكن الشَّك كما ذكرنا يوجب سقوط المشكوك فيه وهو الثَّلاثة، وقد مرَّ الكلام فيه آنفًا. وفيه الأمر بحفظ ثلاثة أشياء وهي الوعاءُ، والعددُ، والوكاءُ، وإنَّما أمر بحفظ هذه الأشياء لوجوه
منها أنَّ العادة جارية بإلقاء الوعاء
ج 11 ص 286
والوكاء إذا فرغ من النَّفقة، فأمره بمعرفتهِ وحفظه لذلك. ومنها أنَّه إذا أمره بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى. ومنها أن يتميَّز عن ماله فلا يختلط به. ومنها أنَّ صاحبها إذا جاء بغتة فربَّما غلب على ظنِّه صدقه، فيجوز له الدَّفع إليه.
ومنها أنَّه إذا حفظ ذلك وعرفه أمكنه التَّعريف لها والإشهاد عليه، وأمره صلى الله عليه وسلم بحفظ هذه الأوصاف الثَّلاثة، هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف يدفع إليهم من غير بيِّنة. وقال ابن القاسم لا بدَّ من ذكر جميعها، ولم يعتبر أَصْبغُ العددَ، وقول ابن القاسم أوضح.
فإذا أتى بجميع الأوصاف هل يُحلَّف مع ذلك أو لا؟ قولان النفي لابن القاسم، وتحليفه لأشهب، ولا يلزمه بيِّنة عند مالك وأصحابه وأحمد وداود، وهو قول البخاري وبوَّب عليه بالباب المذكور، وبه قال اللَّيث بن سعد أيضًا.
وقال أبو حنيفة والشَّافعي وأصحابهما لا يجب الدَّفع إلا بالبيَّنة، وتأوَّلوا الحديث على جواز الدَّفع بالوصف إذا صدَّقه على ذلك ولم يطلب البيِّنة؛ يعني ولا يجبر على ذلك إلَّا بالبيِّنة؛ لأنَّه قد يصيب الصِّفة. واستدلَّ الشَّافعي على ذلك بقوله في الحديث الآخر (( البيِّنة على المدَّعي ) )وهذا مدَّعٍ.
وقال الشَّافعي ولو وصفها عشرة أنفس لا يجوز أن يقسمَ بينهم، ونحن نعلم أنَّهم كاذبون إلَّا واحدًا منهم غير معيَّن، فيجوز أن يكون صادقًا، ويجوز أن يكون كاذبًا، وأنَّهم عرفوا الوصف من الملتقط، ومن الذي ضاعت منه.
وقال الشَّيخ زين الدِّين هذا معنى كلامه، وظاهر الحديث يدلُّ لما قال مالك واللَّيث وأحمد، والله أعلم.
ولو أخبر طالب اللُّقطة بصفاتها المذكورة فصدَّقه الملتقط ودفعها إليه، ثمَّ جاء طالبٌ آخر لها وأقام البيِّنة على أنَّها ملكه، فقد اتَّفقوا على أنها تنتزعُ ممَّن أخذها أوَّلًا بالوصف، وتُدفع إلى الثَّاني؛ لأنَّ البيِّنة أقوى من الوصف، فإن كان قد أتلفها ضمنَها، واختلفوا هل لمقيم البيِّنة أن يضمنَ الملتقط؟
فقال الشَّافعي له تضمينه؛ لأنه دفعه إلى غير مالكه. وقالت المالكيَّة لا يضمن؛ لأنه فعل ما أمره به الشَّارع. وقال ابن القاسم يقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادَّعيا شيئًا وأقاما بيِّنة.
وقال أصحابنا الحنفيَّة وإن دفعها بذكر العلامة، ثمَّ جاء آخر وأقام البيِّنة بأنَّها له، فإن كانت قائمة أخذها منه، وإن كانت هالكة يضمِّن أيُّهما شاء، ويرجع الملتقط على الآخذ إن ضمنَ، ولا يرجع الآخذ على أحدٍ. وللملتقطِ أن يأخذ
ج 11 ص 287
منه كفيلًا عند الدَّفع، وإن كان دفعها إليه بقضاءٍ ضمن القابضُ ولا يضمنُ الملتقط؛ لأنه مقهور.
وإن أقام الحاضر بيِّنة أنها له فقضى بالدَّفع إليه، ثمَّ حضر آخر وأقام بيِّنة أنها له لم يضمنْ.
وفيه الاستمتاع باللُّقطة إذا لم يجيء بصاحبها، واحتجَّ بظاهره جماعة، وقالوا يجوز للغني والفقير إذا عرفها حولًا أن يستمتع بها، وقد أخذها عليُّ بن أبي طالب، وهو يجوز له أخذ النفل دون الفرض؟ وأُبيُّ بن كعب وهو من مياسير الصَّحابة رضي الله عنهم، وقال أبو حنيفة إن كان غنيًّا لم يجز له الانتفاع بها، ويجوز إن كان فقيرًا، ولا يتصدَّق بها على غني، ويتصدَّق بها على فقير أجنبيًّا كان أو قريبًا منه، وكذا له أن يتصدَّق به على أبويه وزوجته وولده إذا كانوا فقراء.
فإن قيل ظاهر الحديث حجَّة عليكم، لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال لأبيٍّ رضي الله عنه (( فاستمتع بها، قال فاستمتعتُ ) ).
فالجواب أنَّ هذا حكاية حال، فلا تعمُّ. ويجوز أنَّه صلى الله عليه وسلم عرف فقره، أو كانت عليه ديون، ولئن سلَّمنا أنَّه كان غنيًّا، فذلك جائز عندنا من الإمام؛ لأنه مال ضائع، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم عرف أنه مال حربي كافر.
هذا ثمَّ إن اللُّقطة لو ضاعت قبل الحول فهل يضمن أو لا؟ قال أبو حنيفة ومحمَّد بن الحسن إن كان حين أخذها أشهد عليه أنه أخذها ليردَّها لم يضمن، وإلَّا ضمن لحديث عياض بن حمار، كما سيأتي [1] . وعن أبي يوسف لا يشترط الإشهاد كما لو أخذها بإذن المالك، وبه قال الشَّافعي ومالك وأحمد، وإن لم يشهد عليه عند الالتقاط، وادَّعى أنَّه أخذها ليردَّها، وادَّعى صاحبها أنه أخذها لنفسه، فالقولُ لصاحبها، ويضمنُ الملتقط قيمتها عندهما.
وقال أبو يوسف القول قول الملتقط فلا يضمن، وإذا لم يمكنه الإشهاد بأن لم يجد أحدًا وقت الالتقاط أو خاف من الظَّلمة عليها فلا يضمن بالاتِّفاق.
واختلف في ضياعها بعد الحول من غير تفريط، فالجمهور على عدم الضَّمان، ثمَّ عند الشَّافعية لا يحتاج في إنفاقها على نفسه إلى اختيار التَّملك، بل إذا انقضت السنَّة دخلت في ملكه، يدلُّ عليه ما في رواية النَّسائي
«فإن لم يأتِ فهي لك» .
قال الشَّيخ زين الدِّين هذا وجه لأصحاب الشَّافعي، والصَّحيح عندهم أنَّه لا بدَّ من اختيار التملك قبل الإنفاق، وهو الذي صحَّحه النَّووي فقال لا بدَّ من اختيار التملُّك لفظًا. وفيه وجه آخر أنَّه لا يملكها إلا بالتصرُّف بالبيع ونحوه.
ونقل
ج 11 ص 288
ابن التِّين عن جميع فقهاء الأمصار أنَّه ليس له أن يتملَّكها قبل السنة، ونقل عن داود أنَّه يأكلها ثمَّ يضمنها. وفيه دَلالة على إبطال قول من يدَّعي علم الغيب بكهانةٍ أو سحرٍ؛ لأنَّه لو كان يُعلَم شيء من الغيب بذلك لما ذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم لطالب اللُّقطة معرفة الأوصاف التي ذكرها فيه، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة باعتبار ما وقع في بعض طرقه، فكأنَّه أشار إلى ذلك، وهو ما في رواية مسلم قال فإن جاء أحدٌ يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إيَّاه. فإن قيل قال داود هذه زيادة زادها حمَّاد بن سلمة وهي غيرُ محفوظة.
فالجواب أنَّها محفوظةٌ صحيحةٌ، فإنَّ سفيان وزيد بن أبي أُنِيسة وافقا حمَّاد بن سلمة في هذه الزِّيادة في رواية مسلم. وكذلك سفيان في رواية التِّرمذي ففيها (( احصِ عدَّتها ووعاءَها ووكاءَها، فإن جاء صاحبها فأخبرك بعدَّتها ووعائها ووكائها فادفعها إليه، وإلَّا فاستمتع بها ) ).
والحديث أخرجه مسلم في «اللُّقطة» أيضًا، وكذا أبو داود فيه، والتِّرمذي في «الأحكام» ، والنَّسائي في «اللُّقطة» ، وابن ماجه في «الأحكام» .
ولما روى التِّرمذي هذا الحديث قال وفي الباب عن عبد الله بن عَمرو، والجارود بن المعلَّى، وعياض بن حمار، وجرير بن عبد الله.
وقال العيني وفي الباب أيضًا عن عمر بن الخطَّاب وأبي سعيد الخدريِّ وسهل بن سعد وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن الشِّخِّير ويَعلى بن مرَّة وسويد بن عقبة وزيد بن خالد وعائشة ورجل من الصَّحابة والمقداد رضي الله عنهم.
فأمَّا حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما فأخرجه أبو داود من رواية ابن عجلان عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه عبد الله بن عَمرو بن العاص، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه سُئل عن التَّمر المعلَّق ... الحديث، وفيه سئل عن اللُّقطة، فقال ما كان فيها في طريق المِيتَاء والقرية الجامعة فعرِّفها سنة، فإن جاءَ طالبها فادفعها إليه، فإن لم يأتِ فهي لك، وما كان في الخراب ففيها وفي الرِّكاز الخُمُس، ورواه النَّسائي أيضًا.
والمِيتاء _ بكسر الميم _ الطَّريق المسلوك على وزن مِفْعال، من الإتيان، والميم زائدة وبابه الهمزة.
وأمَّا حديث الجارود بن المعلَّى فأخرجه النَّسائي عنه قال أتينا النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 11 ص 289
ونحن على إبل عجافٍ، فقلنا إنَّا نمرُّ بموضعٍ قد سمَّاه، فنجد إبلًا فنركبها، قال (( ضالَّة المسلم حرق النَّار ) ). وله حديثٌ آخر رواه أحمدُ وفيه (( إن وجدتَ ربَّها فادفعها إليه، وإلَّا فمال الله يؤتيه من يشاء ) ).
وأمَّا حديث عياض بن حمار فأخرجه أبو داود والنَّسائي وابن ماجه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من وجد لُقَطة فليشهدْ ذوي عدلٍ ولا يكتُم ولا يُغيِّب، فإن وجدَ صاحبَها فليردَّها عليه، وإلَّا فهو مالٌ أوتيه ) ).
وأمَّا حديث جرير بن عبد الله فرواه أبو داود عنه ولفظه (( لا يؤوي الضالَّة إلَّا ضالٌّ ) )، ورواه النَّسائي وابن ماجه أيضًا.
وأمَّا حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه فرواه أبو داود عنه ولفظه (( عرِّفها سنة ) ).
وأمَّا حديث سهل بن سعدٍ رضي الله عنهما فرواه أبو داود أيضًا مطوَّلًا، ينظر في موضعه.
وأمَّا حديث أبي هريرة رضي الله عنه فرواه الطَّبراني عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا تحلُّ اللُّقطة، مَنْ التقطَ شيئًا فليعرِّفه، فإن جاء صاحبها فليردَّها إليه، فإن لم يأتِ فليتصدَّق بها ) )، ولأبي هريرة رضي الله عنه حديثٌ آخر رواه البزَّار.
وأمَّا حديث جابرٍ رضي الله عنه فرواه أبو داود عنه قال رخَّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهها، يلتقطه الرَّجل ينتفع به.
وأمَّا حديث عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه فرواه ابن ماجه عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ضالَّة المسلم حرق النَّار ) ).
وأمَّا حديث يَعلى بن مرَّة رضي الله عنه فرواه أحمد في «مسنده» عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من التقط لقطةً يسيرةً درهمًا أو حبلًا أو شبه ذلك فليعرِّفه ثلاثة أيَّام، وإن كان فوق ذلك فليعرِّفه ستَّة أيام ) ).
وأمَّا حديث سويد رضي الله عنه فرواه ابن قانع في «معجمه» عنه قال سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللُّقطة فقال (( عرِّفها سنة، فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه، وإلَّا فأوثق صرارها ووكاءها، فإن جاء صاحبها فأدِّها إليه، وإلَّا فشأنك بها ) ). وسمَّاه ابن قانع سويد بن عقبة الجهني.
وقال ابن عبد البرِّ في «الاستيعاب» سويد أبو عقبة الأنصاري، وقال حديثه في اللُّقطة صحيح.
وأمَّا حديث زيد بن خالد فرواه الأئمَّة الستَّة على ما يجيء إن شاء الله تعالى [خ¦2427] .
وأمَّا حديث عائشة رضي الله عنها فرواه
ج 11 ص 290
سعيد بن منصور عنها أنَّها كانت تُرَخِّص للمسافر أن يلتقط السوط والعصا والإداوة والنَّعلين والمزود، والظَّاهر أنَّه محمولٌ على السَّماع. وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها مثله.
وأمَّا الحديث عن رجلٍ من الصَّحابة فرواه النَّسائي عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه سئل عن الضالَّة فقال (( اعرف عفاصها ووكاءها، ثمَّ عرِّفها ثلاثة أيَّام على باب المسجد، فإن جاء صاحبها وإلَّا فشأنك بها ) ).
وأمَّا حديث المقداد رضي الله عنه فرواه ابن ماجه عنه أنَّه دخل خربة فخرج جِرْذ ومعه دينار، ثمَّ آخر حتَّى أخرج سبعة عشر دينارًا، فأخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم خبرها، فقال (( لا صدقةَ فيها بارك الله لك فيها ) ).
[1] آخر شرح هذا الباب.