فهرس الكتاب

الصفحة 3860 من 11127

2464 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى) المعروف بصاعقة، وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا عَفَّانُ) هو ابن مسلم الصفَّار، وهو من كبار شيوخ البخاريِّ، وأكثر ما يحدث عنه في «الصحيح» بواسطة، وروى عنه في الجنائز بدون الواسطة [خ¦1368] ، قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) بن درهمٍ، قال (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ) هو زوج أمِّ أنس رضي الله عنهما، واسمه زيد بن سهلٍ الأنصاري شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا وسائر المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد النُّقباء، وعاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنةً ومات بالشَّام، قاله أبو زُرعة الدِّمشقي، وعن أنسٍ رضي الله عنه أنَّه غزا البحر فما وجدوا جزيرة يدفنوه فيها إلَّا بعد سبعة أيام ولم يتغير، وفي القوم كان أبو عبيدة وأُبيُّ بن كعب على ما يأتي في رواية البخاريِّ في «الأشربة» [خ¦5582] .

وفي رواية لمسلم (( إني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيُّوب ورجالٌ من أصحاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) )، وفي رواية له (( إنِّي لقائم على الحيِّ على عمومتي أسقيهم ) )

ج 11 ص 374

وفي رواية له (( كنت أسقي أبا طلحة وأبا دجانة ومعاذ بن جبل في رهطٍ من الأنصار ) )وفي رواية له (( إنِّي لأسقي أبا طلحة وأبا دجانة وسُهيل بن بيضاء من مزادة ) ).

(وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ) أصل الخمر، من المخامرة، وهي المخالطة، سُمِّيت بها لمخالطتها العقل، أو من التَّخمير وهو التَّغطية، سُمِّيت بها لتغطيتها العقل يُذكَّر ويؤنَّث.

وجزم ابن التِّين بالتَّأنيث، وقال ابن سيده هي ما أسكرَ من عصير العنب والأعرف فيها التأنيث وقد يذكَّر، والجمع خمور.

وقال ابن المسيَّب _ فيما حكاه النَّحاس في «ناسخه» _ سُمِّيت بذلك لأنَّها صعد صفوها ورسب كدرها، وقال ابن الأعرابيِّ لأنَّها تركت فاختمرت، واختمارها تغيُّر ريحها، وجعلها أبو حنيفة الدينوري من الحُبوب، وأظنُّه تسمحًا منه؛ لأنَّ حقيقة الخمر إنَّما هي للعنب دون سائر الأشياء.

وعند أبي حنيفة الإمام الخمر هي النَّيء من ماء العنب إذا غلا واشتدَّ، ولها عدة أسماء نحو المائتين ذكرت في «شرح معاني الآثار» للعينيِّ.

والفَضيخ _ بفاء مفتوحة وضاد وخاء معجمتين _ شرابٌ يُتَّخذ من البُسر، من غير أن تمسَّه النَّار، وقال ابن سِيْده هو شرابٌ يتَّخذ من البُسر المفضوخ؛ يعني المشدوخ.

وفي «مجمع الغرائب» ويُروى عن عمر رضي الله عنه أنَّه قال ليس بالفضيخ ولكنَّه المفضوخ، وقال أبو حنيفة هو ما اعتصر من العنب اعتصارًا، وكذلك فضيخ البسر، وقال الدَّاودي يُهشم البُسر ويُجعل معه الماء، وقاله الليث أيضًا.

(فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيًا يُنَادِي أَلاَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِيْنَةِ) أي في طرقها، جمع سِكة _ بالكسر _ وفي السِّياق تقدير، والمعنى حرِّمت فأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها، فأريقت فجرت ... إلى آخره.

(فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا) الهاء فيه زائدة وأصله أرقها، من الإراقة، وهي الإسالة والصَّب، ويُقال أراق وهَرَاق وإهراق(فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا

ج 11 ص 375

وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا)ممَّا لم يحرَّم عليهم لقوله ( {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ) أي اتَّقوا المحرَّم وثبتوا على الإيمان والأعمال الصَّالحة ( {ثُمَّ اتَّقَوْا} ) ما حرم عليهم بعدُ كالخمر ( {وَآَمَنُوا} ) بتحريمه ( {ثُمَّ اتَّقَوْا} ) ثمَّ استمرُّوا وثبتوا على اتِّقاء المعاصي ( {وَأَحْسَنُوا} ) وتحروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها.

ويحتمل أن يكون هذا التَّكرير باعتبار الأوقات الثَّلاثة، أو باعتبار الحالات الثَّلاثة استعمال الإنسان التَّقوى والإيمان بينه وبين نفسه، وبين النَّاس، وبينه وبين الله تعالى، ولذلك بدَّل الإيمان بالإحسان في الكرة الثَّالثة إشارةً إلى ما قال صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان من قوله صلى الله عليه وسلم (( الإحسان أن تعبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك ) )أو باعتبار المراتب الثَّلاث المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يُتَّقىَ فإنَّه ينبغي أن يترك المحرَّمات توقيًا من العقاب، والشُّبهات تحرُّزًا عن الوقوع في الحرام، وبعض المباحات تحفُّظًا للنَّفس عن الخِسَّة وتهذيبًا لها عن دنس الطَّبيعة.

( {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة 93] ) فلا يؤاخذهم بشيءٍ، وفيه أنَّ من فعل ذلك صار محسنًا، ومن صار محسنًا صار لله محبوبًا، وقال الإمام أحمد حدَّثنا أسود بن عامر ثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لمَّا حُرِّمت الخمر، قال أناسٌ يا رسول الله! أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ {ليْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا} الآية، قال ولما حولت القبلة، قال أناسٌ يا رسول الله! أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيت المقدس، فأنزل الله تعالى {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة 143] .

وقال أبو داود الطَّيالسي ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال لمَّا نزل تحريم الخمر، قالوا كيف بمن يشربها قبل أن تُحرَّم؟ فنزلت {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة 93] الآية.

ج 11 ص 376

ورواه التِّرمذي عن بُنْدار عن غُنْدر عن شعبة نحوه، وقال حسنٌ صحيح.

وفي الحديث تحريم الخمر، وذكر ابنُ سعد أنَّ تحريم الخمر كان في السَّنة الثَّالثة بعد غزوة أحد.

وفيه قبول خبر الواحد، وفيه حرمة إمساكها، ونقل النَّووي اتِّفاق الجمهور عليه، وفيه أنَّ قول من قال قُتِل قوم وهي في بطونهم صدرَ عن غلبة خوفٍ وشفقةٍ، أو عن غفلة عن المعنى؛ لأنَّ الخمر كانت مباحة أولًا، ومن فعل ما أُبيح له لم يكن له ولا عليه شيءٌ؛ لأنَّ المباح مستوي الطَّرفين بالنِّسبة إلى الشَّرع.

وفيه فَجَرَتْ في سكك المدينة. واستدلَّ به ابن حزمٍ على طهارة الخمر؛ لأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم كان أكثرهم يمشي حافيًا فما يُصيب قدمه لا ينجس به، وهذه جراءةٌ عظيمةٌ منه؛ لأنَّ القرآن أخبر بنجاستها.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( فهرقتها فجرت في سكك المدينة ) )، والحديث أخرجه المؤلِّف في «التفسير» [خ¦4617] و «الأشربة» أيضًا [خ¦5580] ، وأخرجه مسلم في «الأشربة» ، وكذا أبو داود فيه نحوه، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت