فهرس الكتاب

الصفحة 3862 من 11127

2465 - (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ) حفص بن ميسرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ) بالنصب على التَّحذير؛ أي اتَّقوا الجلوس واتركوه (عَلَى الطُّرُقَاتِ) ترجم بالصُّعدات، ولفظ المتن «الطُّرقات» إشارةٌ إلى تساويهما في المعنى، وقد ورد بلفظ «الصُّعدات» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند ابن حبان، وهو عند أبي داود بلفظ «الطُّرقات» .

(فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ) أي ما لنا غنىً عنه (إِنَّمَا هِيَ) أي الطُّرقات (هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ) من الإباء؛ أي فإذا امتنعتُم عن الجلوس (إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا) أي إلَّا الجلوس فيها، استعمل المجالس بمعنى الجلوس، كذا هو في رواية الكشميهنيِّ، وفي رواية غيره ، من الإتيان وبكلمة «إلى» الجارة.

(فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قَالُوا

ج 11 ص 378

وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم حقُّ الطَّريق (غَضُّ الْبَصَرِ) وأراد به السَّلامة من التعرُّض للفتنة بمن يمرُّ من النِّساء وغيرهنَّ (وَكَفُّ الأَذَى) وأراد به السَّلامة من التَّعرُّض إلى أحدٍ بالفعل والقول ممَّا ليس فيهما من الخير كالاحتقار والغيبة ونحوهما.

(وَرَدُّ السَّلاَمِ) على الذي يسلِّم عليه من المارِّين (وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ) وهو كلُّ أمرٍ جامعٍ لكلِّ ما عُرِف من طاعة الله عزَّ وجلَّ، والتَّقرُّب إليه والإحسان إلى الناس، وكلُّ ما ندبَ إليه الشرع من المحسِّنات.

(وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ) وهو ضدُّ المعروف، وكلُّ ما قبَّحه الشرع وحرَّمه وكرهه، وزاد عند أبي داود (( وإرشادُ السَّبيل وتشميت العاطس إذا حمد ) ). ومن حديث عمر رضي الله عنه عند الطَّبري (( وإغاثةُ الملهوف ) )زيادةٌ على ما ذكر هنا، وقال القرطبيُّ فهم العلماء أنَّ هذا المنع ليس على جهة التَّحريم، وإنَّما هو من باب سدِّ الذَّرائع والإرشاد إلى الأصلح، وذلك لأنَّه نهى أوَّلًا عن الجلوس حسمًا للمادة، فلمَّا قالوا ما لنا منها بدٌّ، ذكر لهم المقاصد الأصليَّة للمنع، فعُرِف أنَّ النَّهي الأول للإرشاد إلى الأصلح، قال وفي رواية (( وحُسْنِ الكلام ) )من ردِّ الجواب، قال يريد أنَّ من جلس على الطَّريق فقد تعرَّض لكلام النَّاس فليحسن لهم كلامه وليصلح شأنه.

روى هشام بن عروة عن عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما، قال المجالس حلقُ الشَّيطان، إن رأوا حقًّا لا يقومون به، وإن يروا باطلًا فلا يدفعونه، وقال عامر كان النَّاس يجلسون في مساجدهم، فلمَّا قتل عثمان رضي الله عنه خرجوا إلى الطَّريق يسألون عن الأخبار.

وقال طلحةُ بن عبيد الله مجلس الرَّجل ببابه مروؤة، وقال ابنُ أبي خالدٍ رأيتُ الشَّعبي جالسًا في الطَّريق.

وفي الحديث الدَّلالة على النَّدب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما يكره رؤيته، وسماع ما لا يحلُّ له سماعه، وما يجب عليه إنكاره، ومن إغاثة مستغيثٍ تلزمه إغاثته، وذلك أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما أذن في الجلوس بالأفنية والطُّرق بعد نهيه عنه إذا كان يقوم بالمعاني التي ذكرها، وإذا كان ذلك كذلك فالأسواق التي تجمعُ المعاني التي أمر الشَّارع الجالس بالطَّريق

ج 11 ص 379

باجتنابها مع الأمور التي هي أوجب منها، وألزمُ من ترك الكذبِ والحلف بالباطل، وتحسين السِّلع بما ليس فيها، وغشُّ المسلمين وغير ذلك من المعاني الَّتي لا يُطيق بما يلزمه منها إلَّا من عصمه الله تعالى، أحق وأولى بترك الجلوس منها في الأفنية والطُّرق، والله أعلم.

والحديث أخرجه المؤلِّف في «الاستئذان» [خ¦6229] ، وأخرجهُ مسلمٌ فيه وفي «اللَّباس» ، وأبو داود في «الأدب» ، ومطابقته للترجمة ظاهرة على ما قرَّرنا في أوَّل الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت