2463 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز، كذا في «الموطأ» ، وقال خالد بن مخلد عن مالكٍ عن أبي الزِّناد. بدل «ابن شهاب» ، وقال بشر بن عَمرو عن مالكٍ عن الزُّهري عن أبي سلمة. بدل «الأعرج» ، ووافقه هشام بن يوسف عن مالك، ومعمر عن الزُّهري.
ورواه الدَّارقطني في «الغرائب» وقال المحفوظ عن مالكٍ الأول، وقال في «العلل» رواه هشام الدستوائيُّ عن معمر عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب، بدل «الأعرج» ، وكذا قال عُقيل عن الزُّهري.
وقال ابنُ أبي حفصة عن الزُّهري عن حميد بن عبد الرَّحمن بدل «الأعرج» ، والمحفوظ عن الزُّهري عن الأعرج، وبذلك جزمَ ابن عبد البرِّ أيضًا، ثمَّ أشار إلى أنَّه يحتمل أن يكون عند الزُّهري عن الجميع.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ يَمْنَعُ) بالجزم على أنَّ كلمة «لا» ناهية، وفي رواية أبي ذرٍّ بالرفع على أنَّه خبر بمعنى النَّهي، وفي رواية أحمد (( لا يمنعنَّ ) )بزيادة نون التَّأكيد وهي تؤيِّد رواية الجزم.
(جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ) قال الطَّحاوي ولفظ «خشبة» بالنصب والتَّنوين؛ أي خشبة واحدة، ولعلَّهم كانوا يمنعون من الغرز، وفي رواية ابن ماجه (( لا ضررَ ولا ضرارَ، وللرَّجل أن يضعَ خشبةً في حائط جاره ) ).
(ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا) أي عن هذه المقالة أو عن هذه السُّنَّة (مُعْرِضِينَ، وَاللَّهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ) قال ابن عبد البرِّ روِّيناه في «الموطأ» بالتاء المثناة وبالنون؛ يعني بالوجهين على أنَّه جمع كتف بالتاء، أو جمع كنف بالنون، وهو الجانب.
قال الخطَّابي معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنَّها _ أي الخشبة _ على رقابكم كارهين، قال وأراد بذلك المبالغة، وبذلك التَّأويل جزم إمام الحرمين تبعًا لغيره.
وفي رواية أبي داود عن ابن عُيينة عن الزُّهري عن الأعرج عن أبي هريرة
ج 11 ص 371
رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا استأذن أحدُكم أخاه أن يغرزَ خشبةً في جداره فلا يمنعه ) )فَنكَسوا رؤوسهم، فقال أبو هريرة رضي الله عنه (( ما لي أراكُم قد أعرضتُم لألقينَّها بين أكتافكم ) ).
وفي رواية أحمد فلمَّا حدَّثهم أبو هريرة رضي الله عنه بذلك طأطأوا رؤوسهم ... الحديث، والمعنى لأشيعنَّ هذه المقالة فيكم ولأقرعنَّكم بها، كما يضرب الإنسان بالشَّيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته، ويؤيِّد هذا المعنى ما وقع عند ابن عبد البرِّ من وجهٍ آخر لأرمينَّ بها بين أعينكم وإن كرهتُم.
واستدلَّ المهلَّب من المالكيَّة بقول أبي هريرة رضي الله عنه ما لي أراكم عنها معرضين. على أنَّ العمل في ذلك العصر كان على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة رضي الله عنه قال لأنَّه لو كان على الوجوب لما جهل الصَّحابة تأويله ولا أعرضوا عن أبي هريرة حين حدَّثهم به، فلولا أنَّ الحكم قد تقرَّر عندهم بخلافه لما جاز عليهم جهل هذه الفريضة، فدلَّ على أنَّهم حملوا الأمر في ذلك على الاستحباب، انتهى.
وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بقوله وما أدري من أين له أنَّ المُعرِضين كانوا أصحابه صلى الله عليه وسلم، وأنَّهم كانوا عددًا لا يَجهل مثلهم هذا الحكم، ولم لا يجوز أن يكون الذين خالفوا أبا هريرة رضي الله عنه كانوا غير فقهاء، وإلَّا فلو كانوا أصحابه أو فقهاء ما واجههم بذلك القول، انتهى.
وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال قومٌ هو محمولٌ على النَّدب إلى برِّ الجار، وليس على الوجوب، وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وروى ابن عبد الحكم عن مالكٍ أنَّه قال ليس يُقضَىَ على رجلٍ أن يغرزَ خشبةً في جدار جاره، وإنَّما نرى أنَّ ذلك كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم على الوصية بالجار.
قال وأكثر علماء السَّلف على أنَّ ذلك على النَّدب، وحملوه على معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها ) ).
وقد مرَّ
ج 11 ص 372
في حديث أبي داود (( إذا استأذن أحدكم أخاه ) )فقيَّد بعضهم الوجوب بالاستئذان، وقال قومٌ هو واجبٌ إذا لم يكن في ذلك مضرَّة على صاحب الجدار، وبه قال الشَّافعي وأحمد وداود وأبو ثور وجماعة من أصحاب الحديث وهو مذهب عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.
وروى الشَّافعي عن مالكٍ بسندٍ صحيحٍ أنَّ الضَّحاك بن خليفة سأل محمد بن مسلمة أن يسوقَ خليجًا له فيمرَّ به في أرض محمَّد بن سلمة فامتنع، فكلَّمه عمر رضي الله عنه في ذلك فأبى، فقال والله ليمُرَّنَّ به ولو على بطنك. فحمل عمر رضي الله عنه الأمر على ظاهره وعدَّاه إلى كلِّ ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وقد قوَّى الشَّافعي في القديم القول بالوجوب بأنَّ عمر رضي الله عنه قضى به ولم يخالفه أحدٌ من أهل عصره، فكان اتِّفاقًا منهم على ذلك، انتهى.
ودعوى الاتِّفاق هنا أولى من دعوى المهلَّب كما مرَّت؛ لأنَّ أكثر أهل عصر عمر رضي الله عنه كانوا صحابةً، وغالب أحكامه منتشرة بطول ولايته، وأبو هريرة رضي الله عنه إنَّما كان يلي إمرة المدينة نيابةً عن مروان في بعض الأحيان، انتهى.
وعن الشَّافعي في الجديد قولان أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يجبر وهو قول أصحابنا، وحملوا الأمر فيما جاء من الحديث على النَّدب والنَّهي على التَّنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدَّالة على تحريم مال المسلم إلَّا برضاه. وهو كقوله صلى الله عليه وسلم (( ما زال جبريل عليه السَّلام يوصيني بالجار حتَّى ظننت أنَّه سيورِّثه ) )، وكقوله صلى الله عليه وسلم (( ما آمن من بات شبعانَ وجاره طاوٍ ) )، قيل إنَّ الهاء في «جداره» يرجع إلى الغارز؛ لأنَّ الجدار إذا كان بين اثنين وكان ملكًا للغارز، فأراد أن يضع عليه الجذوع ويبني ربَّما منعه جاره؛ لئلَّا يشرف عليه، فأخبر الشَّارع أنَّه لا يمنعه ذلك.
وقال ابن التِّين عورض هذا بأنَّه إحداث قول ثالث في معنى الحديث، وذلك ممنوعٌ عند أكثر الأصوليين ولا يُسلَّم. ثمَّ إنَّ محل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار
ج 11 ص 373
ولا يضع عليه ما يتضرَّر به المالك، ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في وضع الجذع إلى نقب الدَّار أو لا؛ لأنَّ رأس الجذع يسدُّ المنفتح ويقوِّي الجدار.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، والحديث أخرجه مسلم في «البيوع» ، وأبو داود في «القضاء» ، والتِّرمذي في «الأحكام» ، وكذا ابن ماجه.