فهرس الكتاب

الصفحة 3834 من 11127

2449 - (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) قال (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمد بن عبد الرَّحمن قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيْهِ) اللام في قوله (( له ) )بمعنى على؛ أي من كانت عليه مظلمةٌ لأخيه، وسيأتي في «الرِّقاق» [خ¦6534] من رواية مالكٍ عن المقبُري بلفظ (( من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه ) )، وللتِّرمذي من طريق زيد بن أبي أُنيسة (( رحمَ الله عبدًا كانت لأخيه عنده مظلمة ) ).

(مِنْ عِرْضِهِ) بكسر العين، وعرض الرَّجل موضع المدح والذَّم منه، سواءٌ كان في نفسه

ج 11 ص 342

أو في سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل جانبه الذي يصونُه من نفسه وحسبهِ، ويُحامي عنه أن يُنتقصَ أو يُسلبَ، وقال ابنُ قتيبة عرض الرَّجل نفسه وبدنه لا غير.

(أَوْ شَيْءٍ) من الأشياء، وهو من عطفِ العام على الخاصِّ، فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات، حتَّى اللَّطمة ونحوها، وفي رواية التِّرمذي (( من عرض أو مالٍ ) ).

(فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ) قال الخطَّابي معناه يستوهبه ويقطع دعواه عنه؛ لأنَّ ما حرَّم الله تعالى لا يمكن تحليله، وجاء رجلٌ إلى ابن سيرين فقال اجعلني في حلٍّ فقد اغتبتك، فقال إنِّي لا أحلُّ ما حرَّم الله تعالى، ولكن ما كان من قِبَلنا فأنت في حلٍّ، ويُقال معنى فليتحلَّله يسأله؛ أي يجعله في حلٍّ، يُقال تحلَّلته واستحللته، وقوله «اليوم» ؛ أي في الدُّنيا.

(قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ) أي يوم القيامة، وثبتَ ذلك في رواية علي بن الجعد عن ابن أبي ذئبٍ عند الإسماعيليِّ.

(إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ) أي صاحب المظلمة (فَحُمِلَ عَلَيْهِ) أي على الظَّالم، وفي رواية مالك (( فطرحتْ عليه ) )، وهذا الحديث قد أخرج مسلم معناه من وجهٍ آخر، وهو أوضحُ سياقًا من هذا، ولفظه (( المفلس من أمَّتي مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا وسفك دم هذا، وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يقضيَ ما عليه أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه، وطُرِح في النَّار ) ).

ومعنى أَخْذِ الحسنات والسَّيئات أن يجعلَ ثواب الحسنات لصاحب المظلمة، وعقوبةَ السَّيئات على الظَّالم، ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام 165] لأنَّه إنَّما يعاقب بسبب فعله وظلمه، ولم يعاقبْ بغير جنايةٍ منه؛ لأنَّه لمَّا توجَّهت عليه حقوق لغرمائه دُفِعت إليهم من حسناته، ولمَّا لم يبقَ منها بقيةٌ قُوبل على حسب ما اقتضاه عدلُ الله تعالى في عباده، فأُخِذ من سيِّئاته فعُوقب بها، والله تعالى أعلم.

ثمَّ إنَّه قد قام الإجماع على أنَّه إذا بيَّن مظلمته عليه فأبرأه فهو نافذٌ، واختلفوا فيما إذا كان بينهما ملابسةٌ أو معاملةٌ، ثمَّ حلَّل بعضهما بعضًا من كلِّ ما جرى

ج 11 ص 343

بينهما من ذلك، فقال قومٌ إنَّ ذلك براءةٌ له في الدُّنيا والآخرة، وإن لم يبيِّن مقداره.

وقال آخرون إنَّما تصحُّ البراءة إذا بيَّن له وعَرَّفه عنده، أو قارب ذلك بما لا مشاحة في ذكره، وهذا الحديث حجَّة لهذا؛ لأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( أخذ منه بقدر مظلمته ) )يدلُّ على أنَّه يجب أن يكون معلوم القدر مشارًا إليه، وكان ابن المسيَّب لا يُحلِّل أحدًا، وكان ابنُ يسار يحلِّل من العرض والمال.

وقال مالكٌ أمَّا من المال فنعم، وأمَّا من العرض {فإنَّما السَّبيل على الذين يظلمون النَّاس} [الشورى 24] ، وقال الدَّاودي أحسب مالكًا أراد إن أصابَ من عرض رجلٍ لم يجز لوارثه أن يُحلِّله.

وقال ابن التِّين وأراه خلافًا لقول مالك؛ لأنَّه قال إن مات ولا وفاء عنده فالأفضل أن يحلِّله، وأمَّا من ظلم واغتاب فلا وذَكَرَ الآية، وكان بعضهم يحلِّل من عرضه ويتأوَّل الحسنة بعشر أمثالها، وكان القاسم يحلِّل من ظلمه.

وقال الخطَّابي إذا اغتاب رجلٌ رجلًا فإن كان بلغ القول منه ذلك فلا بدَّ أن يستحلَّه، وإن لم يبلغْه استغفر الله ولا يُخبره.

وأمَّا التَّحلل في المال فإنَّما يصحُّ ذلك في أمرٍ معلومٍ، وقال بعضُ أهل العلم إنَّما يصحُّ ذلك في المنافع التي هي أعراضٌ، مثل أن يكون قد غصبه دارًا فسكنها أو دابَّة فركبها أو ثوبًا فلبسه، أو يكون أعيانًا فتلفت، فإذا تحلَّل منها صحَّ التَّحلل، فإن كانت الدَّار قائمة والدَّراهم في يده حاصلةٌ لم يصحَّ التَّحلل منها إلَّا أن يهبَ أعيانها منه، فتكون هبةً مستأنفةً.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه (قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) وهو من شيوخ البخاريِّ، واسم أبي أويس عبد الله الأصبحيُّ المدني ابن أخت مالك بن أنسٍ (إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَقْبُرِيَّ) أي إنَّما سمِّي سعيد بن أبي سعيد مقبُريًّا (لأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ الْمَقَابِرِ) بالمدينة النَّبوية، وقوله إلى آخره إنَّما ثبت في رواية الكُشميهني وحده.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ) كان مكاتبًا لامرأة

ج 11 ص 344

من أهل المدينة من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكيسان روى عن عمر بن الخطَّاب وعلي بن أبي طالبٍ وأبي هريرة وأبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنهم، وروى عنه ابنه سعيد وآخرون، وقال محمَّد بن عمر كان ثقةً كثير الحديث، توفي سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز.

وقال الحربيُّ جعله عمر رضي الله عنه على حفر البئر فسمِّي المقبُري، وأمَّا ابنه سعيد فروى عن أبي هريرة وأنس بن مالكٍ وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وأبي سعيد الخدريِّ وعائشة وأمِّ سلمة وآخرين رضي الله عنهم.

وقال عليُّ بن المديني ومحمَّد بن سعد وأبو زرعة والنَّسائي وآخرون ثقة، وكذا قال ابن خراش وزاد جليلٌ أثبت النَّاس فيه اللَّيث. وقال محمَّد بن سعد مات سنة ثلاث وعشرين ومائة بالمدينة، روى له الجماعة وآخرون.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من حيث المعنى فإنَّه أعمُّ من أن يكون يبيِّن قدر ما يُتحلَّل به، أو لا يُبيِّن.

وهذا يقوِّي قول من قال بصحَّة الإبراء المجهول، والحديث من أفراد البخاريِّ رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت