فهرس الكتاب

الصفحة 3836 من 11127

2450 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هو ابنُ مقاتل، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِيْ هَذِهِ الآيَةِ) أشار به إلى قوله تعالى ( {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء 128] قَالَتِ) أي عائشة رضي الله عنهما (الرَّجُلُ) مبتدأ (عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا) أي ليس بطالبٍ كثرة الصُّحبة منها، إمَّا لكبرها أو لدمامتها أو لسوء خلقها أو لكثرة شرِّها أو غير ذلك، وقوله (يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا) خبر المبتدأ (فَتَقُولُ) أي تلك المرأة (أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ) من موجب الزَّوجية وحقوقها.

(فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ) أي في أمر هذه

ج 11 ص 345

المرأة، والآية في سورة النِّساء، قوله عزَّ وجلَّ {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ} ؛ أي وإن خافت امرأةٌ، فـ «امرأةٌ» فاعل فعل يفسِّره الظَّاهر، والمعنى توقَّعت امرأة.

{مِنْ بَعْلِهَا} ؛ أي من زوجها لما أظهر لها من المخائل {نُشُوزًا} ؛ أي تجافيًا عنها وترفعًا عن صحبتها، كراهةً لها ومنعًا لحقوقها، بأن يُسيء عشرتها ويمنعها النَّفقة مثلًا {أَوْ إِعْرَاضًا} بأن يقلَّ مجالستها ومحادثتها كارهًا إيَّاها ومريدًا مفارقتها {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} أي أن يتصالحا بأن تحطَّ له بعض المهر أو القَسْم، أو تهب له شيئًا تستميله به؛ أي فلا جناح عليه أن يقبلَ منها ما تُسقِطه من حقِّها من نفقةٍ أو كسوةٍ أو مبيت عندها أو غير ذلك من حقوقها عليه، وممَّا تهب له ولا عليها في بذلها له ذلك، وقرأ الكوفيون {أَنْ يُصْلِحَا} من أصلح بين المتنازعين، وعلى هذا جاز أن ينتصب «صلحًا» على المفعول به، و «بينهما» ظرف أو حال منه أو على المصدر، كما في القراءة الأولى والمفعول «بينهما» أو هو محذوفٌ، وقرئ في الشَّواذ من اصَّلح بمعنى اصطلح.

{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} من الفرقة وسوء العشرة، أو من الخصومة، ويجوز أن لا يُرادَ به التَّفضيل بل بيان أنَّه من الخيور، كما أنَّ الخصومة من الشُّرور وهو اعتراضٌ، وقد رُوِي أنَّه لمَّا كبرت سودة بنت زمعة رضي الله عنها وعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراقها صالحته على أن يمسكَها وتترك يومها لعائشةَ رضي الله عنها فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وأبقاها على ذلك.

فقال أبو داود الطَّيالسي حدَّثنا سليمان بن معاذ، عن سِمَاك بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنها قال خشيتْ سودة أن يطلِّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله! لا تطلِّقني، واجعل يومي لعائشة رضي الله عنها ففعل، فنزلت هذه الآية {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} الآية.

قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ. ورواه التِّرمذي عن محمَّد بن المثنى عن أبي داود الطَّيالسي،

ج 11 ص 346

وقال حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.

وقال سعيد بن منصور أنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما أنزل في سودة وأشباهها {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} الآية، وذلك أنَّ سودة كانت امرأة قد أسنَّت ففَرِقَتْ أن يفارقَها رسول الله صلى الله عليه وسلم وضنَّت بمكانها منه، وعرفت من حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة ومنزلتهَا منه، فوهبتْ يومها من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لعائشةَ رضي الله عنها فقبلَ النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

وقال أبو العبَّاس محمَّد بن عبد الرَّحمن الدَّغُولي في أوَّل «معجمه» حدَّثنا محمَّد بن يحيى ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا الدُّستوائي ثنا القاسم بن أبي بزَّة قال بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى سودة بنت زَمَعة بطلاقها، فلمَّا أن أتاها جلست له على طريق عائشة رضي الله عنها فلمَّا رأته، قالت له أنشدك بالَّذي أنزل عليك كتابه، واصطفاكَ على خلقهِ، لما راجعتني فإنِّي قد كبرتُ ولا حاجة لي في الرِّجال، أبعثُ مع نسائك يوم القيامة فراجعها، قالت قد جعلتُ يومي وليلتي لحِبَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير هذا غريبٌ مرسل.

وقال ابن جرير ثنا ابن حميد وابن وكيع قالا ثنا جرير عن شعبة عن ابن سيرين قال جاء رجلٌ إلى عمر رضي الله عنه فسأله عن آيةٍ، فكَرِهَ ذلك وضربه بالدُّرة، فسأله آخر عن هذه الآية {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} فقال عن مثل هذا فسلوا، ثمَّ قال هذه المرأة تكون عند الرَّجل قد خلا من سنِّها فتزوَّج المرأة الشَّابة يلتمسُ ولدها فما اصطلحا عليه من شيءٍ فهو جائزٌ.

وقال ابنُ أبي حاتم نا علي بن الحسن نا مسدَّد ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حربٍ، عن خالد بن عرعرة قال جاء رجلٌ إلى عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه فسأله عن قول الله تعالى {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} قال عليٌّ رضي الله عنه يكون الرَّجل عند المرأة فتنبوا عيناه عنها من دَمامتها أو كبرها أو سوء خلقها أو قذرها، فتكره فراقَه فإن وَضَعَتْ له من مهرها شيئًا

ج 11 ص 347

حلَّ له، وإن جعلت له من أيَّامها فلا حرج. وكذا رواه أبو داود الطَّيالسي عن شعبة وحماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جريرٍ من طريق إسرائيل عن سِمَاك.

وكذا فسَّره ابن عباس رضي الله عنهما وعَبيدة السَّلماني ومجاهد والشَّعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطيَّة العوفيُّ ومكحول والحكم بن عُتيبة والحسن وقتادة وغير واحدٍ من السَّلف والأئمَّة، ولا خلاف فيما يعلم أنَّ المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم.

وذكر أبو عبد الله محمَّد بن علي بن خضر بن عسكر في كتابه «ذيل التعريف والأعلام» أنَّها نزلت بسبب أبي السَّنابل بن بعكك وامرأته، وفي «تفسير مقاتل» نزلت في خويلة بنت محمَّد بن مسلمه حين أراد زوجها رافع بن خديج طلاقها.

وفي كتاب عبد الرَّزاق خولة، وفي «غرر التَّبيان» زوجها سعد بن الرَّبيع. وفي «تفسير الثَّعلبي» هي عمرة بنت محمد بن مسلمه.

وفي الحديث جواز هبة بعض الضرَّات يومها لبعضهنَّ.

وقال المنذريُّ لا يكون ذلك إلَّا برضا الزَّوج والتَّسوية بينهنَّ كانت غير واجبةٍ عليه صلى الله عليه وسلم، وإنَّما كان يفعله تفضُّلًا منه.

وعن الدَّاودي إذا رضيت بترك القَسْم والإنفاق عليها، ثمَّ سألته العدل فلها ذلك، وقال أصحابنا الحنفيَّة ولواحدة منهنَّ أن ترجعَ إن وهبتْ قسمها للأُخرى؛ لأنَّها أسقطت حقًّا لم يجب بعد فلا يسقط، كالمُعير يرجع في العارية متى شاء.

قال الدَّاودي ليست التَّرجمة مطابقة للحديث، وقال الكرمانيُّ فإن قلت كيف دلَّ _ يعني الحديث _ على التَّرجمة؟

قلت الخلع عقدٌ لازمٌ لا رجوع فيه، وكذا لو كان التَّحليل بطريق الصُّلح أو الهبة أو الإبراء، وردَّ عليه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه وهمٌ، ومورد الحديث والآية إنَّما هو في حقِّ من يسقط حقَّها من القسمة، وليس من الخلع في شيءٍ، انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بقوله نعم قوله الخلع عقدٌ لازمٌ لا رجوع فيه، ليس بشيءٍ؛ لأنَّه ليس في التَّرجمة ولا في الحديث شيءٌ يدلُّ على الخلع، ولكن قوله وكذا ... إلى آخره، له وجهٌ؛ لأنَّ التَّرجمة في تحليل من ظلمه ولا رجوع فيه، والحديث أيضًا فيه التَّحليل على ما لا يخفى ولكن يعكِّر عليه شيءٌ، وذلك لأنَّ التَّحليل إسقاط الحقِّ من المظلمة الفائتة، ومضمون الآية إسقاط

ج 11 ص 348

الحقِّ المستقبل حتَّى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسقوطه.

ولكن وجهه ابن المُنيِّر بأنَّ البخاريَّ تأنَّق وتلطَّف في الاستدلال، فكأنَّه قال إذا نفذ الإسقاط في الحقِّ المتوقع فنفوذه في الحقِّ المتحقَّق أولى وأجدر، والله أعلم.

والحديث أخرجه البخاريُّ في «التفسير» أيضًا [خ¦4601] عن محمَّد عن عبد الله، ولكنَّه في التفسير نسبهما، وهاهنا لم ينسبهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت