224 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس (قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج، وقد سبق ذكرهما في باب [المسلم] من سلم المسلمون من يده [خ¦10] (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران، وقد تقدم في باب ظلم دون ظلم [خ¦32] (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) هو شقيق الكوفي، وقد سبق في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله [خ¦48] ، ولأبي داود الطيالسي عن شعبة، عن الأعمش أنه سمع أبا وائل، ولأحمد عن يحيى القطان، عن الأعمش حدثني أبو وائل.
(عَنْ حُذَيْفَةَ) هو ابن اليمان رضي الله عنه، وقد مر ذكره في أول كتاب العلم في باب قول المحدث [ذكره تعليقًا] ، ورجال هذا الإسناد ما بين خراساني وكوفي، وقد أخرج متنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه أيضًا في الطهارة.
(قَالَ) أي إنَّه قال (أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سُبَاطَةَ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة على وزن فُعالة هي المزبلة والكُناسة تكون بفناء الدار مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل، وقيل هي الموضع الذي يرمى فيه التراب بالأفنِيَة مرفقًا (قَوْمٍ) من الأنصار، وإضافة السُّباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم، وأضيفت إليهم
ج 2 ص 289
لقربها منهم، ولهذا بال عليه السلام عليها، فاندفع إشكال من قال إن البول يوهي الجدار، ففيه ضرر، فكيف هذا من النبي صلى الله عليه وسلم؟ [1] وقد يقال إنما بال فوق السُّباطة لا في أصل الجدار، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في (( صحيحه ) )، وقيل يحتمل أن يكون عَلِم [2] إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره، أو ذلك لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعِلْمِه صلى الله عليه وسلم بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يَجوز له التصرف في مال أمَّته دون غيره؛ لأنهم أولى المؤمنين من أنفسهم وأموالهم.
وقال الكِرماني وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكرهونه، بل يفرحون به ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه والأكل من طعامه، وقال محمود العيني هذا كله على تقدير أن تكون السُّباطة مِلْكًا لأحد أو لجماعة معينين، هذا، وبعض تلك الأوجه، وإن كان صحيح المعنى، لكنه لم يعهد من سيرته ومكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم.
(فَبَالَ) صلى الله عليه وسلم في الكُنَاسةِ لِدَمثِها حال كونه (قَائِمًا) أما بوله صلى الله عليه وسلم في السُّباطة التي بقرب الدار مع أن من عادته صلى الله عليه وسلم التباعد في المذهب، وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد ) )، والمذهب بالفتح الموضع الذي يتغوط فيه، وأخرجه بقية الأربعة أيضًا فيحتمل أن يكون؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولًا في ذلك الوقت بأمور المسلمين، والنظر في مصالحهم، فلعله طال عليه المجلس فأتى السُّباطة حين لم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وأما بوله قائمًا فلأنَّ من عادة العرب أن تستشفي لوجع الصُلْب بالبول قائمًا فيُرَى أنه كان به إذ ذاك، قاله الشافعي رحمه الله حين سُئِل عن الفائدة في بوله قائمًا، أو لأنه كان بمَآبضِه جرح لم يتمكن من القعود معه.
ويؤيده ما أخرجه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه (( أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائمًا من جُرحٍ كان بمآبضه ) )والمآبض جمع مَأْبِض بسكون الهمزة وكسر الموحدة والضاد المعجمة، وهو باطن الركبة.
وقال القاضي عياض إنما فعله لما حضره البول، حتى لم يمكنه التباعد كعادته، وأقام حذيفة يستره عن الناس.
وقال المازري في (( المُعْلِم ) )إنما فعل ذلك؛ لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر، بخلاف القعود، يعني أنه خشي من البول قاعدًا مع قربه من الناس، خروج صوت منه، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه البول
ج 2 ص 290
قائمًا أحصَنُ للدُّبر، وقيل إنه عليه السلام فعل ذلك بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا. وقال البدري لعله كانت في السُّباطة نجاسات رطبة رخوة، فخشي أن يتطاير عليه من ذلك، وفيه نظر؛ لأن القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد، وقال الطحاوي فعل ذلك؛ لكون ذلك سهلًا ينحدر فيه البول فلا يرتد على البائل، وقيل إنه لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام؛ إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعًا عاليًا.
وقد اختلف العلماء في ذلك فأباحه قوم، قال ابن المنذر ثبت أن عمر وابنه وزيد بن ثابت، وسهل بن سعد رضي الله عنهم بالوا قيامًا، وأباحه سعيد بن المسيب، وعروة، ومحمد بن سيرين، ويزيد بن الأصم، وعبيدة السلماني، والنخعي، والحكم، والشعبي، وأحمد، وآخرون رحمهم الله. وقال مالك إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه.
وقالت [3] عامة العلماء البول قائمًا مكروه إلا لعذر وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وكذلك روي البول قائمًا عن أنس وعلي وأبي هريرة رضي الله عنهم، وكرهه أبو مسعود وإبراهيم بن سعيد، وكان إبراهيم لا يُجيز شهادة من بال قائمًا. وقال ابن المنذر البول جالسًا أحب إليَّ، وقائمًا مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
أما البول قائمًا فبحديث الباب، وأما البول قاعدًا فبحديث المقداد عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت «من حدَّثَك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائمًا فلا تُصدِّقه أَنَا رأيته يبول قاعدًا» رواه الترمذي، وقال حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وأخرج أبو عوانة الإسفرائيني بلفظ (( ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن ) )، وكذلك روى البزار بسند صحيح عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ثلاثٌ من الجفاء أن يبول الرجل قائمًا ) )الحديث.
وكذا أخرج البيهقي عن ابن عمر قال قال عمر رضي الله عنه رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبول قائمًا فقال (( يا عمر لا تَبُل قائمًا ) )قال فما بلتُ قائمًا بعد، وكذا أخرج البيهقي عن جابر رضي الله عنه «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائمًا» .
وأما ما قاله أبو عوانة في (( صحيحه ) )وابن شاهين أن حديث حذيفة منسوخ بحديث عائشة رضي الله عنها ففيه أن الصواب أنه لا يقال إنه منسوخ؛ لأن كلًا من عائشة وحذيفة رضي الله عنهما أخبر بما شاهده، فدل على أن البول قائمًا وقاعدًا يجوز، ولكن كرهه العلماء قائمًا لوجود أحاديث النهي، وإن كان
ج 2 ص 291
أكثرها غير ثابت؛ لما قرره محمود العيني.
(ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ) زاد مسلم وغيره من طرق عن الأعمش (( فتنحيت فقال ادنُ، فدنوت حتى قمت عند عَقِبَيه ) )، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان (( أتى سُباطة قوم فتباعدت منه فأدناني حتى صرت قريبًا من عقبيه، فبال قائمًا ودعا بماء فتوضأ ومسح على خُفَّيه ) )، وكذا زاد مسلم وغيره فيه ذكر المسح على الخفين، وهو ثابت أيضًا عن الإسماعيلي وغيره من طرق عن شعبة عن الأعمش، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش أن ذلك كان بالمدينة. أخرجه ابن عبد البر في (( التمهيد ) )بإسناد صحيح. وزعم في (( الاستذكار ) )أن عيسى تفرَّد به وليس كذلك، فقد رواه البيهقي من طريق محمد بن طلحة بن مصرف، عن الأعمش كذلك، وله شاهد من حديث عصمة بن مالك، واستدل به على جواز المسح في الحَضَر، ولعل البخاري اختصره لتفرد الأعمش به، هذا وقد روى ابن ماجه من طريق شعبة أن عاصمًا رواه عن أبي وائل عن المغيرة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سُباطة قوم فبال قائمًا ) )فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما، وقال الترمذي حديث أبي وائل، عن حذيفة أصح يعني من حديثه عن المغيرة رضي الله عنهما، ومن فوائد هذا الحديث جواز البول قائمًا، وقد مر الكلام فيه مستوفى.
ومنها جواز البول بالقرب من الديار، لكن لا يشرط الإيذاء للمسلمين، ومنها أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر، ومنها جواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء، ومنها استحباب خدمة المفضول الفاضل.
[1] في هامش الأصل فإن قلت روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال (( كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دَمِثًا في أصل جدار فبال ) )الحديث فهذا يخالف ما ذكرت فالجواب أنه يجوز أن يكون الجدار عاريًا فغير مملوك لأحد أو يكون قعوده متراخيًا عم جرمه فلا يصيبه البول. منه.
[2] في (خ) (( على ) ).
[3] في (خ) (( وقال ) ).